الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274الرجوع إلى "الثقافة"

حكيم، قصاص

Share

(في العدد ١٧٠ من " الثقافة " قصة للكاتب الألماني الشهير يوحنا يعقوب ) انجل Engel هي : " حلم غاليليو " . وقد قدمنا لها بكلمة عن الكاتب لا نرى ندمة عن العود إليها لأن قصة اليوم قصته أيضا . ولعل من قرأ "حلم غاليليو " قد لحظ ما أشرنا إليه من صدق نظر الكاتب ودقة تصويره ، وما نوهنا به من نثره المنابد القوي ، وأسلوبه الواضح الشفاف. وفي قصته اليوم لطافة ، وفكاهة ، وحكمة هي بعض مسه الرقيق لنواحي الحياة وقد كان انجل من خيرة الروائيين ، عالى الثقافة ، سامي الرتبة ، مربيا للأمراء ؛ وكان عضوا في أكاديمية برلين ، ومديرا أول للمسرح الأهلي وأستاذا مشتغلا بالفلسفة ، ومحصلا للغات . وقد ولد في أواسط القرن الثامن عشر ومات في مستهل التاسع عشر في الحادية والستين).

ولد السيد " توبياس فيت " في مدينة متواضعة ، وسط بين المدن ، لا هي بالكبيرة ولا بالصغيرة ؛ ولما شب واستطاع التنقل لم يجاوزها إلي أبعد من القري المجاورة لها ؛ لكنه خبر الدنيا أكثر مما خبرها غير واحد ممن

بددوا ميراثهم في باريس أو نابولي وكثيرا ما راقه ان يقص على معارفه قصصا صغيرة مختلفة مما خبر في الحياة . وهي قصص ليس فيها من الخيال والشعر شيء كثير . ولكن ما فات من خيالها وشعرها ، يعوضه واقعها ويزيد ، والغريب المميز في هذه القصص هو ان كل قصة منها تجمع بين دفتيها أقصوصتين متراسلتين ؛ وإليك المثال :

في ذات يوم جاء السيد " فيت " أحد معارفه ، ويدعي السيد نل ، وجاءه يطربه ، ويثني على حصافته وعقله . فتهلل الشيخ " فيت " وكأنما اعجبه هذا الثناء من " نل " الشاب ، فسأله قائلا . أعاقل أنا حقا ؟

- إن الدنيا بأسرها تتحدث بذلك يا سيد " فت ولوددت أن يكون لي مثل عقلك .

- أما ! إذا كانت هذه طلبتك فما أسهل ما تطلب - الق بالك ما استطعت إلى ما يفعل الممررون !

- ماذا يا سيد "فت" تستفعله الممرورون ؟ - أجل يا سيد " نل " ! وافعل عندئذ غير ما يفعلون - مثال ذلك ؟ - مثال ذلك يا سيد نل : في أيام الصبا والشباب ، كان يعيش هنا في هذه المدينة رياضي يدعي " فايت " . وكان قزما هزيلا فظا ، لا ينقطع له طواف في الطرقات ؛ يهمهم وهو سائر ، ولا يكلم احدا ، وأندر من هذا عنده أن ينظر في وجه إنسان ، فقد كان دائما متجهما ، منطويا على نفسه ، يتأمل باطنه . فماذا تظن يا سيد " نل" ان كان الناس يسمونه .

- كيف ؟ دماغا عميق التفكير . - بالضبط ! ممرورا! كانوا يسمونه ممرورا ! فكنت أقول لنفسي ، وقد كرهت لها قبل هذا اللقب : يجب ان لا يحاكي أحد السيد " فايت" ولا يفعل فعله ، فهذا غير جميل . فليدع المرء باطنه لا ينظر فيه ، وليتأمل الناس في وجوههم ، ولا يخشى ان يتهم بالقبحة . ثم ما همهمته لنفسه ، والناس موجودون ، يستطيع ان يخاطبهم وان

يتحدث إليهم ! أليس كذلك يا سيد " تل أو لست على حق ؟

- بلا ريب ! بالتأكيد - لكني في الحق لا أدري ، لا أدري علي التحقيق فإن شخصا آخر كان يسير أيضا في الطرقات . وكان اسمه السيد " فياسنك" معلم الرقص . كان ينظر إلى كل إنسان ، يحدق في وجهه وكان يتحدث مع كل من له أذن تسمع ، صغت أو لم تصغ ، ولا يدع أحدا يفلت من يده فهل تدري يا سيد تل ما كان الناس يسمون هذا - رجلا مرحا؟ -

- تقريبا ! كانوا يسمونه أيضا ممرورا ؛ فعدت إلى نفسي أخاطبها : هذا غريب ! فماذا يجب أن تصنع إذن لتكون في رأي الناس عاقلا ؟ تفعل لا كما يفعل السيد فايت تماما ، ولا كما يفعل السيد فلنك بالضبط ، لا كل أما يفعل هذا ولا كل ما يفعل ذاك فانظر أولا في وجوه الناس كما يفعل احدهما معلم الرقص ، ولا تخش في نظرتك لومة لائم ثم ارجع إلي نفسك وتأملها كما يفعل الآخر الشيخ الرياضي . خاطب الناس جهرا كما يفعل السيد فلنك ثم ناج نفسك سرا كما يفعل السيد فايت أرأيت يا سيد تل ؟ هكذا فعلت ؟ وهكذا استحققت العقل في نظر الناس .

وزاره شاب من التجار يدعي فلاو يندب سوء حظه ويشكو الزمان فبدأه الشيخ فت بقوله : ما عليك من بأس !

ثم هزه وقال : أطلب الحظ يا سيدي فلاو ، ولا تن عن طلبه

قال : لقد طالما طلبته فما اجد الطلب - فالنكبة ما تزال تلى النكبة . وأنه ليقومن بنفسي إن ألزم بيتي في المستقبل واستسلم للاقدار

- كلا كلا ! يا سيد فلاو : فاطلب الحظ كما قلت دائما ، وأعن في سعيك بالوضع الذي يكون لوجهك .

- ماذا ؟ وضع وجهي ؟

- أجل يا سيد فلاو ! وضع وجهك . وسأبين لك ذلك - لما بني جاري الذي عن يساري بيته كان الشارع وقتئذ مكتظا بشتي الاخشاب والحجارة والحواجز؛ فجاء مرة عمدتنا السيد تريك،  وكان يومئذ شابا متوثبا ، يفيض حمية ، فاندفع في غمرة هذه الاكداس مطوحا ذراعيه ، مقلصا قفاه يكاد انفه يطاول السحاب ودفعة واحدة يكبو ، فتنكسر ساقه ، ويظل يعرج إلي يومنا هذا . فماذا اقصد بهذا يا عزيزي السيد فلاو ؟

- آه ! الحكمة القديمة ؛ لا تشمخ بأنفك! - أرأيت ؟ كذلك لا تطأطئ رأسك إلي أسفل مما ينبغي . فإنه لم يمض على حادث السيد تريك وقت طويل حتي كان رجل اخر يسير في الطريق . وكان شاعر المدينة السيد شال . ولابد انه كان ينظم قصيدة ، او يقلب في رأسه بعض هموم بيته ، لانه كان ينسل حزينا ، مطرقا ، لا يفارق نظره الأرض ، كأنما يود ان يعود إلي التراب . ودفعة واحدة ينقطع حبل ، ويسقط " عرق" أمام قدميه كالصاعقة . فيغمي علي الرجل المسكين من الذعر ، ويمرض ، ويلازمه المرض عدة اسابيع . أفهل فهمت سيد فلاو ما قصدت بوضع الوجه ؟

- تعني أن يكون الوجه في سمته وسطا بين هذا وذاك ؟ - بلا ريب . فلا يختال المرء ويناجي السحاب ، ولا يخفض بصره حتى يداني التراب . فإذا ادار المرء عينيه مطمئنا إلي فوق وإلي تحت ، وعن يمينه وعن شماله ، تقدم المرء في مضمار الحياة ، ولم يجد باعثا لشكوى الشقاء .

وذات مرة قصد إلى السيد فت شاب من المبتدئين يدعي السيد فيلز . وكان يريد منه مبلغا من المال لمضاربة بسيطة . فاستفتح بقوله ؛ لن يكون لي من هذه الصفقة كبير نفع ، فهذا ما اتوقعه من الآن ، لكنها مضمونة ، وكأنها تندفع إلي يدي . فلا أريد من ثم أن أفلتها.

فلم تعجب هذه النغمة السيد فت ؛ لكنه سأله : كم

تظن أنه يكفيك يا سيد فيلز ؟

- آه ! ليس ما أطلب بالكثير . إنه شئ بسيط . مائة ريال أو نحوها .

- إذا لم تزد عن المائة فإني أعطيكها عن طيب خاطر - ولكي تري أني أريد بك الخير أعطيك فوق المائة الريال شيئا آخر يعدل بين الأخوان ألف ريال ، فيسعك ، أن تسعد به -

- ولكن كيف يا عزيزي السيد فت ؟ اتعطيني فوق المائة الريال شيئا ؟

- إنه شئ بسيط . أقصوصة فقط . - كان لي في عهد الشباب جار خمار ، رجل مضحك ، يدعى جربل . هذا الرجل اعتاد عبارة تغلب في فمه على غيرها فكانت سببا لشقائه .

وهذه العبارة ! ما هي ؟ - كان إذا سأله أحدهم احيانا : كيف حالك يا سيد جربل ؟ وماذا دخل جيبك من تجارتك ؟ أجابه بقوله : شي ، يسبط ، خمسون ريالا تزيد أو تنقص . وماذا تفعل لى هذه الخمسون ؟ او يقول له احدهم : والآن يا سيد جربل ؟ أضاع عليك في إفلاستك كثير ؟ فيجيب : ماذا ؟ إن ما ضاع لا يستحق الذكر . شئ بسيط . خمسمائة - كان هذا الرجل ميسور الحال لكن عبارته الوحيدة ، تلك العبارة اللعينة جذبته عن سرجه ، وطوحت به في عرض الطريق .

فكم طلبت يا سيد فيلز ؟ - أنا ؟ - طلبت مائة ريال يا عزيزي السيد فت . - صحيح ! إن ذاكرتي تخونني أحيانا . - لكنه كان لي جار آخر . إنه السيد توم تاجر الحبوب . وقد بنى هذا بيته كله بعبارة اخري أو لازمة اخري ، وانشأ مع البيت ملحقائه الخلفية وهربا لغلاله . - فماذا يري السيد فيلز في هذا ؟

- بريك ما هذه اللازمة الا ما خبرتني عنها ؟ ما هي ؟

- كان إذا سئل أحيانا ؛ كيف حالك يا سيد توم ماذا ربحت من تجارتك ؟ اجاب : كثيرا : مالا كثيرا . ثم يري الناس كم هو منشرح الصدر ، راضي النفس ، مهلل الوجه حين يردف ذلك بقوله : مائة ريال كاملة . أو حين يخاطبه احدهم : ما خطبك يا سيد توم ؟ ما بالك ساخطا ؟ يجيب : لقد خسرت مالا كثيرا خسرت خمسين ريالا كاملة . - وكان السيد توم قد بدأ تجارته صغيرا لكنه ما لبث ان اتسعت تجارته ، وازدهر عيشه ، فبني بيته الكبير كله كما قلت ، وأنشأ مع البيت ملحقاته الخلفية وهربا لغلاله - والآن يا سيد فيلز : أي اللازمتين تؤثر أن تكون لك .

- وهل يحتاج هذا إلي سؤال ؟ الأخيرة . - لكن السيد توم لم يكن عندي مع ذلك محقا كل الحق . فقد كان يستكثر المال أيضا حين يعطي الفقير والمحروم ، وحين يدفع الضرائب . وكان الأخلق به ان يستقله في هذه المناسبات ، فيذكره كما ذكره السيد جربل جاري الآخر . - أما أنا يا سيد فيلز ، وأراني اقف موقفا وسطا بين هاتين اللازمتين ، أو هاتين العبارتين ، فقد راعيت كلتيهما ، ووضعتهما نصب عيني . فاذكرهما حسب الظروف والمناسبات ، فتارة كالسيد جربل واخرى كالسيد توم.

لا. لا ! فإني هنا مع السيد توم ، فببته وهرى غلاله يعجبانني .

- فأنت إذن تطلب ؟ - شيئا كثيرا ! شيئا كثيرا ، يا عزيزي السيد فت . مائة ريال كاملة .

- أرأيت يا سيد فيلز ، إنه ليرجى منك . فأنت محق كل الحق . فإذا شئت الاقتراض من صديق ، وجب ان تتكلم كما تكلم السيد توم ، وإذا تقدمت لمعونة الصديق ، في ساعة الضيق . وجب أن تتكلم كما تكلم السيد جربل .

اشترك في نشرتنا البريدية