الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 387 الرجوع إلى "الثقافة"

حكم بالاعدام

Share

لم يصدر هذا الحكم من إحدى المحاكم المصرية . ولم يصدر ضد أحد الجناة الخطرين . ولكنه صدر عن محكمة من محاكم الروسيا في زمان غير هذا الزمان . وصدر ضد نابغة عبقري فذ ليت الزمان يجود بمثله في أية أمة ولو في كل قرن من الزمان . ذلك هو " فيدور دوستوثفسكي الذي عاصر تولستوي العظيم . والذي قال عنه تولستوي عندما علم بوفاته في سنة ١٨٨١ :

" لم أكن رأيت دوستوثوثفسكي قط . ولم تنشأ بيني وبينه أية صلة مباشرة . ومع ذلك فإني لم أكد أسمع بموته حتى أحست بأني فقدت بفقده أقرب الناس مني ، وأعزهم على ، وألزمهم لنفسي "!

ولد دوستوثفسكي في مستوصف لفقراء موسكو سنة ١٨٢١ . وفي سنة ١٨٤٤ أخرج قصته الأولى " الفقراء " . وفي سنة ١٨٤٩ قبض عليه بتهمة الانتماء إلي جمعية " اشتراكية " وحكم عليه بالإعدام . . لقد كتب دستوثفسكي قصة تنفيذ هذا الحكم بخط

يده . وها هي مذكرته عن ذلك أمامى فلا محل لأن أرويها عنه .

" لقد لبثت أنتظر في سجني . ولم يتل الحكم علي مسمعي إلا في الثالث والعشرين من شهر فبراير من السنة التالية . وكان هذا الحكم يقضي بإعدامي رميا بالرصاص ! " لم ينص الحكم على الموعد الذي تحدد لتنفيذه .

ولكن لم تنقض على ساعة واحدة حتى كان السجان على بابي يطلب إلى أن أرتدي ثيابي . فخرجت إلي فناء السجن يحف بي حراس أشداء . وفي وسط المكان رأيت تسعة عشر زميلا من زملائي ينتظرون انضمامي إلى صفهم وكانت الساعة السابعة صباحا ولم يكد يلتم جمعنا حتى أودعونا في عربات كل أربعة منا في عربة يحرسها جندي مسلح ، فسأل سائل منا : " إلى أي مكان محن مسوقون ؟ " ولكن الجندي أجابه في حدة : ليس لي أن أرد عليك . وسارت بنا العربات ونحن لا نكاد نري ما وراء نوافذها لأن الثلج المتساقط عليها كان يحجب عنا ما خلفها

" وأخيرا بلغنا ميدان سميونوفسكي وشاهدنا في وسطه منصة عليها وضم فارتقينا السلم واوقفنا الحراس تجاه الوضم في صفين طويلين . وبلغ من شدة الرقابة المفروضة علينا

أننا لم يكن أحدنا يستطيع أن يسر إلي جاره أكثر من كلمة واحدة أو كلمتين .

" وبرز فوق المنصة ( المأمور ) الذي تلا علينا صيغة الحكم ، فإذا هو يقضي بأن يكون تنفيذه فورا .

" وقد ترددت تلك الكلمات القاتلة عشرين مرة : الإعدام رميا بالرصاص ! حتى لقد ترك ترديدها في ذهني أثرا غائرا لا يمكن أن تمحوه يد الأيام . ولقد ظللت بعد اليوم المشئوم سنين عددا وأنا أهب من نومي مذعورا في وسط الليل على صوت هاتف ما يزال يتلو على نص تلك الكلمات . على أن أمرا آخر لا يزال حاضرا في ذهني من صور تلك اللحظة الرهيبة ، ذلك أن الضابط ما كاد يفرغ من تلاوة الحكم حتى طوى ورقة ودسها في جيبه ثم نزل عن المنصة ، وفي تلك اللحظة نفذ شعاع من ضياء الشمس خلال السحب المتلبدة في السماء ، وهجس هاجس في نفسي أن ذلك مستحيل وأنهم لا يمكن أن يكونوا جادين في تنفيذ حكم الإعدام فينا ، وهمست بخلجات نفسي هذه في أذن أقرب زملائي إلي . ولكنه بدلا من أن يجيب على قولي أشار بأصبعه إلي صف من التوابيت التي أعدت لدفننا وقد رصوها إلى جانب المنصة وبسطوا فوقها قطعة واسعة من القماش .

" عند ذلك تبخرت كل آمالي في طرفة عين ، وتوقعت أنه لن تنقضي على لحظات قليلة إلا وتكون النار قد نسفت رأسي نسفا .

" ولشد ما أفزعني ذلك ، غير أني تجلدت واحتفظت بسري في قرارة نفسي ، وجعلت أتحدث إلى جاري في مختلف الشئون ، ولقد أنبأني هو بعد ذلك بأني كنت من رباطة الجأش بحيث لم يبد على أي أثر من آثار الخوف ، حتى لوني لم يكد يمتقع !

" وعلى حين فجأة ظهر فوق المنصة قسيس وأخذ يسأل المحكوم عليهم إن كان بينهم من يرغب في الاعتراف بخطاياه ، فلم يستجب لدعوته إلا واحد منا ، ولما بسط

القسيس يده بالصليب لثمناه جميعا بشفاهنا . " وفي خلال ذلك كان ثلاثة من زعماء الرفاق قد شد وثاقهم على اعتبار أنهم أكثر الجماعة إثما . وغطيت رؤوسهم بما يشبه الأ كياس ووقف الجنود تجاههم ينتظرون الأمر باطلاق النار

" وأيقنت أن كل ما يمكن أن يكون قد بقي لي من هذه الحياة هو دقائق معدودات . وما كان أروع تلك الدقائق ! لقد علق بصري بكنيسة كانت أمامي فجعلت أحدق في قبتها المذهبة وقد انعكس عليها ذلك الشعع الوضاء ، وخامرني إحساس بأن هذا الضياء إما ينبعث من ذلك العالم الذي سأدخله بعد هذه اللحظات القصار

" وعند ذلك أحسست بموجة هرج تغمر المكان وكان في بصري قصر يحول دون أن أتبين ما يدور حولى ، ولكني أحسست بأن ما يجري لابد أن يكون أمرا غير عادي . وأخيرا استطعت أن أتبين ضابطا على صهوة جواد ينهب به الأرض نهبا وهو يقبل نحونا وفي بدء منديل أبيض يلوح به في الفضاء . لقد كان رسول الامبراطور إلينا ليحمل إلي جلادينا أمر عفوه . ولقد عرفنا فيما بعد أن حكم الإعدام لم يكن إلا وسيلة لتهديدنا وإلقاء درس علينا لا ننساه . ولكن هذا الدرس القاسي كانت له نتائجه الخطيرة الخالدة في حياة كثير منا . فإن جريجوريف لما حل وثاقه كان قد طار صوابه ، وأدركته لوثة الجنون وهو في لهفة من الفزع عند ما كان يترقب صوت ذلك الطلق الذي سيودي بحياته . ولقد عاش المسكين بقية عمره في بحران هذا الخبل الذي أصابه . ولم يكد ينجو واحد منا من أثر تلك الصدمة العصبية التي كابدناها في ذلك الموقف المشهود .

" وفوق ذلك فاننا قبل أن نصعد إلي المنصة كان الحراس قد نزعوا عنا ثيابنا ، وبذلك قضينا نحو عشرين دقيقة وليس على أجسادنا إلا قميص واحد كان علينا أن نتقي به بردا قارسا وصلت درجة الحرارة فيه إلى عشرين

درجة تحت الصغر . ولما ارتد بنا حراسنا إلى السجن بعد ذلك الصباح الأغير كانت قد تجمدت آذان بعض الرفاق وسقطت اطراف بعض . واصيب واحد منا بالتهاب رتوى ما ليث أن تطور إلى سل .

" أما حكم الإعدام فكان قد أبدل إلى ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة تقضيها فى سجون سيبريا ، ثم تأتي من بعدها فترة اخرى يوزح فيها تحت نير النفي والتشريد ! " .

هذا ما كتبه دوستوثفسكي وصفا لتلك اللحظات الخالدة ، رأيت ان امهد به لدراسة بعض النواحي الفنية التى تنجلى فى كتابات هذا الفنان الموهوب . فإلى لقاء قريب إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية