الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 464الرجوع إلى "الثقافة"

حكمة البوم

Share

تتخذ البومة شعارا للحكمة وبعد النظر ؛ تراها مرسومة على الكتب أحيانا ليدل الناشر على ماتحويه كتبه فى بطونها من حكمة خالدة ؛ ونراها مصورة فى إعلان تذيعه الحكومة الإنجليزية فى بلادها هذه الأيام ، لتحفز شعبها على الادخار،  تمثلا - فيما ينطوي عليه الادخار من حكمة - بالبومة التى شهد لها الناس منذ الأزل بصدق النظر .

وحدث أنى كنت أقرأ كتابا منذ أمد قريب ، وكانت البومة على غلافه شعارا للناشر ، فسألت نفسى : ليت شعرى لماذا اتخذ هذا الطائر المشئوم رمزا اللحكمة ؟ أ يكون ذلك لهاتين العينين المفتوحتين اللتين لا ينسدل عليهما الجفنان فى ظلمة المساء ، كما تنسدل الأجفان عند عباد الله من إنس وجان ؟ أ تكون هاتان العينان المفتوحتان قد أغرتا الرامزين أن يتخذوا من دوام الإبصار دليلا على سداد البصيرة وبعد النظر ؟

أم يكون ذلك لما تعانيه البومة فى الليل من سهر ورعاية للنجوم بما فيهما من هم وتسهيد ، حين يكون الخليون فى مخادعهم نوما غافلين عن الطبيعة بكل ما فيها أثناء الليل من جلال وجمال ؟

أم تكون هذه الجلسة الساكنة الهادئة الرزينة الرصينة ، التى لا تكاد تعرف الحركة ، هى التى أغرت الرامزين أن يشيروا بها إلى التأمل العميق والتفكير الدقيق ، فاتخذوا البومة شعارا لهذا كله ؟

ذلك ما حدثت به نفسى حين نظرت إلى صورة البومة مرسومة على غلاف الكتاب ؛ لكن فكرة حديدة أوحى بها إلى فأشرقت على بالأمس القريب ، إذ كنت أسير فى الطريق مفكرا فيما أنا فيه مما تضطرب له النفس عند أشد الناس ضبطا لنفسه وإمساكا بزمام أعصابه ؛ فقد تعذرت على متابعة فكرى لكثرة ما فى الطريق من أصوات ؛ وعندئذ حلى لى - وقد تعطل الفكر - أن أعد هذه

الأصوات ، وآخذ فى تبويبها وترتيبها ، فإذا بى أبلغ في عدها المئات !

وبغتة قفزت قفزة خفيفة لو رآها الناس لقالوا مسه الجنون ، وصحت لنفسى - كما فعل أرشميدس فى زمانه - صحت قائلا : وجدتها وجدتها ! وجدت العلة فى اتخاذ البومة شعارا للحكمة ورمزا لبعد النظر ؛ العلة هى الصمت ؛ بل وجدت العلة ، لماذا أفقرت بلادنا وأصابها العقم آلاف السنين ، لا تنجب المصلحين العاملين ؛ العلة هى هذا العجيج والضجيج ، هى هذه الجلبة وهذا الصياح !

أى والله ، لقد صدق من قال إنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ؟ وأنا أريد هنا بالكلام والسكوت أوسع ما يفهم من هاتين اللفظتين من معنى ؟ فإذا فهمت من اللفظتين معناهما الواسع ، أدركت ما أريد أن أسوقه إليك حين أنبئك أن الصمت هو السر فى حكمة اليوم ، وأن الجلبة هى التى أعقمت بلادا من إنجاب المصلحين العاملين .

فمن باب الصمت أن تختار لجلوسك مكانا مستورا تخلو فيه إلى نفسك ، أو إلى من تتحدث إليه من الأصدقاء فيكون لك بهذا التخفى وجود واضح بارز ؛ ومن باب الجلبة والصياح أن تجلس مكشوفا على طوار الشارع فى المقهى ، حيث تصبح جزءا من بضائع الدكاكين وحركة المرور !

ومن الصمت أن تختار لملابسك وأثاث منزلك ألوانا خافتة هادئة يرتاح إليها البصر ، كما أن من الجلبة والصياح أن تختار هذه الأشياء من ذوات الألوان الصارخة الزاهقة التى تلفت الأنظار رغم الأنوف .

ومن الصمت أن تعلن عن عيادتك إن كنت طبيبا ، أو مكتبك إن كنت محاميا ، أو دكانك إن كنت تاجرا ، بلافتة صغيرة متواضعة ، كما أن من الجلبة والصياح أن تعلن عن نفسك بلافتة طويلة عريضة تسد على الناس

مسالك الطريق ، واذكر دائما أن ارتفاع الصوت قد يدل على تفاهة الصائت ؟ فالكلب الذى ينبح لا يعض - كما  يقول الإنجليز - وكلما ازدادت الشاة صياحا ، قل على  ظهرها الصوف - كما الإنجليز كذلك - والضفدعة الهزيلة الضئيلة تملأ الآفاق ضجة ونقيقا .

يستحيل أن تكون من الصاخبين ومن العاملين فى وقت واحد ؛ ويستحيل أن تكون من الصائحين ومن المفكرين فى وقت واحد ؛ فقد يتعذر أن يجتمع الكلام والعمل ، لأن الفكرة إذا طافت برأسك فصحت بها كلاما ، انتهى بذلك أمرها ، أما إذا حبستها فى نفسك ؛ وأغلقت دونها صدرك بمغاليق الصمت ، فقد تتفجر فى صورة عمل عاجلا أو آجلا .

كذلك محال أن تضج وتفكر فى أن معا ؟ هلا سألت نفسك يوما : لماذا اختار اليونان لآلهتهم جبل الألمب ، ولم يسكنوهم دارا فى ساحة السوق ؟ وهل جاءك فى الأساطير أن (( جوبتر ))  كان يخلق الكائنات بإيماءة خفيفة دون أن ينطق إلا قليلا ، أو يتحرك إلا يسيرا ؟

هل سألت نفسك يوما : لماذا يصوم قائدى عن الكلام يوما فى كل أسبوع ؟ رهل وقفت دقيقة أو دقيقتين كلما قصوا عليك سيرة النبى ، فتسأل : لماذا اختار الله لنبيه الصحراء الصامتة منبتا ، ولماذا اختار له مغارة معزولة فى سكون الجبل مهبطا لوحيه ؟

أين يسكن الفيلسوف فيما تظن ؟ أيسكن برجا- سواء كان البرج من عاج أو خشب - أم يسكن غرفة تطل بشرفتها ونوافذها على العتبة الخضراء ؟

ألست تؤثر للعالم الباحث أن يعتزل فى مكان هاديء بين كتبه وأغانييه ، ثم ألست تؤثر للشاعر أن ( يجوب وحيدا كالسحابة ) - كما يقول (( وردزورث ))  شاعر الإنجليز ؟

أيهما أقرب إلى الشعور الدينى الصحيح فيما تظن : رجل فتح المذياع على آخره ساعة تلاوة القرآن ، فجعل  من القراءة ضجة ترج الهواء رجا ، أم رجل جعل التلاوة  هما فى أذنه لا يكاد يسمعه من يجلس إلى جواره ؟ أتحسب أنه من قبيل المصادفة العمياء أن تواضع الناس فى كل زمان  وفى كل مكان وفى جميع الأديان أن تكون بيوت الله -  مساجد كانت أو كنائس أو معابد أو ما شئت لها أن تكون - خافتة الضوء خافتة الصوت ، إذا أضيئت فبالقنديل الضئيل ، أو ما يشبهه ، وإذا تكلم فيها متكلم فهمسا ، أو مشى على أرضها ماش فعلى أطراف أصابعه ؟ ثم هل يخلو من المعنى أن يوعد المؤمنون جنة لا يسمعون فيها لغوا ؟

أنت أقرب إلى الله فى صمتك ملك فى صخبك وضجتك ، ولهذا اختار المتعبدون صوامع فى الجبل ، ولم يختاروا الميادين الفخمة فى كبريات المدن !

خذها عنى نصيحة ناصح : ضع ثقتك فيمن يتلعثم إذا تكلم ، أضعاف أضعاف ما تضعها فيمن يكثر من الجدل  والنقاش ؛ فالأرجح أن ينتج الأول عملا بنفسك وبنفعه ، والأرجح ألا ينتج الثانى شيئا ذا غناء ؟ ولعل ( فورد ) - صاحب الفراء الضخم وصاحب السيارة المعروفة - لعله لم يكن محسنا فقط حين جعل من مبادئه أن يبدأ في مصانعه باستخدام الأبكم ، بل لعله كان فى ذلك رجلا من رجال الأعمال الذين حالفهم صواب الرأى ؛ قمع البكم إنتاج  وعمل ، ومع الثرثرة مضيعة للوقت والمجهود ؛ ورحم الله مالكا حين قال : ( لا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل ) ؛ ورحم الله ابن حنبل حين قال : ( لا يفلح صاحب كلام أبدا ) .

هل تدري ما معنى ( تفكير ) ؟ معناها الدقيق مناقشة الإنسان لنفسه ، باقى على نفسه سؤالا ويحاول عنه الجواب ؛ فإذا قلت (إنى أفكر ) كان معنى ذلك على وجه الدقة إنى سألت نفسى سؤالا أو أسئلة أحاول عنها الجواب؛

ولا يكون ذلك إلا إذا خلوت لنفسك وساد حولك الصمت .

وإنه لمن أعجب العجب أن يشاء الله لأعظم موسيقى أنجبته الدنيا - أعنى بيتهوفن - أن يصاب بالصمم ، فلا يسمع حتى موسيقاه ! ترى هل ساعده العالم الصامت الذى عاش فيه على خلق تغريده وألحانه ؟

دارت فى رأسى هذه الخواطر ، ثم أراد الله أن يزيدنى بأسا على بأس ، فذكرنى بالمكتب والبيت والشارع ...

دخلت مكتبا فى ديوان حكومى لأقضى بعض شأنى ، فوجدته يموج بالزائرين الصائحين الصاخبين ، فقلت : يستحيل أن ينتج هذا المكان شيئا .

ودخلت دارى فوجدتها مفتحة النوافذ ساطعة الضوء كثيرة الصياح ، فقلت : يستحيل أن تكون هذه الدار بيئة صالحة لتكوين رجل صامت عامل .

ومشيت فى الشارع فسمعت عجيجا وضجيجا وجلبة وصياحا ، فقلت ؛ يستحيل أن يكون هذا مكانا من بلد يعرف أهله العمل والإنتاج .

اللهم رحماك ! والله لو انفتحت لى ليلة القدر أبواب السماء ، ما تمنيت لأمتى إلا شيئا واحدا : أن يهديها الله شيئا من حكمة البوم .

اشترك في نشرتنا البريدية