إن المتفائلين من المصلحين يطمحون أن يكون للعالم حكومة عليا واحدة والأمم المختلفة من روسيا وأمريكا وإنجلترا وفرنسا وغيرها تكون فيها ولايات كالولايات المتحدة تحت حكومتها وأن يكون لهذه الحكومة العليا جيش واحد وقانون دولى واحد وأن تكون حدودها هى حدود الأرض كلها وهم يرون أن هذا وحده هو سبيل السلام الدائم
وهذا تفكير جميل ومنطق صحيح ولكنه سرعان ما يصطدم بالواقع عند التنفيذ فالدنيا لا تحكم بالمنطق الصحيح وحده ولا بالتفكير الجميل وحده بل تحكم أيضا بالغرائز الموروثة والشهوات المألوفة
لقد اصطدمت هذه النظرية الجميلة أول أمرها بالسؤال الآتى : هل حكومة العالم هذه تتكون من أقوى الدول وحدها وحينئذ ما الذى يمنع من استبداد الأمم القوية بالأمم الضعيفة واتفاق الأمم القوية على اتخاذ الأمم الضعيفة أسلابا وغنائم وإذ ذاك يتحرك عامل
الجشع بين الأمم القوية فتتنافس فى التهام الغنائم وتعود الحالة إلى ما كانت عليه أو أن تتكون هذه الحكومة العالمية من أكبر عدد ممكن من الدول كبيرها وصغيرها كما حدث فى عصبة الأمم وحينئذ يدركها الفشل كالذى يدرك البرلمان الكثير العدد وتننافس الدول القوية فى الاستحواذ على ممثلى الأمم الضعيفة
ويأتى بعد ذلك سؤال آخر كيف يتعاون أعضاء هذه الحكومة العليا وكيف تدار شؤون العالم هل تكون الأصوات بعدد الرءوس لا فارق بين أمة قوية وأمة ضعيفة فيكون لفلسطين صوت كصوت الولايات المتحدة أو تكون الأصوات بنسبة عدد شعوب كل دولة فيكون للصين ثلاثة أمثال ما للولايات المتحدة
وحتى لو تساوت الأصوات بقطع النظر عن كل الاعتبارات الأخرى ككثرة عدد الأمة وقلتها وسعة مساحتها وضيقها فسيكون لممثلى الدول القوية
كل القوة من حيث الرأى والثقافة والشعور بالقوة وسيكون ممثلو الأمم الضعيفة ضعفاء كما تؤلف فى حظيرة واحدة أسودا وذئابا وشياها
ثم إذا نحن اصطنعنا قوة للتوفيق بين هذه القوى المختلفة فما الذى يضمن بقاء التعاون واستمراره لقد دلت الأحداث على أن هذه الهيئة العالمية كالبحر يهدأ حينا ويهيج حينا وأن الهدوء لا يلبث حتى يظهر فى الأفق مطمع لدولة من الدول القوية فتنقض عليه غير عابئة بالقانون الدولى ولا بنظام الهيئة العالمية ولا بأى قانون أخلاقى فما الذى يضمن بقاء الانسجام
لقد علمتنا التجارب أن الأمم المتحالفة فى الحرب لا تلبث بعد الحرب أن يتمزق تحالفها وكثيرا ما ينقلب هذا التحالف إلى خصومة وقد حدثت هذه التجربة آخرا كما حدثت أولا فهذه أمريكا وانجلترا وروسيا المتحالفة بدأت تتخاصم وتكون معسكرات وتتنازع كثيرا فى الخفاء والظهور فشيوعية تحارب ديمقراطية وديمقراطية تحارب شيوعية وتسابق من الجميع على اكتساب الأسواق الاقتصادية والسيطرة السياسية فما حدث فى العالم أولا حدث أخيرا فكيف يتم الانسجام وكيف يضمن بقاؤه
إن الذى يوحد بين الأمم المتحالفة أثناء الحرب هو وحدة العداء للمعسكر الآخر فإذا انتهت الحرب انتهى العداء وانتهى الخوف من العدو فينتهى سبب التحالف وتعمل العوامل الجديدة فى حب الغلبة والاستئثار فيكون الخصام من جديد فلا بد من التفكير فى إيجاد أساس نفسي يربط المتحالفين فى السلم كما ربطتهم العداوة فى الحرب فما هو
إن أول خطوة يجب أن تخطى فى هذا الباب تقليم أظفار النوازع الشريرة حتى لا تجد ما تعتمد عليه إذا ثارت وذلك لا يكون إلا بتجريد الأمم كلها من سلاحها
البرى والبحرى والجوى وألا يكون شئ من ذلك إلا للحكومة العالمية شأنها فى ذلك شأن الولايات المتحدة فليس لأى ولاية قوة حربية منفصلة وإنما القوة الحربية للحكومة العامة التى تحكمها وبذلك ضمنت ألا تحارب ولاية منها ولاية أخرى فكذلك الحكومة المالية يجب أن تكون هى وحدها المسلحة وما عداها يجب أن يكون أعزل إلا بالقدر الذى يحفظ أمنها الداخلى فما لم يصنع هذا فالدعوة إلى السلام العام والحكومة العالمية دعوة مقضى عليها بالفشل ولم يفت الداعين للسلم هذا الحل فقد دعوا إلى نزع السلاح منذ عشرات السنين ولكن وقفت فى سبيل دعوتهم الأنانية القومية فهل فى الإمكان أن تتخلى روسيا وأمريكا وانجلترا عن قواتها الحربية وتسلمها للحكومة العالمية لا يكون ذلك إلا بإنقلاب خطير فى الرأى العام العالمى لقد اقترح البدء بإنشاء قوة بوليس عالمية ولكن هذه لا تكفى متى كان عند بعض الأمم قوة تفوق هذه القوة البوليسية وستكون هذه القوة البوليسية أداة سيئة للضغط على الأمم العزلاء أو الضعيفة السلاح والإمعان فى ظلم القوى للضعيف
إن الأمم القوية ليست مؤمنة إيمانا قويا بالعدل المطلق ولا بأن الشعوب المستعمرة لها الحق فى حكم نفسها ولا برقى الإنسانية من نزعات الحقد والعداء ولذلك كله تأبى أن تتجرد من سلاحها وتسلمه إلى الحكومة العالمية
لقد جربت الوسائل المادية كلها فلم تنجح فى نشر السلام وإيجاد حكومة عالمية بمعناها الصحيح فيجب أن تجرب الوسائل النفسية والخلقية والدينية لعلها تنجح
إن العالم كله يتغذى بالوسائل المعنوية من أدب وفن وفلسفة وتاريخ سواء فى التعليم فى المدارس أو قراءة الكتب والمجلات والصحف خارج المدارس أو الإذاعة أو نحو ذلك وكلها إلى الآن تخدم النزعة الحربية
والقومية والنعرة الوطنية من قريب أو بعيد فإذا غيرت هذه المناهج كلها لخدمة الإنسانية أمكن تكوين رأى عام إنسانى مكان الرأى العام القومى فوجهوا الحكومات إلى نزعة الإيثار بدل الأثرة أو على الأقل الشعور بالعدالة الإنسانية محل العزة الوطنية
ولعل هذا ما دعا هيئة الأمم المتحدة إلى إنشاء شعبة ثقافية تعنى فيما تعنى بتوجيه التربية وإصلاح برامج التعليم ووسائل تنفيذها وتنوير الأذهان ونشر الثقافة فى جماهير الناس وتكوين رأى عام يمقت الخصومة ويميل إلى التعاون ويحب أن يعيش فى ظل السلام الدائم للعالم
ولكن أخشى ما تخشى على هذه الهيئة الروحية أن تكون ذيلا للنزعات السياسية تتأثر بها وتجرى وراءها مع أن أزمة العالم ليست أزمة حربية ولا سياسية ولا اقتصادية وإنما هى أزمة نفسية خلقية فالوضع الصحيح أن يكون الحل بيد هذه الهيئة الروحية الخلقية وأن
توجه هى السياسة لا أن توجهها السياسة
ولكن هل فى الامكان أن تكون هذه الهيئة الثقافية التابعة لهيئة الأمم إنسانية بحتة في سعيها وعملها ومراميها فلا ينظر الفرنسيون مثلا إلى أمتهم فى موقفهم إزاء التعليم فى تونس والجزائر ومراكش ولكن ينظرون إلى الإنسانية المعذبة ولا ينظر ممثلو انجلترا فى موقفهم فى الهند وغير الهند إلى أمتهم وسيطرتها ولكن إلى الإنسانية وحدها ولا ينظر ممثلو روسيا إلى المبادئ البلشقية وحدها ولكن إلى الإنسانية التى هى فوق المذاهب السياسية جميعها
إن المتفائلين يرون أنهم وإن تعثروا فى أول أمرهم وغلبت عليهم المواضعات المألوفة ولم يستطيعوا التجرد منها دفعة واحدة سيسيرون فى الطريق الصحيح ويتغلبون تدريجيا على ما فيه من عقبات

