الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 321الرجوع إلى "الثقافة"

حكم المنطق، في قضية فلسطين

Share

تتنازع الحق في أرض فلسطين قوتان ، ولابد لكي يصدر الإنسان حكما منزها عليه أن يتبين حجج وأسانيد كلتا القوتين .

أما القوة الأولى وهي العرب سكان البلاد الأصليون فما أحسب أن الحديث عن حقها يحتاج إلي إيضاح طويل، ففلسطين أرض عربية يسكنها العرب ، وحق هؤلاء العرب في موطنهم لا يختلف عن حق المصريين في مصر ، ولا عن حق الإنجليز في الجزر البريطانية.

وإذا فمنطق هذه القوة في تقرير حقها واضح لا يحتاج إلي إسهاب أما القوة الثانية فهي الصهيونية ، وهي تضم اليهود بمختلف جنسيانهم ، والحديث عن حق هذه القوة في فلسطين يحتاج إلى صبر طويل . . فاليهود ليسوا جنسا وإنما هم طائفة دينية . . ومنطق المجتمع الحديث أن تقوم الدول علي قاعدة الجنسية لا قاعدة المذهبية. .

وترد الصهيونية على منطق المجتمع قائلة : لقد كنت منذ أكثر من ألف عام جنسا قائما بذاته يقطن هذه البقعة من الأرض ، ثم خرجت منها ، ومن حقى أن أعود . . وتلك هي حجة اليهود الأولى في قضية فلسطين وهي حجة تنقضها المثالية والواقعية على حد السواء . . فالمثالية تنكر أن يهجر الابن أحضان أمه ألف عام ثم يعود بعد ذلك..

والواقعية تأبي أن تقر إنسانا على إهمال حقه عشرات الأعوام - دون مطالبة - فتسقط حقه ولو قام عليه ألف برهان . .

ولقد رسمت الواقعية هذا المبدأ في صورتيها اللتين تلقي بهما الحياة : في العرف والقانون .

فيقول العرف لا يموت حق وراءه مطالب ، وبالتالي يندثر الحق الذي يسكت عنه صاحبه ألف عام ..

ويقول القانون بسقوط الحق إذا مضي عليه عدد من الأعوام دون مطالبة جدية تؤيد حدوثها الأسانيد ، ولا تزيد عدة هذه الأعوام على خمسة عشر عاما . . فالحجة إذا منهارة وإن صدق أن هذه الأرض ( أرض فلسطين ) كانت يوما ما لليهود . وإذا انهار منطق الحجة فللتاريخ بدوره حجة ومنطق ، وكلاهما في صف العرب

فلم يكن اليهود أصحاب فلسطين في يوم من الأيام ، وإنما عبروا بها في خلال هجرتهم نحو الاستقرار ، والتاريخ يملك عشرات الأمثلة لهذه الهجرات ، ولو جاز لليهود حق قيام دولة بفلسطين لمثل هذه الحجة لجاز أيضا لقبائل أن تدعي ملكية كل شبر في أوروبا الشرقية لأنهم عبروا به في خلال هجراتهم نحو الاستقرار

لكن اليهود استقروا حيث طاب لهم المقام منذ أكثر من ألف عام .

كذلك إذا جاز لليهود حق قيام دولة يهودية في فلسطين ، فقد يجوز للمسيحية أن تقيم دولة بدورها ، ويجوز للإسلام نفس الحق . . ولن تنتهي المشكلة إلا برحلة شاقة قد يضطر فيها مسيحيو الصين وأواسط إفريقيا إلي الانتقال إلي أوروبا لتقوم الدولة المسيحية . إلا إن أصرت المسيحية على أن تنادي بنفس المبدأ - الحق التاريخي - فستتنازع هي والصهيونية أرض فلسطين باسم الحق الذي علاه الصدأ . .

وحتي بعد هذه الرحلة الشاقة لن ينتهي الإشكال . . أما الحجة الثانية التي تستند إليها الصهيونية فهي ضرورة إيجاد وطن قوي لليهود

ووجه الضرورة أن اليهود تعرضوا للاضطهاد خلال عصور التاريخ أكثر من مرة ، وفي كل مرة منها طردوا كأنهم عنصر غريب

وقد يكون ذلك صحيحا ، وقد تقف إلي جانبه بعض الأسانيد . .

وقد يقال إن الحرب الحاضرة وما سبقها من سلسلة اضطهادات لليهود في ألمانيا وفي غيرها من البلاد التي خضعت للنازية ، قد يقال إن كل ذلك يتطلب إيجاد وطن قومي لليهود

وقد يرضى المنطق عن هذه الحجة إلي حين ، لكنه يفرض أحكاما أخري.

فمنطق الإقامة يستدعي روابط اللغة والعادات والتقاليد وفلسطين بوضعها الجغرافى في رقعة عربية تقاليدها أملتها مئات الأعوام وهذبتها التطورات ، حتى لتوشك اليوم أن تتبلور فتراها في مصر كما هي في فلسطين ، وفي سوريا كما هي في العراق

اما اللغة فلا يحتاج حكمها إلى بيان ، فهي لغة واحدة تنضوي تحت لوائها تلك الرقعة من العالم

وأما العادات فلن ينقص من قدر الصهيونية أن يقال إن الفارق بينها وبين العادات الشرقية جد بعيد ..

فلا روابط إذا بين أهل الدولة الجديدة المزمعة إقامتها وبين جيرانها في البلاد العربية . بل ولا بينهم وبين جيرانهم الأقربين سكان وطنهم القومي الذين ينازعونهم أرضهم

وقد يرضي منطق الإقامة بأن ينشا الوطن القومي لليهود في أوروبا أو أمريكا ، لكنه لن يرضي عن قيام هذا الوطن في غير تربته .

ومنطق واحد هو الذي يرضي عن قيام هذا الوطن ، وما أحسب أن الصهيونية تدخله في أسانيدها ، وإن كان قد يدخل في نياتها ، ذلك هو منطق الأقلمة وفرض النفوذ .

فإذا كان في حساب الصهيونية أن تؤقلم رقعة الأرض التي تضم ذوي التقاليد الواحدة واللغة الواحدة والعادات المتشابهة من سكان الشرق العربي وتحولهم إلى أطراف الدولة الصهيونية ، فإن منطق سوء النية قد ينهض حجة لاختيار هذه البقعة بالذات لإقامة الوطن القومي

* وأظن أن منطق سوء النية إن نهض في خبايا النفس ذريعة ، فهو في مواجهة العالم لا ينهض مبررا وسببا

فإذا أضيف إلي ذلك أن النظام النازي لن يطول أمره وأن من عوامل انحلاله النطرة المذهبية التي أدت إلي اضطهاد اليهود . فإن فكرة ضرورة إيجاد وطن قومي لليهود قد تصبح دعوة يتلقاها المنطق كما تلقي دعوة النازية لاضطهاد اليهود وطردهم ، وقد تصبح بمنتهي الصراحة دعوة مذهبية لايرضي عنها عصر إزالة القيود والسدود .

اشترك في نشرتنا البريدية