الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 307الرجوع إلى "الرسالة"

حفلة تأبين الملك غازي الكبرى في بغداد

Share

كان يوم الأحد ١٤ مايو من أيام بغداد الغر. وما أكثر  الأيام الغرّ في بغداد! وكانت حافلة بوفود العربية من كافة أقطارها.  وكان الناس في كل ندىّ وقهوة ومنزل مصغين إلى صناديق  الإذاعة التي لم تنقطع منذ الغداة الباكرة إلى ثلث الليل عن بث  الخطب والكلمات والقصائد والمقطوعات تتخللها آيات الذكر  الحكيم يتلوها المشيخة من قراء بغداد، وعلى رأسهم القارئان  الأشهران الحاج محمود عبد الوهاب والمّلا مهدي

أما الحفلة الكبرى التي شدت إليها الرحال، فقد أقيمت  في   (بهو الأمانة)  في منتصف الساعة الرابعة فافتتحها الملا مهدي

بتلاوة آيات   (وما محمد إلا رسول)  وكان موفقاً في اختيارها،  ثم أعلن عريف الحفلة الأستاذ السامرائي مدير الدعاية والنشر  أن الكلام لفخامة نوري السعيد باشا الذي رحب الضيوف،  وتكلم عن العرب في الجاهلية ووصف ما كانوا عليه من تأخر  وجهل وما صاروا إليه بعد اتباعهم محمداً من التقدم والعلم،  وعرض لوفود العراق على النبي صلى الله عليه وسلم ووصف هذه  الوفادة بأنها ابتداء الصلة بين العراق والأسرة الهاشمية. ثم تكلم  عن أثر العراق في نشر الإسلام وصلتهم على الأيام بهذه الأسرة  الماجدة، وخلص إلى الكلام على الملك حسين وما قام به من أعمال  وعلى ابنه وحفيده عليهم رحمة الله. ثم صرح بأن العراق سيواصل  العمل في سبيل القضية العربية، وختم كلمته برفع الشكر إلى الأمة  العربية الممثلة في وفودها.

ثم قدم العريف دولة لطفي الحفار بك رئيس الوزارة الشامية  السابقة الذي ألقى كلمة طيبة بيّن فيها عظم الفاجعة بغازي، وأثر  الحسين وأسرته في تاريخ العرب، وذكر بالشكر موقف الملك  غازي من الشام شماله وجنوبه؛ وأعلن أن الشام وأهله سيبقون  ذاكرين له شاكرين، وصرح بوحدة المشاعر والأماني بين البلدين

ثم قدم سعادة حمد الباسل باشا فألقى كلمة افتتحها بذكر  الاتفاق في الموضوع والفكر في الخطب كلها، وأن ذلك يدل  على اتفاق العواطف والشعور، ثم تكلم عن ثورة الحسين وعن  أسرته إلى أن انتهى إلى غازي وفيصل الثاني   (الصغير بنفسه  الكبير بأمته)  وأثنى على حسن اختيار الوصي وعزى العراق  باسم مصر وَرَجَا لَهُ التقدم والمجد

ثم تكلم جمال بك الحسيني مندوب اللجنة العربية باسم فلسطين  فبيّن أن الكوارث تنشئ القوة وأن امتحان العراق بالنكبات  لم يكسبه إلا قوة وصبراً. ووصف روعة المصاب بغازي وآلام  البلاد العربية ولا سيما فلسطين وعمل غازي في سبيلها،  وأعلن أنها لن تنسى عمله ولن تحيد عن مبدأ جده الأعظم  الرسول المصطفى

ثم ألقى الأستاذ علي الجارم مندوب وزارة المعارف المصرية  قصيدة دالية افتتحها بالبكاء على النضار الحرّ   (فما أغنى البكاء  ولا أجدى) ، وعلى النبات الذي ذوى، وجذوة النار التي انطفأت  ووصف   (لوعة مكلوم الفؤاد)  وذكر أنه الدهر (هو الدهر  ما بضت بخير يمينه، يجمعنا سهواً   (؟)  وينثرنا عمداً) وأنه لا يفرق

بين ملك وعبد، ووصف المصاب أوصاباً عامة تنطبق على كل  مصاب، وتصلح لكل ميت، فهدّ   (على عادته في كل رثاء)   هدّ العلياء، وأطفأ نور الشمس، وفرق الأنفس، وأبكى الترك  والهندا   (ولا تنس أن القافية دالية) . أما ما يخص به الراحل  الكريم ويصفه به، فهو أنا فقدناه ريان الشباب، وأن شمائله  تفيض مسكاً وآثاره نداً، وأنه كان حساماً بيد الله فصارت  الأرض له غمداً، وذكر اسمه بعد فقال:

يقودهم الغازي إلى خير غاية ... فأكرم به ملكاً وأكرم بهم جندا

كأن غبار السيف في لهواتهم ... سلاف من الفردوس مازجت الشهدا

وجاء في القصيدة أبيات حلوة جيدة، ولكنها على حواشي  الموضوع كقوله: لهم في سجل المجد أول صفحة ... كفاتحة القرآن قد ملئت حمدا ومن كتب المجد المبين بسيفه ... على جبهة الدنيا فقد كتب الخلدا ثم خاطب   (حمامة وادي الرافدين)  وسألها الترفق ودعاها  إلى الصبر، وتكلم عن دجلة والنيل وجاء بأبيات حلوة ثم أحس  بأنه لم يقل إلى الآن شيئاً عن الملك غازي بالذات فعاد يصفه. . . مضى الهاشمي السمح زين شبابهم ... وأعرقهم خالاً وأكرمهم جدا فتى تنبت الآمال من غيث كفه!!

واكتفى بذلك، فانتقل إلى وصف سفره إلى بغداد والقلب  واجف، وسلوكه الصحراء، وعده الساعات وسأمه، وأنه جاء  يقضي للعروبة حقها. ثم ختم قصيدته بالسلام على غازي وعلى الذي  من بعده   (كما كان يقول المتقدمون. . .)  وقد كان إلقاؤه مؤثراً.  وأسلوب القصيدة حلو سلس، وأن كانت في غير الموضوع، وكان  في الإمكان رد معانيها إلى مواضعها من الدواوين المطبوعة. . .

ثم قرأ الأستاذ بهجة الأثري المفتش في وزارة المعارف كلمة  معالي الدكتور هيكل باشا الذي أعلن أسفه على حرمانه من حضور  الحفلة، ووصف أثر الأسى في جمع القلوب، وبين أن العرب كلهم  أسرة واحدة كان الفقيد من أقطابها وإن الفاجعة فيه عظيمة، إذ فقده  شعبه ملكاً، وفقد ابنه أباً براً. وتكلم عن اتجاه العراق إلى الوحدة  العربية، واستشهد بحديث له مع فخامة نوري السعيد باشا، ثم  بين رجاء العرب في العراق ومليكه الجديد، ومشاركة مصر إياه  في آماله وآلامه

ثم قرأ طالب مشتاق بك طائفة من البرقيات الواردة من رفعة  النحاس باشا من مصر، وسعادة الدكتور شهبندر من دمشق،  والعشماوي بك، وخليل ثابت بك، والأستاذ خليل مطران من  مصر، وعصبة العمل القومي من دمشق، والأستاذ صبري العسلي،  ومعالي شكري بك القوتلي.

ثم ألقى الأستاذ الشيخ يوسف الخازن كلمة لبنان، فبيَّن  أن روابط الجهاد تؤلف بينه وبين العراق، وذكر فضل البيت  الهاشمي على العرب، وأن قد   (تحدث به الركبان في الحل والجزم!)   ووصف شباب غازي وضمّن كلامه أبياتاً في الشباب، ووصف جماله  وذكر أن الله جميل يحب الجمال. . . وبيّن موقفه من الفتنة  الاثورية بكلام كله استعارات ومجازات وتضمينات شعرية. . .  وشبه غازي بهنري الرابع الذي وصفه شاعر بأنه أخذ الملك بالإرث  وبالفتح معاً؛ وشبه فيصل الصغير بلويس الرابع عشر الذي ولى  الملك صبياً ورجا لَهُ مثل أيام لويس، وكانت كلمته حافلة بالمعاني،  وفيها وصف للفقيد.

ثم ألقى السيد بهاء الدين طوقان قصيدة الشاعر الشيخ  فؤاد باشا الخطيب وهي لامية أولها   (الذكر باق والعروش تزول)   وصف فيها نشأة غازي في أرض الحرم، ونخوته ونفسه الأبية.  ووصف حياته بأنها حلم أعقبه حيرة وذهول، ووصف حزنه على  الفقيد، وتمنى أن يكون له مزامير داود ليرثيه ولكنه عاجز،  ووصف عيه وعجزه وتمدح بأنه الطليق الحر، ولكنه غدا اليوم  مقيداً. والقصيدة قصيرة أشبه بمقطوعة من شعر الخطيب منها  بقصائده الطوال

ثم ألقى مندوب الأزهر كلمته فافتتحها باسم الله، وانفرد  بهذا الافتتاح المبارك دون سائر خطباء الحفلة، وبين أن للحياة  مراحل أربعاً كل واحدة أوسع من التي قبلها وأطول مدة، وهن  حياة الجنين وحياة الدنيا وحياة البرزخ وحياة الخلد في النعيم  أو الجحيم. وتكلم عن الوحدة الإسلامية وأنها في وسائل السلام  العام، وبيّن مبلغ الفجيعة بغازي والأمل في فيصل، ودعا إلى  القوة ونفي اليأس. وكانت كلمة طيبة ولكنها كانت أشبه في مفتتحها  ببحث علمي منها بخطبة تأبينية

ثم ألقى الأستاذ أكرم زعيتر من فلسطين كلمة حماسية قوية  وصف فيها جهاد فلسطين، وتكلم عن اهتمام المليك الراحل  بقضيتها، وعرض صورة خيالية مؤثرة لليالي المليك التي أحياها

مفكراً في فلسطين وتوهم حديثاً بينه وبين أهله، واستنجد العراق  باسم فلسطين، وطلب لها انتداب العراق وحمايته(1)؛ وذكر أن  الأمل في فيصل الصغير، ومدح حكومة العراق وشعبه.

ثم ألقى الأستاذ سليمان الأحمد   (بدوي الجبل)  قصيدة دالية  بدأها بصور خيالية، وصف فيها مصرع الشمس، وجعل حمرة  الفجر مقتبسة من دم غازي. ووصف عرس الجنان، وسدرة  المنتهى. ثم وصف كيف ضمت آلام فتاها الشهيد وصور روعتها  وحنانها، ووصف بغداد   (دنيا الرشيد، تفني الحضارات، وتبقى  كالدهر دنيا الرشيد) ، وكيف لاحت فهتف الهاتفون فجنت  السيوف، وانتخت في الغمود)، وانتقل إلى ذكر غازي:

وتجلى غازي فكبرت الدنيا ... وقال الجلال هل من مزيد

وبيمناه راية الوحدة الكبرى ... فميدي يا راية الله ميدي

ووصف عيد المليك، وصوّر المهرجان في دمشق، وما أعدت

له من زهر الغوطة وعطورها. ثم ذكر كيف كان ذلك  كله حلماً وانطوى،   (فمن رأى النسر بادرته المنايا، فهوى وهو  ممعن في الصعود) . وبين روعة الشام لجلال الحادث:

أشفقوا أيها النعاة على الشام ... ولا تجهروا بنجوى البريد

فربما كان كذباً، ربما كان اختلاقاً. ثم تحقق الخبر، ولم  يبق من شك فسألهم أن (أذيعوه يرجف البر والبحر، واحملوه  إلى ابن حمدان، وألموا بخالد وأمية وغسان. . . ثم انتقل إلى ذكر  الملك الطفل فجعل له:

تاج بغداد والشام ولبنان ... وبحر للروم طاغ عنيد

أيها البحر بعض تيهك لست للروم ...   (أنت للملك نضار بتاجه المعقود)

أيها البحر أنت مهما افترقنا ... ملك آبائنا وملك الجدود

وبين أنه:  (هاشمي الهوى أحب فما داري، وعادي على هواهم  وعودي)  - وكانت القصيدة على الجملة أحسن ما ألقي في الشعر  في هذه الحفلة، وإن كانت في أسلوبها دون الجارمية وقد اختتمها  بذكر الوحدة:

ليس بين العراق الشام حد ... هدم الله ما بنوا من حدود

ووصف جيش العراق الذي يغزو قبة الفلك. . . وتسجد له  الدنيا. . . وجعل الشام في ذمة الوصي على عرش العراق وذمة  العراق. . .

ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام كلمة الجامعة المصرية  فوصف كيف شجاها الخطب، وبين التعاون بين القطرين على  بناء المجد، وذكر روعة الخطب وعظمه، ولكنا أعظم منه  لأننا بنو الشدائد، وعرض إلى عبرة الخطوب وثمراتها في جمع  الكلمة والوحدة، وأعلن أن هذا المصاب مصاب المسلمين كلهم،  وختم كلمته بمقطوعة شعرية جيدة، بين فيها أن الرخاء بعد الشدة،  وأن البدر يبزغ من بين الغيوم، وأن ضحك الأرض من بكاء  السحب، وبعد غيض الماء فيض دجلة، وأن في كل خطب للفراتين  دعوة إلى المجد والقوة والحياة. وكانت كلمة طيبة بإلقاء أطيب. ثم ألقى الأستاذ الشريقي قصيدته فافتتحها بوصف حزنه،  ونضوب دمعه، وأثر الحزن في دجلة:

وما الحزن إلا ما ألم بدجلة ... ففاضت دموعاً فهي تندب غازيا

وجعل غناء الأطيار مراثياً، والاقمار تبكي مؤملاً: أطلّ على الدنيا  هدى وأمانيا. ووصف غازي وصفاً مجملاً:

فلله من أدى الأمانة حقها ... ووهّج للضوء الذي كان خابيا

وأنه تمرس بالأخطار، وأنه فتى الأمل المزهو، وأنه خير من  قاد العتاق المذاكيا، وأنه هو الفجر إشراقاً، وله الهمة القصاء،  وطلب لقبره سقيا الغيث:

رويا لشهيد المجد حياه هاطل ... من الغيث لم يبرح على القبر هاميا

في أوصاف هذا سبيلها، ثم عرض للأمل ببغداد وأنها:

تواثب دهر العرب حتى ترده ... وقد كشفت عنه الأذى والعواديا

والقصيدة من باب الجارمية وإن كانت لا تحمل مثل أسلوبها  وليس لها سلاستها وحلاوة ألفاظها

ثم ألقى الشاعر اللبناني الأستاذ شبلي الملاط قصيدة وصف  فيها الفاجعة بغازي أحسن وصف، ولكنه لم يملك ناصية الأسلوب  ولم يستطع أن يجعل ألفاظه كمعانيه فهو على الضد من الجارم،  وانتقل من وصف الفاجعة التي حدد تاريخها وصور دقائقها  إلى الكلام على فيصل:

بدر العروبة وابن عم محمد ... نسباً وأعرق دوحة ميلادا

وأعاد أيام الرشيد وتاجه ... واستصرخ المجد القديم فعادا

ثم انتقل إلى غازي ووصف أخلاقه وأنه يلين عند اللين ويشتد  عند الشدة:

وتثور ثورة نفسه إن حاولت ... أيدي الغريب لقومه استعبادا

ثم وصف فلسطين وأطال ثم خلص إلى الكلام على نصرة  غازي إياها، وعرض لذكر فيصل الصغير وندائه أباه، وتفتيشه  عنه في سريره، وذكر عبد الإله والعراق ولم ينس أن يتحدث  عن نفسه وأن يتشبه بـ. . . هوميروس!

ثم ألقى الأستاذ اليعقوبي قصيدة طويلة جداً ليس في مبناها  ولا معناها ولا إلقائها ما يذكر بالجودة. يقول فيها:

أبا فيصل أحبب بها لك كنية ... ورب رجال لا تحب كناها

وجاء فيها (وأسفرن ربات الحجال)  على لغة   (أكلوه البراغيث) ،  وجاء فيها   (ولا مرحباً في نهضة أو قضية إذا كنتم لا تحملون  لواها) ، وكان خيراً لو ختمت الحفلة بشبلي الملاط. ثم ختم  الحفلة فخامة رئيس الوزارة العراقية بالشكر والدعاء

(بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية