لما انهارت دعائم الخلافة الأندلسية في فاتحة القرن الخامس الهجري ( فاتحة القرن الحادي عشر الميلادي ) وانتثرت الدولة الإسلامية الكبري بالأندلس إلى دويلات عديدة هي دول الطوائف ، كانت هذه الدول الصغيرة المتنافسة تقدم إلينا بالرغم من تفرقها وضعفها ، صورا خلابة شائقة :ففي إشبيلية بلاط بني عباد يسطع بهاءً وفخامة، وفي قرطبة حكومة أرستقراطية من طراز مبتكر ، وفي المرية يقوم ابن صمادح على رأس دولة من الشعر والشعراء ، وفي بطليوس يقيم ابن الأفطس الأمير العالم دولة للعلم والأدب ، وينافس بنو ذو النون في طليطلة دولة بني عباد في البهاء والفخامة ، وهكذا نستطيع أن نلمح في جنبات أسبانيا المسلمة في هذه الفترة العصيبة من تاريخها كثيرا من تلك المناظر الفخمة التي اجتمعت من قبل حول بلاط قرطبة ، في عصور القوة والمجد .
ولقد كان مثل قرطبة عاصمة الخلافة القديمة فريدا بين دول الطوائف ، ذلك أنه لم تقم بها دولة ، ولم يقم بلاط على نحو ما وقع في سائر قواعد الأندلس الكبرى ؛ ولكن قامت بها حكومة أو بعبارة أخرى هيئة إدارية من نوع جديد ، سميت بحكومة " الجماعة " ؛ وكان على رأس هذه الحكومة الشورية المبتكرة رجل من أبرع رجالات الأندلس في الإدارة والسياسة هو أبو الحزم جهور بن محمد ابن جهور ، وكان قيامه في حكم قرطبة خاتمة سلسلة طويلة من الثورات والإنقلابات المتوالية التى استمرت منذ انهيار دولة بني عامر وعود الأمر إلى بني أمية ( ٣٩٩ هـ ) زهاء عشرين عاما .
كان أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور سليل بيت من بيوت الرياسة في الأندلس تعاقب أجداده في مناصب الدولة
الكبرى من الحجابة والوزارة وغيرها ؛ وكان جده جهور ابن عبيد الله بن أبي عبده من وزراء عبد الرحمن الناصر وقادته ، وكان من أكابر الشعراء ، وتقلب أبو الحزم في مناصب الدولة وولي الوزارة أكثر من مرة في ظل من تقلب في خلافة قرطبة من أمراء بني أمية ، وأمراء بني حمود في تلك الآونة المضطربة من حياة العاصمة الأندلسية ، وكان الأمر في الحكم سجالا بين البربر وبين بني أمية ؛ وكانت رياسة بني أمية أحب إلي نفوس القرطبيين والشعب الأندلسي عامة لما كان يغلب على زعماء البربر من العنف والخشونة والجنوح إلي الاستبداد والبطش، ولما ظفر علي بن حمود سليل الادارسة وزعيم البربر بانتزاع قرطبة من يد الخليفة سليمان المستعين وتلقب بالمتوكل ( ٤٠٧ هـ ) بسط على قرطبة حكم ارهاب مروع وأذل الزعماء العرب ، وقبض على كثير منهم ومنهم أبو الحزم جهور بن محمد ، وقد كان يومئذ من أولياء الدولة الأموية ، ووزرائها البارزين ، واستمر حكم بني حمود والبربر لقرطبة بضعة أعوام حتى سنة ٤١٧ هـ ؛ وبنو أمية يحاولون تباعا بالحرب والثورة انتزاع تراثهم الذاهب ، والشعب القرطبي فيما بين ذلك يسوده الاضطراب والفوضي ، وأخيرا استقر رأي القرطبين على رد الأمر إلي بني أمية ، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور، واتفقوا على مبايعة الأمير هشام بن محمد بن هشام ؛ فاستدعاه أبو الحزم ودخل قرطبة سنة ٤٢٠ هـ وتلقب بالمعتضد بالله ، وتولي أبو الحزم وزارته ولكن حكمه لم يطل سوى عامين ، ثم ثار عليه الجند ففر من قرطبة والتجأ إلي بني هود في سرقسطة ( سنة ٤٢٢ هـ) ثم توفي بعد بضعة أعوام دون عقب ، وانقطعت بوفاته الدعوة لبني أمية ، وعفا ذكرهم ، وانتهت دولتهم .
ولما انهار حكم بني أمية في قرطبة لآخر مرة كان الشعب القرطبي قد سئم تعاقب الحكومات والدول علي
هذا النحو المضطرب ، ولم يحدث من جهة أخرى في قرطبة ما حدث في قواعد الأندلس الأخرى من قيام زعيم محلي بقيم لنفسه دولة جديدة ، على غرار ما حدث في إشبيلية وطليطلة وغرناطة والمرية وغيرها ؛ وكان أبو الحزم جهور كبير زعماء قرطبة ، يوليه الشعب كل عطفه وثقته ، وكانت لديه كل فرصة ليقيم لنفسه مثل هذه الدولة ؛ ولكنه لم يجنح إلي مثل هذه الغاية ، وآثر أن يشق لنفسه طريقا فذا ، فلما اختاره الزعماء والكبراء للرياسة أبي أن ينفرد بها دونهم ؛ وآثر أن يدعو صفوة الرؤساء إلي مشاركته في الحكم وتوجيه الشئون ، وأن يجتمع الرؤساء جميعا في شبه مجلس للدولة أو حكومة للجماعة تتولي الحكم بإشرافه وتوجيهه ؛ وكان أبو الحزم يرمي بذلك إلي اكتساب تأييد الزعماء الأقوياء ، واتقاء ما قد تثيره الأطماع المتضاربة من الخصومات والمعارك ، وتأييد الأمن والنظام بجمع الكلمة ، وتوحيد الرأي ، وتوزيع التبعات ؛ وهكذا أنشأ أبو الحزم جمهور بقرطبة نوعا من حكم الشوري في صورة حكومة للجماعة ، وهو نوع من نظم الحكم ، قلما تراه في الدول الإسلامية ، وإن كنا نراه في كثير من حكومات العصر القديم ولا سيما المدن اليونانية ؛ وهو في الواقع حكم الأرستقراطية متي وجه إلي خير الشعب المحكوم ، أو حكم الأقلية الممتازة إذا اتجهت سياستهم إلي تدعيم سلطاتهم ، وإنماء ثرواتهم ، وتلك هي " الأولجاركية " ، وهي أقل صلاحا من الحكومة الأرستقراطية .
وقد كانت حكومة الجماعة التي قامت بقرطبة فيما يبدو مزيجا من الأرستقراطية والأولجاركية ، وإليك كيف يصفها لنا ابن حيان مؤرخ الأندلس ، وهو يذكر اجتماع الملأ من أهل قرطبة على تقديم أبي الحزم : " أعطوا منه قوس السياسة باريها ، وولوا من الجماعة داهيتها ، فاخترع لهم لأول وقته نوعا من التدبير حملهم عليه ، فاقترن
صلاحهم به ، وأجاد السياسة فانسدل به الستر على أهل قرطبة مدته ، وحصل كل ما يرتفع من البلد بعد إعطاء مقاتلته ، وصير ذلك بأيدي ثقات من الخدمة ، ومتى سئل قال ليس لي عطاء ولا منع ، هو للجماعة وانا أمينهم ، وإذا رايه امر عظيم أو عزم على تدبير أحضرهم وشاورهم ، وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلا ان يكون باسم الوزراء ؛ فأعطى السلطان حقه من النظر ؛ ولم يخل مع ذلك من ربحة لمعيشته حتى تضاعف ثراؤه ، وصار لا تقع عينه على أغني منه " (١) .
والحقيقة أن جهورا لم يتخذ سمة الرؤساء المستبدين ، فلم يغادر بيته ، ولم ينزل دار الخلافة اقتصادا في النفقة ، وترفعا عن البذخ ،وقد استطاع بحكمته وبراعته أن يحقق خلال عهده طائفة كبيرة من الإصلاحات الهامة ؛ فوطد النظام والأمن ، وأنشأ شرطة عامة حازمة ، وعمل على تخفيض الضرائب والمكوس التي أثقلت كاهل الشعب في عهد الخلافة ، وعلى إلغاء الرسوم والمظاهر الباذخة ، والاقتصاد في النفقات العامة ، وعلى تخفيض الأسعار وتوفير المؤن ، وعني في الوقت نفسه بتنظيم الجيش المدافع عن المدينة وتقويته وتوفير الأغطية للجند ، وتسليح الشعب ، وإنعاش قواه المعنوية بكل الوسائل حتى يغدو في كل وقت قادرا على اللذوذ عن حاضرته في وقت كانت الحرب الأهلية تعصف فيه بسائر الحواضر الأندلسية ، وتضطرم الأطماع حول العاصمة القديمة ولا سيما من ناحية بني عباد أمراء إشبيلية الأقوياء، وقد حاول أبو القاسم محمد بن عباد أمير اشبيلية بالفعل أن يثير القلاقل في قرطبة بإذاعته أن الخليفة هشاما المؤيد حي ولم يقتل ، وأعلن وجوب طاعته ، وثارت من جراء ذلك بعض قلاقل في قرطبة شغل أبو الحزم حينا يقمعها، وكذلك عمل أبو الحزم على إخضاع بعض الأماكن والحصون القريبة من قرطبة
لحكم الجماعة ؛ وكان يطمح فيما يبدو إلي أن يبسط سلطاته على أنحاء ولاية قرطبة القديمة كلها ؛ وكان ينافسه في ذلك بنو عباد ؛ بل يقال إنه ذهب إلى أبعد من ذلك ؛ فأرسل يدعو أمراء الطوائف جميعا إلى طاعة الحكومة المركزية حسبا كان الأمر أيام الخلافة توحيدا للكلمة وإحياء للدولة الإسلامية القوية ؛ وكانت بالطبع دعوة أفلاطونية لم تلقي صدي .
وعلي أي حال فقد استطاع جهور أن يحقق لقرطبة فى عهده نوعا من الاستقرار والسلام والأمن ، وأن يعيد إليها لمحة من رخائها الذاهب ، ويشيد ابن حيان بخلال جهور ونجاحه في مهمته فيقول :
" وكان مع براعته ورفعة قدره ، وتشييد بحديثه ، من أشد الناس تواضعا وعفة وأشبههم ظاهرا بباطن ، وأولا بآخر ، لم تختلف به حال من الفتاه إلى الكهولة ، واستمر في تدبيره قرطبة ، فأنجح سعيه بصلاحها ، ولم شملها في المدة القريبة ، وأثمر الثمرة الزكية ، ودب ديب الشفاء في المقام فنعش منها الرقات ، وألحقها رداء الأمن ، ومانع منها من كان يطلبها من أمراء البرابرة المتوزعين أسلافها ، يخفض الجناح ، ومعاملة الرفق ، حتى حصل على سلمهم واستدرار مرافق بلادهم ، ودار القاسطين من ملوك الفتنة حتى حفظوا حضرته وأوجبوا لها حرمة " ، ويقول الحميدي :
" وكان يشهد الجنائز ويعود المرضي جاريا على طريقة الصالحين ، وهو مع ذلك يدير الأمر بتدبير السلاطين المتغلبين ، وكان آمنا وادعا ، وقرطبة في أيامه حرما يأمن فيه كل خائف من غيره " .
واستطال حكم الوزير أبو الحزم وحكومته الشورية الأرستقراطية زهاء أربعة عشر عاما ، نجت فيها قرطبة من أهوال الحرب الأهلية المخربة ، ومن عدوان الطامعين في امتلاكها من الأمراء الأقوياء ، وتمتعت بفترة من الأمن والرخاء لم تعرفها منذ انهيار الدولة العامرية وبداية الفتنة ؛
ثم توفي الوزير المنايه في أوائل سنة ٤٣٥ هـ ( ١٠٤٣ م ) ، تاركا حكومة الجماعة تحت إشراف ولده أبي الوليد محمد بن جهور ؛ وكان بالرغم من عدله ورفقه ، ضعيفا لا يستطيع النهوض بأعباء الرياسة ؛ فلم تمض أعوام قلائل حتى انحدرت قرطبة إلى معترك الحرب الأهلية التي عمت دول الطوائف ، وسارت دولة بني جهور التي آزرها عون الجماعة واتفاق الكلمة مدى حين إلى مصيرها المحتوم .
وكانت " حكومة الجماعة " التي قامت بقرطبة يروحها النيابية الإصلاحيه ، مثلا فريدا في الدولة الإسلامية ؛ وكانت بالرغم من مشابهتها للحكومات الأرستقراطية أو الأولجاركية القديمة ، ابتكارا جديدا في النظم الإسلامية . وكان حربا أن تغدو وقت الفتنة ملاذا لاتفاق الرأي واجتماع الكلمة بين دول الطوائف ؛ ولكن الأطماع والأهواء الجامحة كانت أقوي من أن تروضها دعوة الاتحاد والتفاهم ؛ وكان المصير المحزن الذي لقيته دول الطوائف غير بعيد أبلغ جزاء للتخاذل والتفرق .
