الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673الرجوع إلى "الثقافة"

حقائق عن الشيوعية، يجب أن يتدبرها الشباب

Share

كثر في المدة الأخيرة ضبط " الخلايا الشيوعية " في القاهرة والاسكندرية . والذي يلفت النظر قبل كل شئ أن معظم المقبوض عليهم في هذه الحوادث هم من الشباب المثقف ، وبخاصة من طلاب الجامعة ، وأن الأحكام التي أصدرها القضاء في المدة الأخيرة بالإدانة في قضايا الشيوعية ، قد بعثت إلى السجن بعدة من أولئك الشباب الجامعي .

وهذه ظاهرة خطيرة تدعو إلى أشد الأسف ، ولكنها تدعو في نفس الوقت إلى التفكير العميق . وقد كان عهدنا من قبل أن الدعاية الشيوعية لم تكن تتجاوز صفوف الطبقة العاملة ، التي تقع تحت صنوف من الإغراء والتضليل ، ولا ترقى إلي اجتذاب الشباب المستنير . أما اليوم فانا نري هذه الدعاية تنساب في نفس الوقت إلى الأوساط المثقفة ، ويقع ضحيتها كثير من الطلاب والطالبات ، فهل يمكن أن يكون ذلك دليلا على أن هذا الرهط من الشباب المثقف أصبح يؤمن حقا بالمبادئ الشيوعية ، ويري أن يكافح في سبيلها عن فهم وعن عقيدة ؟ .

أكبر الظن أن خديعة الشباب المثقف في ذلك لا تقل عن خديعة الطبقات العاملة ، التي تعتبر عادة مهدا صالحا لبث الدعاية الشيوعية وإغرائها ، بما تزعمه من العمل على سيادة الطبقات العاملة وتحريرها من استغلال طبقة " البورجوازي " التي تستأثر في زعمها بالسلطان وبالثراء بوسائلها الطاغية ، وان تحقيق المثل الشيوعية يكفل للطبقات العاملة أن تنتزع لنفسها هذا التراث المزدوج من السلطان والثراء . وقد يجذب مثل هذا التصوير الخاطئ لمثل الشيوعية بعض العناصر القلقة المتبرمة ، الساخطة على ظروفها وظروف المجتمع الذي تعيش فيه ؛ ومن المعروف أن الشباب كثيرا ما تنتابه أزمات نفسية تفسد عليه سلامة التفكير ،

وتجعله أكثر تأثرا بعوامل الإغراء والتضليل .

وفي اعتقادنا ان بعض عناصر شبابنا المثقف مجوز اليوم أمثال هذه الأزمات النفسية لأسباب أو عوامل كثيرة لا يتسع المقام لنخوض فيها .

ولهذا نرى أن نبسط للشباب ، والشباب المثقف بنوع خاص ، الحقائق الآتية لكي يتدبرها ويعيها كلما هتف به ذكر الشيوعية وغاياتها .

أولا : إن الشيوعية مذهب ثوري محض يرمي إلي تغيير النظم الاجتماعية القائمة بالفوضى ، ولا يعترف بأية وسيلة أخري لتحقيق أهدافه .

ثانيا : إن هدف الشيوعية الأساسي هو أن تقضي على نظام الإنتاج الفردي الذي يتمتع في ظله كل فرد بحرياته الطبيعية في أن يستخدم مواهبه وثرواته ووسائله المشروعة . وهي لذلك ترمي إلى إلغاء الملكية الشخصية ، وتأميم سائر مواد الإنتاج بحيث تغدو الدولة وحدها مالكة لسائر المواد القومية من أراض وغابات وأنهار ومناجم وأبنية وغيرها ، ويغدو سائر المواطنين على اختلاف مواهبهم ومهنهم أجراء في ظل الإنتاج الجماعي الذي تشرف عليه الدولة وحدها .

ثالثا إن ما يجول بخاطر بعض الذين أضلتهم الدعاية من أنه يترتب على تطبيق النظام الشيوعي أن نوزع أموال الأغنياء وأملاكهم على العمال والفقراء ، وبذلك تنقلب الآية ويتحقق أمل المعدمين في الثراء والنعماء هو محض هراء وخرافة ؛ ومع ذلك فان الدعاة لا يتورعون من التلويح للسذج والجهلاء بأمثال هذه الأباطيل إغراء لهم واستثارة لأحلامهم المريضة .

رابعا - إن التجربة الشيوعية قد فشلت في روسيا

السوفيتية ذاتها ، وهي التي يتخذها الدعاة دائما مثلا عمليا حيا للتدليل على تحقيق مثل الشيوعية وغاياتها ، وعلى إمكان تحقيق سيادة الطبقات العاملة في ظل المساواة التامة بين الأفراد في الفرص الاقتصادية ، ويعرف الذين درسوا تاريخ الثورة البلشفية وتاريخ النظام السوفيتي أن روسيا السوفيتية قد عانت في ظل النظام الشيوعي الأول ( سنة ١٩١٨ - ١٩٢٤ ) شر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، وأنها كادت تنزلق إلي هاوية الخراب والمجاعة من جراء التطرف في تطبيق سياسة التأميم المطلق ، وانه لم ينقذها من هذه المحنة سوى العدول عن المضي في تطبيق التجربة الشيوعية المطلقة واتخاذ سياسة جديدة معتدلة ، عدلت فيها عن كثير من الأصول الشيوعية المتطرفة ، وعادت فأباحت الملكية في حدود خاصة ، ثم جاء الدستور السوفيتي الجديد أو الدستور الأستاليني(١٩۳٦ )فتوسع في إباحة الملكية الخاصة . وحقوق الميراث . وقد كانت هذه السياسة المعتدلة التى باعدت بين النظام السوفيتي وبين الشيوعية المطلقة وجعلته أقرب إلى نوع من اشتراكية الدولة من رأي لينين ذاته وقد أيدها وأوصي باتباعها قبيل وفاته ( ١٩٢٤ ) وسار في تطبيقها من بعده ستالين وزملاؤه " المعتدلون " وقضى علي الجناح الشيوعي المتطرف الذي يتزعمه تروتسكي وزملاؤه نهائيا .

هذا فيما يتعلق بسير التجربة الشيوعية في روسيا ، وأما فيما يتعلق بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية التي انتهى إليها النظام السوفيتي ، فإنه لا مراء في أن روسيا السوفيتية ليست جنة الطبقات العاملة كما يقال احيانا ، وأن هذه الطبقات العاملة التى جعلوها في الدستور مصدر السلطات ، فضلا عما تعاني من انحطاط مستوى العيش بالنسبة للطبقات العاملة في الأمم الغربية ، لا تملك شيئا من السلطان ولا تتمتع بشئ من الحريات الفعلية . ولا مراء في أن النظام السوفيتي هو نظام دكتاتوري شديد الوطأة لا يسمح للفرد في ظله بأن يتصرف أو يفكر بأية صورة مستقلة ، وإذا كان هذا النظام قد نجح في إنهاض روسيا وتقويتها ، فذلك لظروف خاصة بروسيا والشعب الروسي ، ونجاح السياسة التى وضعها زعماء الكرملين . وقد دلت الحوادث على أنه من

المستحيل أن ينفذ العالم الخارجي إلي شئون روسيا وظروفها الحقيقية ، وذلك من جراء النطاق الحديدي المطبق الذي يحيط به زعماء الكرملين كل شئ في روسيا والأمم الواقعة تحت سلطانها . والذي لا يسمح لإنسان أن يقف على شيء من أحوال العالم السوفيتي .

هذه طائفة من الحقائق نبسطها لأولئك الذين تنفث إلي عقولهم الفتيه وإلى افهامهم المريضة سموم الدعاية الشيوعية ، وتخلب البابهم مزاعمها ودعاويها المغرية ، فيتورطون في شراكها دون تدبر ولا تمحيص ، ثم لا يلبثون أن يزلقوا إلى مهاويها الخطيرة .

إن واجب الشباب المثقف ، وهو الذي نحرص أشد الحرص على سلامة تكوينه العقلي والنفسي ، أن يمحص كل دعوة وكل فكرة تلقى إليه ، وألا يضله بريقها الخلاب عن تدبر كل ما يحيط بها من العوامل ، ومن الاحتمالات والعواقب الخطيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية