الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 662الرجوع إلى "الثقافة"

حقوق الصحافة الادبية

Share

خشعت الصحافة فى مصر بشتى ألوانها لدراسات كثيرة وتقدم كتاب عديدون ببحوث لها قيمتها فى تفصيل الوقائع الخاصة عربية الأقلام من وجهة النظر السياسية والاجتماعية بل لقد بلغت هذه الدراسات والبحوث من القوة بحيث استهوت الكتاب الأدباء واستدرجت أقلام نقاد وشعراء إلى ميدان الكتابة الصحفية العادية وظلت الصحافة الأدبية ناعسة أو شبه ناعسة ولعلها اللون الصحفي الوحيد الذى لم يكتب بشأنه أحد ولم يتقدم إنسان بدراسة قانونية أو فكرية للالتزامات والحريات التى تنشأ عن العمل الصحفى الأدبى الخاص وفى هذا امتهان شديد للصحافة الأدبية ولا أدرى على أى نحو يقبل الصحفيون الأدباء هذه الأوضاع التى تجعلهم دائما فى الصف الأخير من ركب الحياة وأعتقد أنه قد آن الأوان كما يقوموا هم الآخرون بثورتهم على الأوضاع التقليدية التى تحول بينهم وبين حرية القول والدرس والإبانة

وستسألنى بلا شك على أى الدعائم تريد أن تضع القوانين التى تضمن حقوق الصحافة الأدبية وألفت نظرك ها هنا إلى أن المشكلة عندنا غير موضوعة بالمرة بينما تكاد تكون ثابتة الأساس وطيدة القدم عند إخواننا الصحفين العاديين ومع ذلك فهم يعانون ويقاسون ويمرون بالأزمات تلو الأزمات فما بالك بنا ونحن نخطوا فى أول الطريق  وينبغي أن نلاحظ وعن بصدد التفرقة بين مشكلتهم ومشكلتنا أن الصحافة عموما لا تقوم على أكتاف القارئ فى مصر ولعلها لم تكن كذلك فى يوم من الأيام فإذا كانت الصحف العادية تستعيد قوتها من الهيئات والحكومات وأصحاب النفوذ وشركات الدعاية والإعلان ولا تكاد تعتمد كلية على ما يدفعه القارئ كثمن لما يقرأه فكيف تتصور أنها قد طالبت مع ذلك حقوق وأنها قد نافحت من أجل حريتها فى النقد والمؤاخذة ولو حازت الصحافة بعض الحقوق

وثالث جزء امن الحريات فكيف تتصور نوعية هذه الحقوق وتلك الحريات لاشك أنها ستكون مبتورة معوجة  ولا غرابة فى ذلك  فإذا جاءت الصحافة الأدبية اليوم لتطالب بحقوقها وهى التى لا تجد سندا من قارئ ولا تجد تأييدا من الهيئات ولا تلقي أية معونة جدية من أصحاب النفوذ فماذا تتصور أن تكون حقوقها إذا استطاعت أن تنال شيئا ما

كذلك يلاحظ أن الصحافة العارية لا تمثل سوى نفسها ولا تدافع عن شئ آخر سوى حريتها الخاصة وأنها إذا طالبت بشيء فإنما تفعل من أجل ذاتها وحسب ولذلك قد يكون الأمر هينا بالنسبة إليها عما إذا كانت تتحمل تبعات قوم آخرين وتطالب بلسانها ولسان مجموعة أخرى من الأفراد أو هيئة أخرى من الهيئات أما الصحافة الأدبية فتقوم فى وجهها عقبات من هذه الناحية لأنها إذا طالبت بحقوقها الخاصة فسينتج بالتبعية عن هذه الحقوق تمتع الأدباء والأفراد والفكرين بأشياء كثيرة قد تستهولها الحكومات وترى فيها خطرا عظيم فإذا ضمنت الصحافة الأدبية لنفسها أى حق فسيعتبر كل مفكر من أبناء هذه الأمة هذا الحق حقا له هو الآخر وسيكون بالتالي حقا للكتاب وللمؤلفين الذين لا يطرقون مجال الكتابة الأدبية فى الصحف ومن هنا تفهم أن الحقوق التى ستطالب بها الصحافة الأدبية ستكون ذات جدوى بالنسبة إلى قوم آخرين وأنها ستشمل غيرهم ولهذا تتصف هذه الحقوق بالخطورة التى قد ترعب أصحاب السلطان أكثر مما ترعيهم حقوق الصحفيين العاديين

ومن جهة ثالثة تفترض هذه الحقوق الخاصة بالصحافة الأدبية مقدما حرية الاعتذار وحرية البحث فى الدور وحرية المناوأة لأصحاب المذاهب والملل وحق الإعلان عما فى الضمير من جهة الإيمان أو عدمه وهنا يكمن الإشكال

الكبير طالما كنا سندخل بهذا تحت ظل ما يقرره الدستور وسناقش المسائل التى لا يقرر قانوننا الوطنى فى البلاد مناقشتها وأنا لا أقول إن حرية الصحافة الأدبية تهدف بالضرورة إلى هذا المنحى وتتجه حبا إلى هذا الاتجاه ولكنها أشياء مفروض التصريح بها ضمنا إذا ما سمح أصحاب الشأن بإعطاء الحقوق الصحفية لكتابنا الأدباء  فالصحفى الأديب لا يطالب بحقوقه كما يأخذ على عاتقه بمهمة التشنيع على المذاهب الدينية وكما يتكفل بمهاجمة النقط الرئيسية فى مسائل الإيمان ولكنها أمور مفروضة ثانى عفوا ويجد الباحث راحة عندما يقوم ببحث أدبى يمس من بعيد أو من قريب عناصر الإيمان الروحى دون أن ينافق وهارى وغير أن تحول الحياة الروحية عندنا دون إمامه واستيفائه لما هو بصدده من نتائج علمية

وهنا تصطدم الصحافة الأدبية بصعوبة لا يتخيلها أصحابنا الصحفيون العاديون ولم يجدوا أنفسهم يوما من الآيام فى حاجة إلى مثل هذه التجربة ولم يحاولوا قط مناقشة الدستور من هذه الناحية شأنهم في جملة النواحى الباقية التى لا تكف أقلامهم ليل نهار عن متابعتها وتفصيلها وبحث نقاطها والحقوق الصحفية للأدباء لا معنى لها على الإطلاق بغير إباحة هذه الظاهرة والسماح لأصحاب القلم ها هنا بأن يكونوا كما يشاءون وأن يعلنوا كما يريدون وأن يخوضوا غمار البحوث الموضوعة جانبا خوف ولا إشفاق مما ينال أصحاب الفكر الحر عادة إذا ناقضوا الأصول الوضعية لقانون العقوبات وهم ولا شك بوصفهم الطبقة الأولى الفكرة فى هذه الأمة يعرفون حدود تفكيرهم ويشعرون بمسئولية الرأى إلى حد يستحيل معه أن تستهويهم الأعمال الطائشة وهذا من شأنه أن يبعث الطمأنينة فى قلوب الواقفين فى وجه كل حرية فكرية ينعم بها على أبناء الأمة وكل حق فى التصريح والكتابة الطليقة

فالمشتغلون بالصحافة الأدبية من طراز مخالف كل مشتغل بالصحافة العادية فى مصر ويصعب أن يكون من رجاله من لا يتمتع بمواهب وميزات ودرجات علمية خاصة قد لا تكون

مشترطة فيمن يتقدم للعمل الصحفي العادى بل أذهب إلى أبعد من هذا فأستدل بمقال الدكتور زكى نجيب محمود منذ شهرين فى مجلتنا هذه عندما قال بأن أدباءنا ومفكرينا جميعا مختصون فى كتابة المقال وهذا من شأنه أن يجعلنا نطمئن إلى أن الصحافة الأدبية هى مجال النشاط الخاص ولعله الوحيد بالكتاب والأدباء فى مصر جميعا ومن المستحيل وهذه هى حالة الصحافة الأدبية أن تتهمها بعدم الكفاءة لتحمل مسئولية الرأى الحر والقدرة على استغلال حقوقها الخاصة فى هذه الناحية استغلالا يعود على الحركة الفكرية فى مصر بأعظم الفوائد وأجل المزايا

ونشير هنا أيضا إلى محدودية التوزيع الذى نلاحظه على مجلاتنا الأدبية بلا استثناء فهذا يجعل الحكام وأصحاب الأمر يطمئنون إلى قلة الفاعلية وضعف التأثير الذى ينتج عن الكتابة الأدبية الحرة ويضمن لهم بقاء الأفكار فى دائرة مقفلة تعرف للعلم حقه وترى للفكر حرمته وتقدس بعد هذا فردية الرأى فليس للصحافة الأدبية تأثير مباشر على الجماهير ويصعب أن نجد لمشكلة فكرية أو مشادة علمية صداها فى الرأي العام وهذه مزية خاصة لا تتوافر فى الصحافة المادية وتجعل القائمين بالأمر اكثر شجاعة فى إقدامهم على إعطاء الصحافة الأدبية حقوقها ومستلزمات عملها ومن المفروغ منه أن خطورة العمل الصحفى لا تأتي إلا من شعبة حركاتها فإن ضمنت بقاء النزاع فى دائرة معينة وفى وسط بالذات له حظه الرفيع من الثقافة وله مداه الواسع من الفهم وله باعه الطويل فى الإحساس الذوقى فاعلم أنك لو منحت لأصحاب العلم حرية مناطحة السحاب لما كان لأعمالهم أثر بسوء حياتنا العملية ويضر بأوضاعنا وظروفنا المعاشية

هذه هى الظروف التى تكتنف حقوق فى الصحفيين الأدباء وقد جلوناها على هذه الصفحة من أجل أن نبدأ من عندها إثارة الموضوع على نطاق أوسع تحت أنظار رؤساء التحرير فى المجلات الأدبية وهى ظروف لو درست درسا قانونيا سليما لأتت بأبهر النتائج فى نطاق الصحافة الأدبية الخالصة

ويكفى أن تتصور ما يفعله رؤساء التحرير بالمجلات الأدبية فيما تسطره أقلام الكتاب لتستشعر مذلة الأديب العامل فى ميدان الصحافة ولست بصدد تاريخ ما يحدث عادة فى هذه الناحية ولكننى أذكر هذا الوضع لترى إلى أى حد نحن أسرى فى حدود النطاق الذى يفرضه علينا رؤساء التحرير على الرغم مما قد يتصف به بعضهم من سعة الأفق وحرية التفكير الشخصى

وإننا لنتهز هذه الفرصة فرصة الثورة من أجل حريات الصحافة لتنادى من جانبنا بحقوق الصحافة الأدبية ولا أدرى ما سوف يؤول إليه الأمر ولكنى معتقد أننا بهذا ستسطر الكلمة الأولى فى صفحة الفكر وستحمل أول مشعل فى سبيل الحرية وسنكون اللحن الأول فى المقطوعة المقدسة التى ينشدها حملة الأقلام الأدبية عادة فى الأمم المستنيرة ولا أدريى كيف أبوح بكل ما يموج الآن بخاطرى من الأفكار والشوارد وقلم رئيس التحرير مسلط على كلماتى فيودى أن أطالب خطة كاملة لمشروع قانون خاص بحقوق الصحافة الأدبية ويودى أن أضرب الأمثلة للقارئ كما يفطن إلى التلاعب الذى يحدث بمقالات الأدباء المتطرفين فى التفكير ولكننى أمسك عن هذا كله وأكتفى بأن ألفت النظر إلى الحرية التى يتمتع بها أدباء الغرب ومفكروه فى تناولهم الموضوعات وفى كتابتهم البحوث وفى تعرضهم لشئون الأدب والفن والفكر فحرية الاعتقاد هنالك مكفولة للناس جميعا أدباء وغير أدباء وهم قادرون لذلك على أن يبرزوا أمام الرأى العام بغير مسوح وأن يعلنوا آراءهم فى صراحة وأن يعرف اتجاه الكاتب على مرأى ومسمع من الجميع

ويعجب الإنسان وهو يطالع المجلات الأدبية الافرنجية من أن كلمة حرية الفكر تثير عندهم نوعا من الضحك والسخرية فالواقع أنهم لا يشعرون بالحرية الفكرية عندما يقبل الواحد منهم على بحث موضوع من الموضوعات . إنه يقوم ببحث علمى هذا هو كل ما فى الأمر ولا يعرف بعد ذلك معى لأن نقول له وهو بصدد بحثه إنه حر

إذ أنه ليس حرا في الحقيقة وإنما هو شائع لأحكام البحث العلمي التي تتيخ رقبته وتثقل على كاهله ولا يفهم معنى كذلك لأن تتهمه بالإلحاد لأنه لا يعرف مدلولا لهذه الكلمة عندما يرتفع بنفسه إلى مستويات التفكير العليا وينطلق بعقله إلى سماوات المعرفة الخالصة ولا يثور للحرية إلا فى حالة واحدة ، وهي عندما تطالبه السلطات القائمة باتجاه معين في إثبات نظرية من النظريات لدعم الفكرة السياسية التى يقوم عليها نظام الحكم وفيها عدا هذا لا يكاد يظفر الإنسان بطائل من مناقشاتهم حول موضوع الحرية من حيث هو خاصة لازمة فى الكتابة الأدبية الصحفية

وفى النهاية نقول إننا لا نقل عن الهيئات الأخرى أحقية بحقوق الصحافة وحرية التفكير والاعتقاد بل تذهب إلى حد الإيمان بأنها فى هذا المجال الروحى الخالص ألزم منها فى أى منحى آخر إننا هاهنا لانطالب بحرية البحث الأدبى لمجرد التشدق بأننا أحرار أو لمجرده الزهو والاختيال بين الناس بهذا الحق الجديد الجديد ولكننا نريده لأنه ضرورة تفرض نفسها علي أصحاب الأقلام وتلزمهم بمخاطبة العقل أكثر من مناجاة الشعور وتجعلهم أمناء فى تفكيرهم ومباحثهم ونتائج أعمالهم إن حريتنا فى المجال الأدبى لها تكاليفها ولكن أبشر بها من تكاليف  فهى عنوان حضارة الأمة وهى مرآة الحياة المعاصرة بالنسبة إلى المؤرخ الذى يستدل من التزامات الكتابة على مدى الرقى الذى يصادفه الشعب ولهذا ستجدنا سعداء بهذه التكاليف والأعباء التى تنجم بالضرورة عن استعمال الحقوق الصحيحة لصحافة أدبية ممتازة وسترانا مضحين بالراحة والهدوء فى سبيل تنوير الأذهان بطريقة عصرية أقرب إلى الروح العالمى الحاضر منها إلى الينبوع الذى استقى منه البكرى والمنفلوطى وعلى يوسف أسلوب كتابتهم ووحى سطورهم وعندئذ نقول حقا إننا خطونا بالصحافة الأدبية خطوة سليمة وقفزنا بها قفزة رائعة وظفرنا بما يليق بها من الكرامة والاستقلال

اشترك في نشرتنا البريدية