تعمد الدكتور أحمد سامي أن يصل إلى الوزارة حوالى الساعة التاسعة ، أو حين ينتهي كثير من الموظفين من تناول الإفطار ، ويأخذون في تصفح الجرائد ،كي يجد فسحة من الوقت للتحدث في المسألة التي تشغله وتهمه ، وقصد إلى قلم العلاوات مسترشدا بمن صادفه من السعاة ، واجتاز بابه في خطى ثقيلة وألقي نظرة شاملة على المكاتب والموظفين ، ثم اقترب من أدنى المكاتب إلى الداخل وحيا الموظف الجالس إليه بلطف وأدب ،
وسأله بصوت خفيض : " أين رؤوف افندي عبد القادر من فضلك ؟ " فأومأ الرجل إلى مكتب خال يتوسط المكاتب ورد عليه قائلا : " هذا مكتبه وقد اعتذر عن التأخير ، ساعة فتفضل بانتظاره . فشكره الدكتور ودلف إلى المكتب وجلس على كرسي قريب منه ينتظر صاحبه
الذي جاء خصيصا لمقابلته ، بعد أن تجشم متاعب السفر إليه من الزقازيق مكان عمله ؛ وكانت مسألته على وجه التحقيق علاوة استحقها عند تطبيق الكادر الجديد ، وصرفت إليه شهرا ، ثم أوقف صرفها بحجة أنه تبين
بعد ذلك أن شروط استحقاقه لها لم تكن كاملة ، ولم يفكر الدكتور في معارضة قرار الوزارة ، إلا أن صديقا له - ولرؤوف افندي أيضا - ممن يلمون بقواعد العلاوات ، اعتقد أن حرمانه من العلاوة في غير محله ،
فلعب الأمل بقلب الدكتور ، وارتأى أن يكتب للوزارة شكوى خاصة ؛ ولكن الصديق أشار عليه مقابلة رؤوف أفندي رئيس قلم العلاوات الذي يثق فيه ثقة عمياء ، وقد قال له عنه وهو ما يزال يذكره يستعيده : " رؤوف افندي موظف كفء وحجة في العلاوات وقواعدها
لا تفوته منها كبيرة ولا صغيرة ، وقد تمرس بعمله عهدا طويلا ، وقضى في الدرجة الثامنة خمسة عشر عاما قبل أن يرقى إلى الدرجة السابعة ، ولمدير المستخدمين فيه ثقة عمياء ، فهو مشيره ويده اليمنى على ما بينهما من فارق في الدرجات ، ولكن ينبغي أن تحسن فهمه لتظفر بصداقته ومعونته ، وإلا انقلب لك عدوا يقيم في طريقك العراقيل ،
ويعقد لك الأمور والأساليب الحكومية المعروفة . فاعلم أنه رجل كثير الاعتداد بنفسه ، شديد الغرور ، تباه فخور ، حساس الكرامة إلى حد المرض ، كما يقع لكثيرين ممن يدارون في أعماق سريرتهم نقصا أو عجزا ، ونقصه مركز في تعلمه الأولى ودرجته البسيطة ، ولذلك تجده كثير
الوساوس ، فيوجس من أطباء الوزارة خيفة ويضمر لهم الضغينة ويتهمهم بالغرور والعجرفة وسوء الأدب ، ويقول عنهم إنهم يعتقدون خطأ وباطلا أن الموظف الفني من طينة غير طينة الموظف الكتابي وجبلة غير جبلته
ولذلك يستبيحون احتقاره والاستعلاء عليه ، وطبيعي أن يسفه هذا الرأي ويقدح فيه ، وكثيرا ما يؤكد أن الموظف الكتابي رجل شهيد مهضوم الحق وأن عمله أشق في الواقع من عمل الأطباء . . فحاذر أن يستشعر في حديثك أو مظهرك الكبرياء او الجفاء ، وأعتقد أنه لا تنقصك اللباقة ولا الحنكة . . على أن الأمر يستوجب أكثر من اللباقة والحنكة ....فرؤوف افندي -على صلقه وكبريائة - مغرم بالتدخين ، ولكنه لا يبتاع السجائر إلا فيما ندر ،
وهو في مواسم العلاوات لا يجد حاجة إلى ابتياعها إطلاقا . وغرامة بالحاتي لا يقل عن غرامه بالسجائر ، وإنفاقه عليه دون انفاقه على السجائر هذا غير الحلوان والهدايا ولأضرب لك مثلا بعصاه وساعته ومعطفه فجميعها هدايا تقبلها في مختلف المناسبات . ولا بأس أن تعلم بأنه أب لستة أطفال أو سبعة ، المسترشد بذلك في اختيار الهدايا ، فاذكر هذا وافهمه جيدا .
وقد ذكره وفهمه وتوثب لاحتمالاته ، ووازن بين ما يحتمل أن يبذله وما عسى أن يربحه فوجد أنه الرابح على أي حال ، لأن العلاوة التي يطمع في استردادها جنيهان ونصف ، وهو مبلغ لا يستهان به ، ولبث ينتظر متصبرا وهو يقول لنفسه : إن مقابلة وزير لا تكلف مريدها هذه الواجبات الأدبية والمادية ، ثم تنبه على وقع أقدام ثقيلة آتية من ناحية الباب ، فاتجه بصره نحو القادم فرأى رجلا في نحو الأربعين من عمره مفتول الشارب على الطريقة الغليومية ، يرتدي معطفا أسود ثمينا ، ويهز في يمناه عصا غليظة ذات مقبض عاجي ، مقبلا نحو المكتب الذي جلس إلى جانبه في خطى وتيدة وخيلاء ، مقطب الجبين منتفخ
الأوداج ، وقد حيا الموظفين دون أن يعير أحدهم التفاتة او تلين أساريره ، فلم يؤخذ الدكتور بمظهره وعلى العكس وجد ابتسامة ساخرة تحاول الإفلات من سريرته إلى شفتيه ، ولكنه تمالك عواطفه ونهض قائما تحية للقادم العظيم ، فألقى عليه هذا نظرة عابرة ، ومضى يخلع معطفه متمهلا وعلقه بالمشجب كما علق عصاه وكأنه لم يره أو يحس له وجودا ، فاستاء الدكتور وأوشك أن يستولى عليه
الخنق -ولكنه لم يغفل عن غايته التي ينشدها ، فلم يبد على وجهه أدنى تغيير ، ودس يده في جيبه فأبرز بطاقة صديقه وقدمها للموظف الخطير ، فتناولها الرجل وهو يلقى عليه نظرة لاح بها شئ من الاهتمام ، كأنما يدرك وجوده لأول مرة ، ثم نظر في البطاقة وقرأ توصية الصديق فابتسمت أساريره قليلا ومد يده للدكتور فتصافحا ، وقال له مشيرا إلى الكرسي " تفضل يا دكتور بالجلوس " ، فشكر
الدكتور وجلس دون أن يلاحظ أن صوت الرجل علا وهو ينطق بلفظ ( دكتور) ليعلن شخصية ضيفه للموظفين ، ثم جلس رؤوف افندي كذلك وألقى على الموظفين نظرة كأنما ينظر إلى أشياء تملكها بيمينه ، واستنظر الدكتور حتى ينظر في الأعمال ، ودعا أحد الموظفين فجاءه يسعى بالأوراق المعدة للعرض ، وحمل الرجل يطالعها على مهل ويبدي ملاحظاته الشفوية ، طورا منتقدا وطورا معنفا ، ثم يوقع عليها بامضائه ، وتتابع على مكتبه الموظفون فلم يعف واحدا منهم من ملاحظة
ينص بها ، والدكتور يراقبه عن كثب ، لا تفوته حركة من حركاته ولا قول من أقواله ، وقد أيقن بأنه مريض بمرض العظمة وأنه يصلح بغير شك لأن يكون نادرة من نوادر المزاح والعبث . وانتهى الرجل من المراجعة ثم التفت إلى الدكتور وهو يقول : " فرغت لك الآن . . فهات ما عندك يادكتور ، وتعمد الدكتور في هذه اللحظة أن يبرز عليه السجائر المذهبة وقدم له سيجارا فألقى على
العلبة نظرة خاطفة وتناول السيجار شاكرا ، وتناول الدكتور أخرى ، ثم تكلم في الموضوع الذي جاء من أجله ، فذكر كيف تقررت له العلاوة وكيف حرم منها وشرح باسهاب رأي صديقه في خطأ إجراء الحرمان ،
وأصغى إليه رؤوف افندي بإنتباه واهتمام يعادلان لذة السيجار النفيسة ، ووجه إليه بعض أسئلة تتعلق بموعد آخر علاوة صرفت إليه وتاريخ دخوله الخدمة ، ثم صمت صمتا عميقا ، وضيق عينيه وجعل يهز رأسه هزات بطيئة تدل على الأناة والتفكير ، والدكتور لا يحول عنه عينيه منتظرا الكلمة الفاصلة ، وقد امحى شعوره بالسخرة ، وحل محله اهتمام جدى مشوب بالقلق ، ونفد صبره فتساءل قائلا :
" ماذا ترى يارؤوف بك ؟ " فالتفت رؤوف بك إليه وقد رفع حاجبيه الكثيفين وقال : " يادكتور أحمد . . إني عظيم الأمل في أن أرد إليك هذه العلاوة فلاح الإرتياح في وجه الدكتور وقال بسرور : " حقا ؟ . أريد رأيا قاطعا ( فقال رؤوف افندي بثقة : " الأمر يتوقف على كيفية كتابة المذكرة ، وأعدك بأني أدرس حالتك بعناية تامة فابتسم الدكتور وقال برجاء : " خير البر عاجله ؟ ولكن الرجل أبدى حركة تدل على الأسف وقال :
إنني الآن مشغول جدا يادكتور ، ولكني سأفرغ لك غدا أو بعد غد " فأحس الشاب خيبة وقال لنفسه إن الثعلب يطمع في مزيد من الرجاء والجزاء ، فكيف أغزوه ؟ ولكنه لم ير يدا من شكره فشكره وما يزال يفكر في حل موفق وكان رؤوف افندي يهئ له الفرصة وهو لا يدري ، كان يفكر في أمر ذي بال بهمه فقال للدكتور
" لا تؤاخذني يادكتور إذا انتهزت فرصة وجودك لأنتفع بعلمك فقال الدكتور بسرور صادق : " إنى رهن اشارتك فاستطرد الرجل قائلا( لي ابن في العاشرة ورم ما تحت أذنيه منذ يومين وارتفعت حرارته ، فما ترى في ذلك) وكان الدكتور يتوقع خدمة أخطر من ذلك
فسر سرورا مضاعفا وقال للرجل : " يحسن في أن أفحصه بنفسي يا أستاذ رؤوف ، فدعني أصحبك إلى البيت بعد انصراف الدواوين وشكره الرجل ثم تصافحا ، وغادر الدكتور القلم على ان يعود إليه في الموعد المضروب . .
وفي تمام الساعة الثانية عاد الدكتور إلى الوزارة وغادراها معا ، وكان رؤوف افندي يمشي مشية الخيلاء وفي فمه سيجار من علبة الدكتور المذهبة ، وقد أجمع الدكتور على أمر ، فلما بلغا ميدان الأزهار قال الشاب وكأن الفكرة خطرت له عرضا : يا رؤوف بك إني لم أتناول طعام الغداء بعد ، ولي زمن طويل لم أعرج على الحاتي ، فهلا تفضلت بصحبتي إليه ؟ " فلبث رؤوف افندي كالمتردد
لحظة ثم أبرز ساعته ونظر فيها - وهي حركة لا معنى لها البتة ثم قال مبتسما ولم يكن يبتسم إلا نادرا : لا يأبى الكرامة إلا لئيم " ومضيا معا إلى الحاتي وجلسا متقابلين وطلب الدكتور رطلين من الكباب ، وفي أثناء تناولهما الطعام جعل رؤوف افندي يأنس إلى صاحبه ويألفه وما عتم أن زايله الصلف والجفاء ، فمزق قناع التكلف وانبسطت أساريره ، وبدا إنسانا لطيفا كثير الكلام
وجعل الدكتور يحادثه ويعجب لأمره ، وقد بدا له أن يسأله عما يحمله على اتخاذ طبيعة غير طبيعته ، ولكنه تردد ثم عدل عما بدا له ، وقال لنفسه ما من شك في أنه يحكم القلم بمظهره الكاذب ، على أن الأمر يعدو هذا ، فالخيلاء غالبا ما تتخذ قناعا لنقص أو هوان ، ولعلهما اجتمعا معا لرؤوف افندي ، ولكن ما لي أنا ولهذا ؟ فلا عمل بالمثل القائل ) إن كان لك عند الكلب حاجة فقل له ياسيدي .)
وغادرا الحاتي بعد أن امتلأ ، واستقلا الترام إلى السيدة زينب ، وترك الدكتور قياده لرؤوف افندي ، فمضى به من شارع إلى شارع حتى انتهيا إلى عطفة دعبس ، وهي عطفة ضيقة حقيرة تتراكم القاذورات في جوانبها وتغرق مساكنها في البؤس والفقر ، ويعتورها التداعي ، فلم
يصدق الدكتور ان هذا الموظف الفخم يقيم في هذه العطفة البائسة ، ولحظه بطرف عينيه فقرأ في وجهه الارتباك ، فأدرك حرجه وفطن إلى بواعثه ، والتفت الرجل إليه وقال بصوت كالمعتذر : " إنك تشرف دارا ليست قد المقام ، ولكن ما عسي أن يصنع موظف مثلي أب لستة ، منهم واحد في الثانوي واثنان في الابتدائي ؟ ولقد أبى علي زمان كنت أقطن في عمارة حسن الفضل بشارع جعفر ، ولكنه الواجب كما ترى . .
قوبت الشاب علي كتفه وأثنى علي همته وقال له : إن الأبوة البارة فضيلة قد لا يحظى بمثلها سكان الزمالك وجاردن ستي ، وبدأ يشعر بعطف نحو الرجل الذي كان يسخر منه ويتهكم به ، ثم دخلا بيتا متداعيا وولجا باب شقة في الدور الأرضي ، وأدخله حجرة إلى يمين الداخل ، استنتج أنها حجرة الاستقبال ، لم ير أيأس منها إلا في أكواخ الفلاحين بقرى الزقازيق ، فرشت بحصير وأثثت بكنبتين متقابلتين ، ولكن الظاهر انها كانت تستعمل للنوم
أحيانا كما استدل على ذلك من تراكم البق في شقوق جدرانها ، فتقززت نفسه ، ولبث متململا ، ولكن لم يطل انتظاره ، فجاء الرجل يقود بيده غلاما متورم الوجه ملتهب الجبين ، واستقبلهما الشاب مبتسما وأجلس الغلام على الكنبة وأقبل عليه يفحصه بعناية ، وأدرك انه مصاب بالتهاب الغدة النكفية ، فكتب له روشتة الدواء وأوصاه بحجزه عن إخوته لمنع العدوى ، فشكره الرجل وخرج معه يوصله متأخرا عنه في احترام وإجلال ، وأبى إلا أن يرافقه إلى الطريق العام ، وسار إلى جانبه صامتا متفكرا
ثم قال بصوت حزين : " يأبى الكدر أن يغفل عني . . وقد حسبت نفسى بالأمس أسعد الناس حين وعدني كبير من رجال المعارف بالسعي لاعفاء ابني من المصروقات المدرسية ، ولكني علمت الآن فقط أن الناظر أبى أن يقبله حتى يؤدي القسط الاول ، وهو لابد من تأديته ولو
أعفي فيما بعد من بقية المصروفات وأدرك الدكتور من مضاضة لهجته أنه لا يملك مليما من القسط المطلوب فتتم قائلا بتأثر : " أعانك الله ياسيدي ولكنه على تأثره وعطفة أمسك عن التبسط في الحديث خشية التورط ، واختلس منه نظرة فطالع في عينيه نظرة متكسرة حائرة وقد اكفهر وجهه ولاح الكدر والغم على جبينه وهمى الحزن على نفسه ، وكأنه تناسى حرصه المعهود فقال بصوت كالأنين : " الأبناء . . الأبناء... إنهم سعادتنا
وشقاؤنا . لعلك لا تعلم مقدار السعادة التي تمنحها ابتسامة طفل ، ولم تتذوق بعد الموسيقي الالهية المودعة لفظة(بابا) ولكن ما طعم الحياة وطيبها إذا أن بهذا اللفظ متألما من ورم وجهه ؟ وما لذة العيش إذا هتف به الآخر شاكيا حرمانه من الدراسة ؟ " وضغط الدكتور على يده ، ولم يجد مايقوله ، فلاذ الصمت ولم ينبس الرجل بكلمة حتى بلغا الطريق فتصافحا وافترقا . وتمهل الدكتور قليلا وجعل يتتبع الرجل بناظريه ، فرأه يتعثر في خطاه الثقيلة وقد
خفض رأسه من الغم والكدر ، ورجع رؤوف افندي إلى بيته وكانت تزايله فيه الكبرياء فيبدو وديعا منكسرا ويفيض قلبه بالعطف والألم ، وقد توفرت له ذاك اليوم دواعيه فخلع ملابسه واستلقى على الفراش ينشد الراحة بعد طول العناء ، وجهد أن يطرد عن نفسه البلبال ، ولكنه استعصى عليه أن ينعم بالصفاء ، ومضى يحدث نفسه قائلا : " ما الحيلة الآن ؟ ! كيف أحصل على القسط الأول وما أملك ثمن الروشتة ؟ . وهذا محمد مريض
يتأذى ، وذاك علي محروم من الدراسة . رباه لم يبق من أثاثنا ما يستحق أن أعرضه للبيع ، فماذا أنا فاعل ؟ .
وأغمض جفنيه ورأسه ما يزال مستعمرا بالفكر ، ثم أسنده إلى كفه ، وقد دلي شاربه العظيم وتشعث ، ولكنه لم ينشط إلى فتله بالعناية والأناة المعهودتين اللتين يعرفهما عنه موظفو قلم العلاوات
