الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 272الرجوع إلى "الثقافة"

حلم عجيب

Share

أصبت بالزكام في هذا الأسبوع ، وفي ليلة من لياليه أرقت ، فقد اعتدت ان آخذ نفسي من انفي واطبق فمي ، ولكن انفي وقد زكمت لا تساعدني ، فلابد من مساعدة فمي ، فإذا أخذ النوم عينى عدت إلي عادتي ، فانضمت شفتاي ، والزمتا انفي أن يتنفس وحده وهو لا يستطيع فأكاد أختنق فأنتبه ، وهكذا وهكذا مرتان وثلاث ، ثم يكون الأرق الشديد الذي افضله على النوم المضني

وأضأت المصباح ، ومتى أضأته فلابد من كتاب ، وفتحت المكتبة وتلمست كتابا سهلا ، فوقعت يدي علي كتاب " علاء الدين والقنديل  المسحور وقصة مصباح علاء الدين إحدي قصص الف ليلة وليلة ، ولكنها لم ترد في المجموعة التي بأيدينا   إنما عثر عليها الأستاذ " زوتنبرج " وطبعها في باريس سنة ١٨٨٨ .

كنت نسيتها ، فأعدت قراءتها من جديد ، وانساني لطفها وظرفها الزكام والأرق ، واختلست نفسى ثلاث ساعات أتممت فيها قراءتها في ست وثمانين صفحة

وأعجبني هذا المصباح العجيب الذي كان يحكه علاء الدين فيظهر له خادم من الجن بقوله له :  انا عبدك وعبد من بيده المصباح ، فماذا تأمر ، فإذا أمر أمرا  احضره في لمحة البصر ؛ يأمره مرة أن يحضر له مائدة أكل لأنه جائع ، ففي طرفة عين تأتي المائدة من ألذ الطعام في صحاف من الفضة النقية ، ومرة يأمره ان يحضر جواهر كريمة لامثيل لها في العالم ليهديها إلي السلطان يتقرب بها إلى ابنته بدر البدور ، فما هو إلا ان يأمر فتحضر ، ومرة يأمره ان يحضر إليه بنت السلطان وخطيبها ؛ لأن السلطان أبى عليه أن يزوجها له ، فإذا به يحضرهما إليه ، ثم يأمره أن يعيدهما في الصباح فيعيدهما . وهكذا يبني له القصور متي شاء ، وكيف شاء ، ويقرب له البعيد ، ويبعد القريب ، حتي يحقق كل

امانيه ، ويتزوج بدر البدور ، ويعيش في سعادة وهناء ، كل ما في الدنيا تحت أمره بفضل هذا المصباح .

وأخيرا قبل الفجر أخذ مني التعب مبلغه من زكام وأرق وقراءة ، فحلمت أنني في يوم دافيء والشمس ساطعة ، فاستحثني هذا كله على السير في صحراء مصر الجديدة ، فتوغلت فيها ، وبينا انا اسير رأيت على جانب الطريق شيئا تنعكس عليه الشمس فيلمع ، فاتجهت وجهته ، فإذا به مصباح ، فقلت في نفسي ،  ومن يدرى لعله مصباح علاء الدين ، ساقته إلي المقادير

رأيته مصباحا صغيرا من جنس المصابيح التي يلعب بها الأولاد في رمضان ، تكسر زجاج ناحية من نواحيه الأربع وصدأ صفيحه ، ولكن الشمس تسطع على ما بقي فيه من زجاج وهذا ما كان يلمع عند ما رأيته

وخفت ان احكه فيظهر العفريت من قبل ان استعد له ، فأرجأت ذلك إلي قراري في بيتي ، وعجلت العودة ، ونفسي مملوءة بالأماني الطيبة ، أسائل نفسى : ماذا تطلب لو كان هو حقيقة مصباح علاء الدين ؟ فكرت طويلا ، ثم فضلت أن أترك ذلك للقدر ولوحي الساعة

ثم سرعان ما وصلت إلي بيتى ودخلت حجرتي ، وأغلقتها علي من الداخل ، وأخذت المصباح فحككته ، فما هي إلا الحجرة تنشق ويخرج منها شيطان مريد ، فارتعدت فرائصي وكاد يغمي علي من الخوف ، ثم تمالكت نفسي ، وعاد إلي بعض صوابي ، وإذا به يسأل بصوت جازم ماذا تطلب ؟

غابت عن نفسى كل أمانيها الطيبة ، ورأيتني أقول في سخافة : أريد ان اعرف الناس على حقيقتهم ، والتاريخ على حقيقته ، والدنيا علي حقيقتها .

رأيته يبتسم من قولي فسري عني ، وقال : إن هذا أول مطلب من نوعه سمعته منذ خلقت في عهد سليمان صلوات الله عليه ، وفي كل تاريخي إنما استحضرت لأتي

بمال كثير ، أو جوهر كريم ، او امرأة جميلة ، او عرش عظيم ، أو التنكيل بعدو : من إغراق في البحر ، او رمي من شاهق جبل ، وذلك مما سهل على ، ومرنت عليه ؟ فأما مطلبك فيحتاج إلى إعمال فكر في الوسائل ، واتخاذ العدة للوصول إلي الغرض .

ثم غاب عني ساعة أطول مما حكته قصة ألف ليلة في عودته بعد لمح البصر ، وعاد ومعه منظار عجيب فيه مسمار علمنى تحريكه ليكون من المنظار ثلاثة أوضاع : وضع إذا اردت ان اعرف الناس ، ووضع إذا اردت ان اعرف التاريخ  ، ووضع إذا أردت أن أعرف الدنيا ، ثم اختفي .

وضعته على عيني وخرجت لأعرف الناس فرأيت عجبا ، رأيت على صدر كل شخص بطاقة تظهر حقيقته وتبين قيمته ، راعني اني رأيت من لاقيت له درجات تبين وزنه أكثرها تحت الصفر بعشر ومائة ومائتين . وألف وألفين ، وقل منهم جدا من هو فوق الصفر ، ورأيت وجيها كبيرا خير منه كناس ، وعظيما خطيرا يفوقه  بمراحل ساعي بريد ، ومن اعرف انه وطني كبير كتب في بطاقته أنه خائن ، وخائن كبير كتب في بطاقته أنه وطني كبير ، وعالم عظيم لقب بمنقل ، وأمي حقير لقب بحكيم ، ومجنون بعاقل ، وعاقل بمجنون ، وغني له الثروة العريضة والمال الوفير والأرض والعمارات والأوراق المالية بالالوف والمئات كتب في صحيفته انه فقير ، وفقير لا يملك إلا قوت يومه كتب عنه أنه غني كبير ، وشريفة عالية المقام تزيت بالفجور ، ومتزينة متبرجة وصفت بالعفاف .

وعلى الجملة فقد رأيت الأوضاع انقلبت ، والقيم انعكست ؟ فالصدين عدو والعدو صديق ، والأول آخر والآخر أول ، ومن كانت يده تقبل تستحق القطع ، ومن كان ينبذ ويمتهن يستحق التكريم والتقديم

ودخلت حفلا رتبت صفوفه ومقاعده حسب المقام والطبقات ، والوظائف الحكومية والدرجات المالية ، والمنزلة

في الهيئة الاجتماعية ، فتصفحت صحائفهم المثبتة في صدورهم فرأيت فيمن جلس في الصدر من يستحق اعلي التياترو ، ومن جلس في أعلي التياترو يستحق الصدر ؛ وعجبت إذ رأيت قادما كتب في صحيفته ألف تحت الصفر ، قد استقبله المشتغلون من خارج الباب واحتفوا به اشد احتفاء ، وأجلسوه في أعظم مكان ، ومن كتب في صحيفته انه ألف فوق الصفر لم يؤبه له وحاول أن يدخل فلم يستطع من الزحام فعاد من حيث أتى وذكرت  الحديث " رب أشعث أغبر لو اقسم على الله لأبره " فقلت لا بد ان يكون صاحب الحديث قد قاله وهو لابس هذا المنظار .

وهاجت عواطف فرأيتني أصفع وجيها ، وأعانق فلاحا ، وأعرض عن باشا ، واقبل على مسكين ، واحي عاملا ، ولا ارد تحية كبير ، واتصدق على غني ، واتحرج من الصدقة على فقير ، وأهزأ بكلام عالم ، وأصغي إلى كلام جاهل ومن اغرب ما رأيت وانا اسير في الشارع سيارة فخمة يركبها سائق قد كسى احسن ثياب ، وصاحب السيارة في داخلها عريان ، ومررت على بنك فشممت رائحة كريهة ، وعلى مصنع فشممت رائحة زكية ، ورأيت سيدة رزينة محتشمة في ملبسها ، جادة في مشيتها ، فقرأت صحيفتها فكدت أرجمها ، ورأيت خادمتها التى تسير خلفها لها قيمة كبري فقدمت لها وردة جميلة اختطفتها من صدر شاب لا يستحقها وعلى الجملة رأيتني آتي بأفعال حسبما أقرأ من القيم ، أقل فعل منها يقتضيني أن أكون في مستشفي المجاذيب

فأسرعت في العودة إلي بيتي . ودخلت مكتبي ، وغيرت وضع المنظار لأري التاريخ ، وعمدت إلي كتابي المسعودي وابن الاثير افتحهما واقلب صحفهما فأدهشنى ما رايت ، رايت ان كثيرا من الصفحات قد شطب وكتب عليه بالخط الأحمر كذب ، واحيانا أري صفحات قد محي سوارها وكتب في بياضها انها لا تستحق الذكر ، وأحيانا أري قائدا كبيرا أو ملكا عظيما قد اعلم

عليه وكتب مكانه تاريخ جندي مجهول أو رجل مغمور ، وكتب في آخره انه أولى بالذكر ، ورأيت في أول تاريخ كل قرن صفحات بيضاء كتب بالأحمر عنوان   كبير : " الشعب في هذا العصر " ثم لم يكتب شئ - وأحيانا تفصيلات كثيرة علق عليها بأن من غفلة المؤلف أنه ذكر المسببات وأهمل الأسباب ، وكان في ذكرها الكفاية .

ووقع في يدي - خطأ - كتاب في " الطبيعة " فرأيت في آخره تعليقا واحدا ، وهو أن " هذا علم صحيح بالنسبة لزمنه وستكشف الأيام خطأه " .

وأسرعت فاشتقت إلي الوضع الثالث من المنظار ، وهو الوضع الذي يرينى الدنيا على حقيقتها ، واستحسنت ان اري هذا المنظر فوق سطح بيتي ، فصعدت والقمر ساطع ، والجو ساكن ، والدنيا نائمة ، فحركت المسمار ، فإذا بالسقف يرتج من تحتي ، ودخان كثف يملأ الأفق ، والجو ينذر يحادث فظيع أنا مقدم عليه ، فلم اتمالك نفسى وارتحف قلبي ، ولم اشجع على مواجهة ما سيكون ، فقلبت المنظار ، ونزلت من السطح سريعا ، واحضرت المصباح وحككته ، فظهر العفريت فقال : لبيك !

فقلت : خذ هذا المنظار واكسره ، خير لي أن اعيش مغفلا جاهلا في وسط مغفلين جاهلين ، وفي كتب مغفلة جاهلة ، من ان اعيش عاقلا في وسط كل هذه الغفلة والجهالة تبسم العفريت ، وقال : اتذكر بسمتي يوم طلبت طلبتك ؟

قلت : نعم : قال : هذا ما كنت اتوقع ، وهذا سر ابتسامتي ، لخير لك أن تطلب مني ما كان يطلبه الناس من ان تتفلسف في الطلب ، وتتسامي في العرض أاحضر لك كنزا من الذهب قلت : لا

قال : فاحجارا كريمة قلت : لا قال : فزوجة شابة جميلة قلت : اخفض صوتك ، لا قال : فجاها عريضا . فغضبت من كثرة العرض وكثرة الرفض . وصرخت فيه لا لا لا بأعلى صوتي . فانتبهت من النوم وأنا أقول لا : وحزنت على الرفض فاغمضت عيني وقلت : " طيب هات " ، ولكن الأمر كان قد فات .

فقمت أسفا ! وانفي يعطس ، ورئتي تسعل ، وجسمى مهدم من سوء ما لاقيت من الأرق ، والزكام ، والاحلام ؛ وقد نذرت إن عثرت بمصباح علاء الدين مرة أخري لأطلبن ما يطلب الناس .

وأدرت التليفون لأطلب صديقا لي متخصصا في تفسير الأحلام على مذهب " فرويد " فلم أجده . فقلت : بركة  يا جامع

اشترك في نشرتنا البريدية