الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 384 الرجوع إلى "الثقافة"

حقنة واحدة

Share

بدأت الفكرة كضرورة حرب ، فكان لرجال البحرية في كل ميناء حب جديد ، وكان يغمرهم شعور الذي لن يعود أبدا ، وبأس الذي قد يموت غدا ، فلم يكن البحار يبالي في علاقاته الجنسية بحماية نفسه من الأمراض السرية ، وإذا أصيب بالسيلان هز كتفيه في استخفاف الذي يعتقد أنه قد يكون غدا أو بعد غد الصنف المفضل على مائدة الأسماك والحيتان ، فلتذهب جرثومة السيلان معه إلى الجحيم ما دامت هي التي شاءت هذا لنفسها ، أو قد يبدأ العلاج بحماس الذي يود لو تخلص من عذاب المرض ، ثم لا يلبث أن تستهويه مبهجات السويعات الباقية من إجازته القصيرة ، فيقول ياليت الماضي يذهب إلى غير عودة وياليت المستقبل الغريب لا يأتي ابدأ ، فلأعش دقائق أو سويعاتي الباقية ، فلقد اراحتني بضع الحقنات الأولى التي أخذتها ولأتمم العلاج من باكر . وقد لا يأتي باكر أبدا . مع مثل هؤلاء تحير طبيب الميناء ، فنبتت فكرة علاج السيلان تحقنة واحدة من البنسلين .

أحدث اكتشاف البنسلين تطورا هائلا في علاج السيلان . فكان العلاج لسنين مضت طويلا مرهقا يميل بعده المرض إلى الإزمان مهما بذل الطبيب من جهد ، وكان علاج مرض الزهري رغم بشاعة اسمه يبدو رحلة سهلة ميسورة مضمون النتائج ، فكانت تكفى للشفاء منه بضع حقن ، بعضها في الوريد وأخري في العضل ، لا يلبث المريض بعدها أن ينقي دمه ويتطهر من أدران الداء الخبيث . أما السيلان فكان علاجه مسئولية كبرى اختص المريض منها بجانب الآلام وطول المدة ووخيم العواقب من إزمان إلى عقم مستعص إلى نكسات متكررة ترهق حديدي الأعصاب والذي ورث عن أيوب صبره المثالي . أما الطبيب فقد كان يبدل الجهد تلو الجهد ويطبق كل ما جد في

ميدان العلاج من وسائل تبدو الآن من أساطير الأولين ، فكان ينجح حينا ويفشل حينا ، ويرقب عن كثب مظاهر باللل في وجه مريضه فيطلب منه التمسك بأهداب الصبر حتى يلوح بريق الفرج أو حتى يأذن الله بالشفاء .

وفجأة لاح في الظلمة نجم جديد خسف بريقه الجواري الواقفات وهتف المريض والطبيب : ما هذا الضياء الذي ملأ الفضاء ؟ وما هذا الحسن المجسم في قرص أبيض نسم ساحة الكف منه العشرات ، والذي إذا ابتلع طرد من الجسم دفيء الحشرات ؟ نعم ، ظهر السلفاناميد بمشتقاته الجذابة ، وأصبح علاج السيلان أيسر من ذي قبل وأصبح الداجينان والسيبازول أسمي علم ، وتعلق بهما ضحايا المرض ، وصار تعاطي هذه الأقراص العجيبة عن طريق الفم وسيلة للهجوم على الجرثومة في مخابئها بين ثنايا المسالك البولية ، فهي تفرز في البول بعد امتصاصها من الامعاء ، وتسبح معه باحثة منقبة عن الأوكار الملغمة بالجرائم ، وتقص كصاعقة ذرية فتشل منها القدرة على الحركة والتكاثر والمقاومة ، وتسلمها لوسائل دفاع الجسم الطبيعية لتتولى أمرها ، وينتهي الأمر في الغالب بانتصار الجسم البشري بعد معركة سلمية لا سلاح فيها ولا ألم .

ثم جاء البنسلين . هذا العملاق الضخم الذي هو لفرط حقيقته كالماء يخاله التائه الظمآن سرابا ويحسبه المصطلي بالجحيم للجنة منفذا وبابا . ولقد علم منذ الأيام الأولى من اكتشافه ان مفعوله ضد جرثومة السيلان حاسم وأكيد . فصار يعطي بنفس النظام المتبع في الأمراض الأخرى ، أي بحقن ١٠,٠٠٠ وحدة في العضل كل ثلاث ساعات لمدة خمسة أيام أو أكثر . ولما كان هذا المرض سريا فلا عجب إذا طالب المصاب به  بتبسيط إجراءات العلاج واختصارها ، فهو دائما أبدا يظن أن كل العيون ترمقه في ريبة وإشفاق ، ويعز عليه كثيرا أن يوخز بالإبر أياما طوالا من ممرض أو ممرضة عالمين بمرضه ، أو قد

يضايقه تردده على عيادة طبيبه بضع مرات اثناء النهار على مرأي من بواب العمارة وعامل المصعد والمتسكعين من معارفه على مقهي قريب . ثم يرسل المريض الصيحة في أذن طبيبه ، بل كانت الرغبة شعورا مكتوما خرج من القلب فصادف وترا حساسا في نفوس أطباء مرهفي الحس أمثال مالكان وهاربسون وميتلند وهاموند ، فابتدعوا طريقة علاج السيلان بحقن ثلاثين ألف وحدة من البنسلين كل 3 ساعات حتي يأخذ الريض خمس حقن ، أي أن المريض يتناول ما مجموعه مائة وخمسون ألف وحدة في نهار واحد . وقد ثبت أن الجرثومة تختفى في كل الحالات تقريبا بعد ساعتين إلي أربع ساعات ، ثم سرعان ما يتحول الإفراز من صديدي إلي مخاطي ، ثم لا يلبث أن ينقطع تماما خلال أربع وعشرين ساعة . وفي الحالات القلائل التي لا تشفي تماما ، يكرر العلاج بنفس الطريقة في اليوم التالي ، وعندها لا مفر من الشفاء إلا ما ندر .

امتدت رأفة الطبيب الواسعة إلي مدى أبعد من هذا فساءل نفسه : ألا يمكن علاج هذا المرض بحقنة واحدة ؟ . لجاء الجواب على لسان رومانسكى ومورفي وريتمان الذين أجروا تجاربهم على مستحضر للبنسلين مذاب في زيت الفول السوداني المعقم ، ويحتوى السنتيمتر الكعب الواحد منه على مائتي ألف وحدة من البنسلين . وعندما يحقن سنتيمتر واحد في عضل الآلية حدث المعجزة الكبرى ! يتحول الإفراز من صديد إلي مخاط بعد مدة تتراوح بين ساعتين واثنتى عشرة ساعة ، وفي المتوسط ثماني ساعات ، ويختفى الافراز كلية بعد مدة تتراوح من ٢٤ إلى ٤٨ ساعة . أما جرثومة السيلان فإنها تختفى من الإفراز بعد ست ساعات .

والغرض من إذابة البنسلين في الزيت هو الاحتفاظ به لأطول مدة ممكنة في موضع الحقن ، ومن هناك يرسل علي دفعات متواصلة يمتد إرسالها طوال اليوم نفسه ، فيتأكد استمرار مفموله المدة المطلوبة . أما مستحضرات البنسلين المائية فإن آفتها سرعة الامتصاص الموضعي وسرعة الإفرار

في البول ، فيفقدها الجسم بسرعة ما لم تسعفه بنجدة اخري بعد ثلاث ساعات من الحقنة السابقة ، وهذه هي الحكمة في جمل المدة بين الحقن في علاج البنسلين ثلاث ساعات .

وقد يؤدي علاج الحقنة الواحدة إلي بعض الالتهاب الموضعي الصحوب بغضاضة وألم ، وقد يصحبه ارتفاع في الحرارة وصداع وغثيان وقشعريرة ، ولكن كل هذه تهون إذا صح ما أثبتته النتائج الأولى لهذه الطريقة .

أيها البنسلين ؟ إلى أين المستقر ؟ لك معجزات كم أنقذت من أرواح ، ولقد شفيت السيلان في أيام فشكرناك وسبحنا بمحمدك ، ثم شفيته في يوم واحد فزدناك تمجيدا وحمدا . فماذا تقصد إذا معجزة الحقنة الواحدة ؟ إخالك تضع في أيدي بني البشر سلاحا يمكنهم من القضاء على جرثومة السيلان بعد يده ، غزوها بساعات ، فتقطع مها الرأس والذنب قبل أن يستفحل امرها وتنخر في جسم المريض أو تنتقل منه إلى مخالطيه لقد أرسلت إلي ابن آدم رسالة عملية سهلة إلى عتبة داره وكلك رجاء أن يستغلها لمصلحته فينقرض مرض السيلان ويصبح أسطورة تاريخية . ولكن لهفي عليك أيها البنسلين عندما تصيح تزيل الأ كواخ بعد أن كانت تشتهيك القصور ياخوفي عليك عندما تمل اسمك الأذن وتعتاد رؤيتك العين ! سوف يستعمك ابن آدم لسبب ولغير سبب . وليس الجرائم بالناقل الذي تظنه .

إنه ينتهز هذه الدفعات المتقطعة غير المتعلمة منك فيستعد لها ويولد في نفسه مناعة ضدك تريد تدريجيا حتى يأتي اليوم الذي تهاجم فيه فتجد عدوا صامدا فرتد متعجبا ذاهلا وهذه الظاهرة موجودة في الوقت الحاضر في قلة من الناس ، وقد تصبح القلة كثرة مع مرور الأيام والأعوام ، وقد تفقد هيبتك وصبتك لأنك سلمت سرك كله لابن آدم الذي لا يؤتمن على سر ولا يعترف بجميل ، بل أن يتورع بعد أن يستنزف دمك ويمتص خيرك حتى الثمالة ، أن يلقي بك في اقرب ماخور ثم يدير ظهره في غير مبالاة ، ويولي وجهه نحو الأفق باحثا عن صيد جديد .

اشترك في نشرتنا البريدية