لصديقنا الأستاذ عبده حسن الزيات ملكة أصيلة في القانون وقريحة بصيرة في الأدب؛ تجلت هذه وتلك فيم بحث من مسائل الفقه والاجتماع، وفيما ترجم من عيون الروايات والقصص. واختياره لما يترجم كاختياره لما يكتب موسوم بطابع الجد والجمال والفائدة. وآخر ما أخرجه إلى قراء العربية (حكايات من الهند) وهي أمثال حكمية كتبها بالإنجليزية الكاتب الهندي (إيار) وأودعها الخلاصة الخالصة لفلسفة الهند وتصوفها وآدابها وأخلاقها وعاداتها؛ ثم جلاها في معرض أخاذ من البلاغة العالية والفن المحكم، فجاءت (بعيدة المغزى على قرب منالها، عميقة القاع على هدوء سطحها، قوية الإيحاء على بساطة مظهرها) . ثم ترجمها الأستاذ (عبده الزيات) ترجمة أمينة رصينة جلتها على الوضع الأصيل من سلاسة الأسلوب وسلامة الإيجاز ودقة الأداء. وترجمة هذا النحو من الأمثال القصيرة أشق على المترجم وأدل على براعته، لأنها لقصرها تكره الفضول، ولإيجازها تخشى الغموض، ولبساطتها تنكر التكلف. فإذا لم يتح الله لها قلماً كقلم الأستاذ الزيات رصيناً بطبعه بليغاً بفنه، ذهب الجمال المستسر فيها، وبعدت الغاية المقصودة منها. والكتاب بعد ذلك أنيق الوضع والطبع؛ فنشكر للأستاذ الزيات هذا الجهد النافع. وننصح لقرائنا ألا يفوتهم الأنس بهذه الأقاصيص، فإن في معاريضها متعة وفي مغازيها عبرة.
وفاة الأستاذ محمد مسعود بك
في يوم الاثنين الماضي استأثر الله بالأديب البارع والعالم المحقق والمترجم الصادق الأستاذ محمد مسعود بك عن ٦٩ عاماً
أنفقها في رياضة القلم وخدمة الثقافة وتصحيح المعرفة. ففي شبابه حرر (المؤيد) ثم أصدر (المنبر) ؛ وفي كهولته ولي إدارة المطبوعات فوجه الصحافة والنشر التوجيه الصالح في الطريق البالغ. وفي شيخوخته عكف على البحوث التاريخية والجغرافية واللغوية، فنشر منها في الصحف الطريف الممتع. وكان في غضون عمره المبارك لا يفتر عن التأليف والتحرير والترجمة حتى ترك للمكتبة العربية ثروة قيمة لا ينقصها إلا الجمع والترتيب والنشر. رحمه الله رحمة واسعة، وعوض اللغة والأدب منه خير العوض.
موسى عليه السلام
نقل الأستاذ (شيبوب) عن العلامة (فرويد) أن موسى كان مصرياً لا عبرياً، وأيد رأيه بأن كلمة (موسى) مصرية بمعنى عبد، وفي العدد ٣٨٧ من الرسالة سأل الأستاذ عبد المتعال الصعيدي عن موسى عليه السلام أمصري هو أم عبري، وذكر ما قرأه في بعض الكتب القديمة من أن كلمة (موسى) سريانية مركبة من كلمتين (مو - شا) و (مو) بمعنى ماء، و (شا) بمعنى شجر، فهي بمعنى ماء وشجر، لأنه وجد بين ماء وشجر.
وأنكر الأستاذ محمد صابر أن كلمة (موسى) مصرية وأنها بمعنى عبد، ولكنه لم يذكر رأيه في أصلها.
والحقيقة أن كلمة (موسى) هي اسم مفعول من الفعل (مَشَاهْ) بمعنى انتشل بالعبرية؛ والتوراة تنص على ذلك، ففي سفر الخروج - الإصحاح الثاني ص٨٩ (١٠) (ودعت اسمه موسى وقالت: إني انتشلته من الماء) (فتقراه شموموشى فتومركي من هاميم مشيتيهو) فموشى بمعنى المنتَشل في العبرية.
وأما أصله فعبري أيضاً يدل على ذلك ما جاء في العهد القديم في سفر الخروج - الإصحاح الثاني (٦) (ولما فتحته رأت الولد وإذا هو صبي يبكي، فرقت له وقالت: هذا من أولاد العبرانيين)
وفي القرآن الكريم (. . . فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) . وفي سفر الخروج نجد (١١) (فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من اخوته) . كل هذا يقطع بأن (موسى) عليه السلام عبري أصلاً واسماً.

