الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 577الرجوع إلى "الثقافة"

حلفاء الشقاة, حلفاء الشقاء

Share

" لم يبق لي من رصيد الحياة ، غير قلب محطم ، وجسم مهدم ، وزهن مكدود ؛ حتى لقد أوشكت أن أكتب آخر سطر في صفحة حياتي ، ثم استنجدت رجولتي ، وخيالات أولادي ، وطبق زوجتي ، فتراجعت ، واسترددت أعصابي . . وابتسمت للحظ وهو يقفز بجانبي ، متخطيا جداري كأبطال أوليمب ، لينثر ساءه الدهبية على الإسعات والفقاقيع .

وكانت كلماته لغة جديدة لم يحادثي بها من قبل . فلم يكن في هذه المرة حلنا أو شاعرا مترعا أو فاصا ممتعا ، كما عهدته منذ عشرة أعوام يوم كان الأدب يتعلك نفسه ، فيصرفه عن هموم الدنيا ، ويزهده في قيم المجتمع . لقد كان حينذاك شابا برغم الشيب الذي بدأ يدب في رأسه ، راضيا برغم الخطوب التي جارت عليه ، متعاطفا مع الناس برغم ما لقى في ماضيه من خيانة وخلف للعهود .

ولكنه اليوم يفيق من إغفاءته الحلوة ، وحلمه الجميل ، على مرارة الواقع التي تطرد الأطياف المتراقصة ، وتبدد أوهام الشعر التي طالنا اهتذي بها . ويكاد يسقط من حالق إلى هوة سحيقة ليس لها من قرار ، فيقول في حنق وكأنه يحدث نفسه :

" سأحيا من جديد ، ومأبدأ الكفاح مرة اخرى لأنظر بمصباح علاء الدين . سانزل إلى مستوى هذا العالم . سأنافق أحيانا ، وأغضى أحيانا ، فورائي بيت يطلب حقه في الحياة ، وزوجة تريد حظها من المتعة ، وأولاد يجب ان يأخذوا مكانهم في الميدان وورائي فوق هذا نفس تضطرم بين جوائحها رغبات وحاجات . هذه النفس قد عثرت عليها اليوم ، وأنا أشرف على شاطئ الخمسين " .

ولكنني أقول له

" ونريد أن تفقدها في سن الخمسين . إنك لا تقصد ما تقول ولا شك ، إنما الصدمة خرجت بك عن طورك فأنطلقتك بما يخالف ديدنك ، ولا يرضى ضميرك القابع في أعماق نفسك " فيرد مؤكدا : " إني أعني ما أقول ، وأزيد أن المثالية الأخلاقية لن تكون ديدني بعد اليوم في عالم يصفق المهرجين ويدوس العبقرية بالأقدام " .

قلت : لتكن فلسفتك كيفما تود أن تكون ، فأمرك فردا لا يعنيني ، ولكن الذي يعنيني الفلسفة التي علينا أن نلقنها للجيل الجديد - ومنهم أبناؤك الذين قدموك لكفاحك وإياتك . ولا أحبك ناصحا لهم بالسقوط وانتهاج سبيل الوصولية والتهريج . وكأنها مست ضيره بيد سحرية فيطرق إطراقة أتاحت لي أن امضي في حديثي :

ما من عظيم مضت حياته في يسر ونعمة وهدوء . ومع ذلك فلست أراك إلا مؤمنا أن مآسي العظماء أخلد وأنبل وأمعن في الإنسانية من مباذل السلاطين والقياصرة والسراة ، ذوي الجاء العريض والمعنى التافه . ثم ألا ترى معنى أن مآسي هؤلاء انتهت إلى خاتمة سارة عادلة ؟ .

ولكنه يسارع إلى الاعتراض قائلا

- لقد عدوت الصواب فقد ختمت حياة الكثيرين منهم ختاما انها ، يثير الحزن والسكد ، إن لم يثر السخط والفيظة .

فأرد عليه :

- إن قصة العظيم لا تنتهي بانتهاء حياته ، فما كانت حياته لتتبدد مع اخر أنفاسه ، أو تخمد بخمود جذوة الحياة في قلبه . إنها تدوم : لا فوق سطح الأرض ، ولا في باطنها للظلم ، ولا في السماء التي لا ندرك مداها ؟ ولكن في عقول الأجيال ، وقلوب البشر ، وخواطر الحقدة ، وضمائر

الخلف . وقد علمنا التاريخ - أردت أو لم ترد - أن النصر حليف هؤلاء الأبطال المكافحين ، في أي ميدان ، علميا كان أو فنيا أو اجتماعيا . وسيان عندي كان النصر في حياة هؤلاء ، أو بعد مماتهم ؛ فالبشرية شاهد عليه ، وحياة البشرية ليست رهنا بحياة فرد أو أفراد . لست أطلب خططا .

" إني لا أطمع أن تكون الحياة في عيني روضة . وفي أذني أنشودة ، وفي أنفي طيبا ، وفي ثم شهدا . لست أطع في شئ من ذلك ، ولكن من الظلم أن تكون حياتي كلها شقاء ، وأن يكون عبثي كله دموعا ، ودهري كله جوعا " .

" ألمح في ثنايا حديثك أعراض مرض نفسى حاق ينفر كبير من أبناء هذه الأمة ، ولا أحسب إلا أن عدواء قد انتقلت إليك ، وغاية ما أخشاه أن ينتقل إلى أبنائك . ذلك المرض يدفع صاحبه إلي محالفة الشقاء ، وإدمان البؤس والركون إلى الهموم . قد تعجب من قولي هذا ، ولكن العجب يزول من غير شك إذا علمت ان هذا النفر دون سواهه ، يصيبه الإخفاق في كل عمل يقوم به ، وتأخر عن الصفوف الأولى حتى يبدو للناس أن الحظ يخونه ويهيأ لنا أن امرا يضطهده ويحول بينه وبين التقدم . ولو بحثنا حال هؤلاء بشئ من الدقة ، لوجدناهم أولى نفوس هشة ، وإرادة ضعيفة ، ولا كتشفنا أنهم يهربون من المسئوليات ، ويخشون جلائل الأمور . وليس العيب عيبهم ، إنما هو عيب التربية الأولى التي غرست في أذهانهم - عن طريق التدليل - أنهم خير الناس ، وعودتهم أن يكونوا مركز الاهتمام ، ولم تتح لهم فرص البذل مكتفية بإتاحة فرص الأخذ ، فنشأ هؤلاء أطفالا يهيأ لهم أنهم خير الناس ؛ ولكن المجتمع الخارجي ليس كالأسرة تحنو علي الطفل أيا كانت قدرته ، وليس مستعدا دائما لمواجهة حاجات الأفراد ، أو الناس المعاذير لهم ؛ فالهياب الوجل ، يبقى خلف الصفوف ، والمقدام الجسور ، يتقدم تلك الصفوف .

ولكن هذا الوضع لا يرضى أطفالنا الكبار ، ولا يحقق رغباتهم الجارفة التي تعجز عن تحقيقها إرادتهم القاصرة ؛ فيثورون ، لا على أنفسهم ولكن على الدنيا ، ويلعنون الحظ ، ويتهمون الرؤساء بالمحاباة ، والزملاء بالتملق ، وعامة الناس بالغفلة وعدم التقدير . ويجارون بالشكوى يرددونها على مسامع الأصدقاء الذين ينفرون منهم بعد قليل ، أو يحضون ناب الندم على ما ضاع من أعمارهم . وما اللعنات التي يصبونها أو التهم التي يقذفون بها ، أو الشكوى التي يجأرون بها ، أو الندم الذي يحسون به ؛ ما كل ذلك إلا وسائل نفسية يستخدمونها لإخفاء عيوبهم عن ذات أنفسهم . وكلما أحسوا بنقصهم ، وكما شعروا بتخلفهم عن غيرهم ، ألحوا في هذه الوسائل حتى ينتهي الأمر أن يصدقوا أنفسهم ، وتصبح اللعنات والنهم والشكاوى حقائق دامغة ، يتلمسون لها البراهين ، ويصبح العالم المتقدم ، والناس الماضيون في حياتهم أعداء مسئولين عن إخفاقهم . فهم حينئذ كالنعام يدسون الرءوس في الرمال ، فيخفون حقيقة نفوسهم عن أنفسهم ، ولكنها لا تخفى على الناس ، ويتهربون من الشكلة فلا يواجهونها في صراحة ، أو يعالجونها في حكمة .

وأنا أرجو ألا تكون واحدا من هؤلاء ، لأنهم ضعاف لا زاد لهم ، وأنت غني بفنك ، قوي بأدبك . وأنا لا أراك منكود الطالع لأن كارثة حلت بك ، أو منصبا حرمت منه ، أو جاها سلبته . إنما أراك كذلك حين يعتريك الخمول ، وتفشى عليك الكآبة التي قيل عنها إنها أفعوان فاغر فاه ليلتهمك وأنت على قيد الحياة . حينئذ فقط ، أندب حظك ، إذ تفقد مالك من قيمة ، وتتلاشى ما تنطوي عليه حياتك من معنى نبيل .

وكان سديقي ينصت إلى ، كما ينصت التلميذ إلى أستاذه وبرغم أن علامات الرضا بدأت تبدو في قسمات وجهه إلا أنه خشي أن يسلم فقال مهاجما إياى :

- إنك رأس بغير قلب ، وفكر بغير عاطفة ، وعقل

) البقية على صفحة ١٤ (

) بقية المنشور على صفحة ١٢ (

بغير خيال . أنتم رجال الفكر ، ودعاة العقل ، ورواد الحكمة تعيشون في هذه الدنيا عقولا مجردة ، لا تعرف اللذة والألم ولا تحس الرضا والغضب ، ولا تذوق البسمة والسمعة ولكنها تحلل وتعلل ، وتزن وتقيس . أعصابكم من الثلج وقلوبكم من الجرانيت ، وعيونكم من البلور ، والإنسان الكامل في نظركم من سلم قلبه من الرقة ، وثبت وجدانه عند " درجة الصفر " ، وعاش كما تعيش الآلهة فكرة مجردة ، خالدة ، كشف على الدنيا من خلال برج من العاج

" لا أظني كما زعمت نظريا أحلق في أجواء التجريد . فما تطلبت منك المستحيل ، ولا أنا فرضت عليك الاستسلام أو البلادة والجمود ، وإنما أردت ألا تكون ممن تخلع قلوبهم لأنفه الآلام ، أو نهدهم أبسط الأحداث ، وفسدت أن تكون آفاقنا أوسع من حدود أنفسنا . ومادامت الأحداث تنرمى . والأحقاد تلاحقنا ، وقيود الحياة تختقنا ، فما يمنع أن تبقى حيث كنت دائما : ساخرا بالقدر ، مستهينا بالصعاب تناول الالام الحياة وشرورها وعيلها إلى صور فنية . إذا فاكتب ، وانظم ، واقصص ، وتلق ضربات القدر بهزة من رأسك ، وبسمة من فيك ، ثم قم بجولة في فكرك . وتقدم لتبادره بطعنة من قلبك نبعث الحياة في أوصالك، وتحكى للأجبال القادمة قصة كفاح المفكرين الأحرار في سبيل الحق والحرية والجمال . وسوف نقتصر في النهاية ولا يعنينا أن نفوز بالنصر في حياتنا ، أو بعد الممات ، طالما استقر في أذهاننا قول سنان كور الخالد :

" الإنسان فان . فليكن . ولكن لنفن ونحن نقاوم ، وإذا كان العدم ينتظرنا فلا يجوز أن نعمل على أن يكون هذا العدم قضاء عادلا .

اشترك في نشرتنا البريدية