خشعت الصحافة فى مصر بشتى ألوانها لدراسات كثيرة وتقدم كتاب عديدون ببحوث لها قيمتها فى تفصيل الوقائع الخاصة عربية الأقلام من وجهة النظر السياسية والاجتماعية بل لقد بلغت هذه الدراسات والبحوث من القوة بحيث استهوت الكتاب الأدباء واستدرجت أقلام نقاد وشعراء إلى ميدان الكتابة الصحفية العادية وظلت الصحافة الأدبية ناعسة أو شبه ناعسة ولعلها اللون الصحفي الوحيد الذى لم يكتب بشأنه أحد ولم يتقدم إنسان بدراسة قانونية أو فكرية للالتزامات والحريات التى تنشأ عن العمل الصحفى الأدبى الخاص وفى هذا امتهان شديد للصحافة الأدبية ولا أدرى على أى نحو يقبل الصحفيون الأدباء هذه الأوضاع التى تجعلهم دائما فى الصف الأخير من ركب الحياة وأعتقد أنه قد آن الأوان كما يقوموا هم الآخرون بثورتهم على الأوضاع التقليدية التى تحول بينهم وبين حرية القول والدرس والإبانة
وستسألنى بلا شك على أى الدعائم تريد أن تضع القوانين التى تضمن حقوق الصحافة الأدبية وألفت نظرك ها هنا إلى أن المشكلة عندنا غير موضوعة بالمرة بينما تكاد تكون ثابتة الأساس وطيدة القدم عند إخواننا الصحفين العاديين ومع ذلك فهم يعانون ويقاسون ويمرون بالأزمات تلو الأزمات فما بالك بنا ونحن نخطوا فى أول الطريق وينبغي أن نلاحظ وعن بصدد التفرقة بين مشكلتهم ومشكلتنا أن الصحافة عموما لا تقوم على أكتاف القارئ فى مصر ولعلها لم تكن كذلك فى يوم من الأيام فإذا كانت الصحف العادية تستعيد قوتها من الهيئات والحكومات وأصحاب النفوذ وشركات الدعاية والإعلان ولا تكاد تعتمد كلية على ما يدفعه القارئ كثمن لما يقرأه فكيف تتصور أنها قد طالبت مع ذلك حقوق وأنها قد نافحت من أجل حريتها فى النقد والمؤاخذة ولو حازت الصحافة بعض الحقوق
وثالث جزء امن الحريات فكيف تتصور نوعية هذه الحقوق وتلك الحريات لاشك أنها ستكون مبتورة معوجة ولا غرابة فى ذلك فإذا جاءت الصحافة الأدبية اليوم لتطالب بحقوقها وهى التى لا تجد سندا من قارئ ولا تجد تأييدا من الهيئات ولا تلقي أية معونة جدية من أصحاب النفوذ فماذا تتصور أن تكون حقوقها إذا استطاعت أن تنال شيئا ما
كذلك يلاحظ أن الصحافة العارية لا تمثل سوى نفسها ولا تدافع عن شئ آخر سوى حريتها الخاصة وأنها إذا طالبت بشيء فإنما تفعل من أجل ذاتها وحسب ولذلك قد يكون الأمر هينا بالنسبة إليها عما إذا كانت تتحمل تبعات قوم آخرين وتطالب بلسانها ولسان مجموعة أخرى من الأفراد أو هيئة أخرى من الهيئات أما الصحافة الأدبية فتقوم فى وجهها عقبات من هذه الناحية لأنها إذا طالبت بحقوقها الخاصة فسينتج بالتبعية عن هذه الحقوق تمتع الأدباء والأفراد والفكرين بأشياء كثيرة قد تستهولها الحكومات وترى فيها خطرا عظيم فإذا ضمنت الصحافة الأدبية لنفسها أى حق فسيعتبر كل مفكر من أبناء هذه الأمة هذا الحق حقا له هو الآخر وسيكون بالتالي حقا للكتاب وللمؤلفين الذين لا يطرقون مجال الكتابة الأدبية فى الصحف ومن هنا تفهم أن الحقوق التى ستطالب بها الصحافة الأدبية ستكون ذات جدوى بالنسبة إلى قوم آخرين وأنها ستشمل غيرهم ولهذا تتصف هذه الحقوق بالخطورة التى قد ترعب أصحاب السلطان أكثر مما ترعيهم حقوق الصحفيين العاديين
ومن جهة ثالثة تفترض هذه الحقوق الخاصة بالصحافة الأدبية مقدما حرية الاعتذار وحرية البحث فى الدور وحرية المناوأة لأصحاب المذاهب والملل وحق الإعلان عما فى الضمير من جهة الإيمان أو عدمه وهنا يكمن الإشكال
الكبير طالما كنا سندخل بهذا تحت ظل ما يقرره الدستور وسناقش المسائل التى لا يقرر قانوننا الوطنى فى البلاد مناقشتها وأنا لا أقول إن حرية الصحافة الأدبية تهدف بالضرورة إلى هذا المنحى وتتجه حبا إلى هذا الاتجاه ولكنها أشياء مفروض التصريح بها ضمنا إذا ما سمح أصحاب الشأن بإعطاء الحقوق الصحفية لكتابنا الأدباء فالصحفى الأديب لا يطالب بحقوقه كما يأخذ على عاتقه بمهمة التشنيع على المذاهب الدينية وكما يتكفل بمهاجمة النقط الرئيسية فى مسائل الإيمان ولكنها أمور مفروضة ثانى عفوا ويجد الباحث راحة عندما يقوم ببحث أدبى يمس من بعيد أو من قريب عناصر الإيمان الروحى دون أن ينافق وهارى وغير أن تحول الحياة الروحية عندنا دون إمامه واستيفائه لما هو بصدده من نتائج علمية
وهنا تصطدم الصحافة الأدبية بصعوبة لا يتخيلها أصحابنا الصحفيون العاديون ولم يجدوا أنفسهم يوما من الآيام فى حاجة إلى مثل هذه التجربة ولم يحاولوا قط مناقشة الدستور من هذه الناحية شأنهم في جملة النواحى الباقية التى لا تكف أقلامهم ليل نهار عن متابعتها وتفصيلها وبحث نقاطها والحقوق الصحفية للأدباء لا معنى لها على الإطلاق بغير إباحة هذه الظاهرة والسماح لأصحاب القلم ها هنا بأن يكونوا كما يشاءون وأن يعلنوا كما يريدون وأن يخوضوا غمار البحوث الموضوعة جانبا خوف ولا إشفاق مما ينال أصحاب الفكر الحر عادة إذا ناقضوا الأصول الوضعية لقانون العقوبات وهم ولا شك بوصفهم الطبقة الأولى الفكرة فى هذه الأمة يعرفون حدود تفكيرهم ويشعرون بمسئولية الرأى إلى حد يستحيل معه أن تستهويهم الأعمال الطائشة وهذا من شأنه أن يبعث الطمأنينة فى قلوب الواقفين فى وجه كل حرية فكرية ينعم بها على أبناء الأمة وكل حق فى التصريح والكتابة الطليقة
فالمشتغلون بالصحافة الأدبية من طراز مخالف كل مشتغل بالصحافة العادية فى مصر ويصعب أن يكون من رجاله من لا يتمتع بمواهب وميزات ودرجات علمية خاصة قد لا تكون
مشترطة فيمن يتقدم للعمل الصحفي العادى بل أذهب إلى أبعد من هذا فأستدل بمقال الدكتور زكى نجيب محمود منذ شهرين فى مجلتنا هذه عندما قال بأن أدباءنا ومفكرينا جميعا مختصون فى كتابة المقال وهذا من شأنه أن يجعلنا نطمئن إلى أن الصحافة الأدبية هى مجال النشاط الخاص ولعله الوحيد بالكتاب والأدباء فى مصر جميعا ومن المستحيل وهذه هى حالة الصحافة الأدبية أن تتهمها بعدم الكفاءة لتحمل مسئولية الرأى الحر والقدرة على استغلال حقوقها الخاصة فى هذه الناحية استغلالا يعود على الحركة الفكرية فى مصر بأعظم الفوائد وأجل المزايا
ونشير هنا أيضا إلى محدودية التوزيع الذى نلاحظه على مجلاتنا الأدبية بلا استثناء فهذا يجعل الحكام وأصحاب الأمر يطمئنون إلى قلة الفاعلية وضعف التأثير الذى ينتج عن الكتابة الأدبية الحرة ويضمن لهم بقاء الأفكار فى دائرة مقفلة تعرف للعلم حقه وترى للفكر حرمته وتقدس بعد هذا فردية الرأى فليس للصحافة الأدبية تأثير مباشر على الجماهير ويصعب أن نجد لمشكلة فكرية أو مشادة علمية صداها فى الرأي العام وهذه مزية خاصة لا تتوافر فى الصحافة المادية وتجعل القائمين بالأمر اكثر شجاعة فى إقدامهم على إعطاء الصحافة الأدبية حقوقها ومستلزمات عملها ومن المفروغ منه أن خطورة العمل الصحفى لا تأتي إلا من شعبة حركاتها فإن ضمنت بقاء النزاع فى دائرة معينة وفى وسط بالذات له حظه الرفيع من الثقافة وله مداه الواسع من الفهم وله باعه الطويل فى الإحساس الذوقى فاعلم أنك لو منحت لأصحاب العلم حرية مناطحة السحاب لما كان لأعمالهم أثر بسوء حياتنا العملية ويضر بأوضاعنا وظروفنا المعاشية
هذه هى الظروف التى تكتنف حقوق فى الصحفيين الأدباء وقد جلوناها على هذه الصفحة من أجل أن نبدأ من عندها إثارة الموضوع على نطاق أوسع تحت أنظار رؤساء التحرير فى المجلات الأدبية وهى ظروف لو درست درسا قانونيا سليما لأتت بأبهر النتائج فى نطاق الصحافة الأدبية الخالصة
ويكفى أن تتصور ما يفعله رؤساء التحرير بالمجلات الأدبية فيما تسطره أقلام الكتاب لتستشعر مذلة الأديب العامل فى ميدان الصحافة ولست بصدد تاريخ ما يحدث عادة فى هذه الناحية ولكننى أذكر هذا الوضع لترى إلى أى حد نحن أسرى فى حدود النطاق الذى يفرضه علينا رؤساء التحرير على الرغم مما قد يتصف به بعضهم من سعة الأفق وحرية التفكير الشخصى
وإننا لنتهز هذه الفرصة فرصة الثورة من أجل حريات الصحافة لتنادى من جانبنا بحقوق الصحافة الأدبية ولا أدرى ما سوف يؤول إليه الأمر ولكنى معتقد أننا بهذا ستسطر الكلمة الأولى فى صفحة الفكر وستحمل أول مشعل فى سبيل الحرية وسنكون اللحن الأول فى المقطوعة المقدسة التى ينشدها حملة الأقلام الأدبية عادة فى الأمم المستنيرة ولا أدريى كيف أبوح بكل ما يموج الآن بخاطرى من الأفكار والشوارد وقلم رئيس التحرير مسلط على كلماتى فيودى أن أطالب خطة كاملة لمشروع قانون خاص بحقوق الصحافة الأدبية ويودى أن أضرب الأمثلة للقارئ كما يفطن إلى التلاعب الذى يحدث بمقالات الأدباء المتطرفين فى التفكير ولكننى أمسك عن هذا كله وأكتفى بأن ألفت النظر إلى الحرية التى يتمتع بها أدباء الغرب ومفكروه فى تناولهم الموضوعات وفى كتابتهم البحوث وفى تعرضهم لشئون الأدب والفن والفكر فحرية الاعتقاد هنالك مكفولة للناس جميعا أدباء وغير أدباء وهم قادرون لذلك على أن يبرزوا أمام الرأى العام بغير مسوح وأن يعلنوا آراءهم فى صراحة وأن يعرف اتجاه الكاتب على مرأى ومسمع من الجميع
ويعجب الإنسان وهو يطالع المجلات الأدبية الافرنجية من أن كلمة حرية الفكر تثير عندهم نوعا من الضحك والسخرية فالواقع أنهم لا يشعرون بالحرية الفكرية عندما يقبل الواحد منهم على بحث موضوع من الموضوعات . إنه يقوم ببحث علمى هذا هو كل ما فى الأمر ولا يعرف بعد ذلك معى لأن نقول له وهو بصدد بحثه إنه حر
إذ أنه ليس حرا في الحقيقة وإنما هو شائع لأحكام البحث العلمي التي تتيخ رقبته وتثقل على كاهله ولا يفهم معنى كذلك لأن تتهمه بالإلحاد لأنه لا يعرف مدلولا لهذه الكلمة عندما يرتفع بنفسه إلى مستويات التفكير العليا وينطلق بعقله إلى سماوات المعرفة الخالصة ولا يثور للحرية إلا فى حالة واحدة ، وهي عندما تطالبه السلطات القائمة باتجاه معين في إثبات نظرية من النظريات لدعم الفكرة السياسية التى يقوم عليها نظام الحكم وفيها عدا هذا لا يكاد يظفر الإنسان بطائل من مناقشاتهم حول موضوع الحرية من حيث هو خاصة لازمة فى الكتابة الأدبية الصحفية
وفى النهاية نقول إننا لا نقل عن الهيئات الأخرى أحقية بحقوق الصحافة وحرية التفكير والاعتقاد بل تذهب إلى حد الإيمان بأنها فى هذا المجال الروحى الخالص ألزم منها فى أى منحى آخر إننا هاهنا لانطالب بحرية البحث الأدبى لمجرد التشدق بأننا أحرار أو لمجرده الزهو والاختيال بين الناس بهذا الحق الجديد الجديد ولكننا نريده لأنه ضرورة تفرض نفسها علي أصحاب الأقلام وتلزمهم بمخاطبة العقل أكثر من مناجاة الشعور وتجعلهم أمناء فى تفكيرهم ومباحثهم ونتائج أعمالهم إن حريتنا فى المجال الأدبى لها تكاليفها ولكن أبشر بها من تكاليف فهى عنوان حضارة الأمة وهى مرآة الحياة المعاصرة بالنسبة إلى المؤرخ الذى يستدل من التزامات الكتابة على مدى الرقى الذى يصادفه الشعب ولهذا ستجدنا سعداء بهذه التكاليف والأعباء التى تنجم بالضرورة عن استعمال الحقوق الصحيحة لصحافة أدبية ممتازة وسترانا مضحين بالراحة والهدوء فى سبيل تنوير الأذهان بطريقة عصرية أقرب إلى الروح العالمى الحاضر منها إلى الينبوع الذى استقى منه البكرى والمنفلوطى وعلى يوسف أسلوب كتابتهم ووحى سطورهم وعندئذ نقول حقا إننا خطونا بالصحافة الأدبية خطوة سليمة وقفزنا بها قفزة رائعة وظفرنا بما يليق بها من الكرامة والاستقلال

