) كاتب هذه الرائعة تأثر ألماني دبير ، هو يوحنا يعقوب انجل Engel وروائي من خبرة الرواثيين . وقد في أواسط القرن الثامن عشر ، ودرج على توخي الحقائق ومحارية مفاسد الجبل . امتازت كتابته بالنزعة الواقعية والعرض المجرد السافر ، وكان صادق النظر دقيق التصوير وإنجل من الذائرة التي يرتبط بها ليستغ Lestig وأقرب كاتب ألماني إليه من حيث الوضوح الشفاف والنقر المساند القوى الذي كثيرا ما يبلغ في حرارة موضوعه وفي روايته شأو الدراما .
وليس انجل نبدأ للمصنع في الدراما ولا عديلا له في الصفي واتساع الأفق وإن داناه إلى حد كبير وقد يقابل هذا التفوق لمبستغ أن لإنجل طريقة في تركيب الجملة تعز لحكيها وكمالها على الكثيرين . وكان إنجل رجلا عالي الثقافة سامى المرتبة ، تولى تربية الأمراء وفي جملتهم امير بروسيا وملكها بعد ذلك فريدريك غليوم الثالث . وكان عضوا في أكاديمية برلين ومدبرا أول للمسرح الأهلي وأستاذا ومشتملا بالفلسفة وتحصيل اللغات . وقد عاش إحدي وستين سنة ومات في مستهل القرن التاسع عشر ( .
كان غاليليو غليلاي يعيش في أوان القصة في أوستري بفلورنا في سن ساجية وهالة من الشهرة . كان قد حرم اكرم حاسة وهي حاسة البصر وإن كان ينعم بالربيع : ينعم بالبلبل العائد والزهر الفواح ، وينعم بالذكري المتجددة من مسرات فائتة
وفي آخر ربيع له في هذه الحياة قاده أصغر تلاميذه فيقياني وأبرهم جميعا به إلى الحقل المحيط بأرستري ، فلحظ أنه مضي في الحقل إلي أبعد مما تحتمل قواه ، ورجا من قائده أنت لا يتجاوز به منطقة فلورنسا ، ثم قال له مازحا معقبا : إنك تعلم يا صديقي ماذا اقسمت أمام المحكمة المقدسة .
وأجلسه قيقباني فوق ربوة ليستريح . وإذ هو في تلك البقعة ، والجو عتيق بالروائح الذكية تذكر تحرقه إلي الحرية ، إذ هو ذات مرة في رومة عند اقتراب الربيع
فقام بنفسه ان يصب البقية الباقية من مرارة على مضطهدية القساة لكنه سرغان ماضبط النفس ولامها بهذه الكلمات : إن روح كويرنيكسوس ) ١ ( لتسخط إن فعلت
لم يكن قيقياني قد علم بعد بقصة الحلم الذي أشار إليه غاليلاي بهذه الكلمات ، فاستوضحه ما قال . لكن الشيخ الذي كان برد الماء فوق ما يحتمل ، وأرطب مما تطيق أعصابه المريضة ، شاء أن يعود أولا قبل أن يوضح .
وقال لتلميذه وقد استجم قليلا : لست تجهل كم قست على الأقدار ، وكم أبطأت الحرية . فاني لما وجدت ان أقوي شفاعة لحماني من آل مدسيس ، بل إن انحداري إلي سحب أقوالي قد بقي كلاهما بلا تأثير ، ارتميت على فراشي ساخطا على مصيري دائما على العناية الإلهية ، وجعلت أصيح بأعلي صوتي وإلى أبعد مما يخطر لك ببال ، ناهيا حياتي
التي لم تعلق بها وصمة ، ذاكرا جدي في عملي وكدي في اجتياز تيه الحكمة الزائفة طلبا للنور الذي لم استطع اجتلاءه كنت أقول : كم حشدت قوي النفس جميعا لتنفذ بك إلي الحقيقة على رغم التحامل القوي القديم الذي كان يعترض طريقك ! وكم حرمت نفسك اللذائد وابعدت
عن شفتيك الرحيق الذي كان مشتهاك أن تحتسيه ، كي لا تتخاذل في عملك الروحي كم وهبت الحكمة ساعات نومك ، وكم ارتعشت من البرد وارتعدت من الجليد وانت ترعي الفلك وعجائبه ، والناس من حولك رقود لا يزعجهم
هم ، أو منهمكون يتعشون الحسد بالملاذ كم سهرت الليالي القائمة الكدرة على ضوء الصباح طمعا في ان تعلن فضل الله وان تضئ العالم بنوره فماذا كانت ثمرة عملك بعد
هذا كله ايها النعس ؟ ماذا كسبت من كل تمجيدك للخالق وتنويرك للخلق ؟ اذلك الغم الذي يكتنف مصيرك ويجفف ماء عينيك ؟ أم هذه الدموع التي لا تقوي على حبسها وهي تطفئ نورك الضئيل إلي الأبد ؟
بهذا كنت أخاطب النفس يا فيفياني ثم ألقي نظرة ملؤها الحسد على مضطهدي - كنت أصبح : هؤلاء الازرياء الذين يسترون سخفهم بالصيغ الغامضة ورذائلهم بالمطارف المهيبة ، الذين يفترون على الله الاكاذيب ليجملوا منها كلماته ، وينزلون نقمتهم بالحكيم كي لا يزعجهم من تماسهم اللذيذ نور الحق الذي يمليه الحكيم هؤلاء المنحطون الذين لا يعملون إلا لشهواتهم ودمار العالم ،
كيف يضحكون في قصور الآسي ، وينعمون في فوضى الحياة السادرة ؟ كيف حرموا الفضل صاحبه وجردوه من اقدس ما يملك وهو الشرف ؟ وكيف يجثو الشعب بين ايديهم ضارعا وهم خادعوه من ثمرة كده ومتخذو ولائمهم من دسم قطعانه وعصير عنبه ؛ أيها التعس
الذي لا تعيش إلا لله وأملك والدي لم تشب يوما في نفسك غير اطهر الشهوات واقدسها وهي الشغف بالحقيقة ؛ أنت يا من هو عند الله خير من هؤلاء كاهنا إذ تكشف عن معجزاته في نظام الكون ونري الناس آياته في الدودة الحقيرة ؛ اقدر لك الآن ان ينقصك الشئ الوحيد الذي تضبي في طلبه والذي مستحه حتى الحيوان في الغابة والطير في جوه - الحرية ؟ أي عين تسهر على مصادر الانسانية ، وأي يد عادلة توزيع بالقسطاس متاع الحماية وطيباتها ؟ فتترك الأدنياء ينهبون كل شئ ، وتحرم الأجلاء كل شئ .
وغلبني النعاس وأنا على هذه الحال ، وما كاد يفعل ؛ إذ تقدم من فراشي شيخ مهيب المنظر ، فوقف عنده يتأملني راضيا صامتا ، واستقر بصري فوق جبينه الفكر وخصل رأسه الفضية وكلي إعجاب به .
وصاح بي أخيرا : غاليلاي : إن ما تعانيه الآن إنما
ثمانية في سبيل الحقيقة التي لقنتك إياها . ولولا أن أنجاني الموت من هذا الاسر وردني إلى تلك الحرية الخالدة لطاردتني الخرافة التي تطاردك .
وصحت أنا : كوبرنيكوس ؛ وضمته إلي صدري قبل ان يحير جوابا آه يا قيقياني ؛ إن أواصر الدم التي تصلها الطبيعة حلوة ما في ذلك شك ؛ لكنه أحلى من تلك الاواصر وأحلى ما تصله الروح ، وأمكن من روابط الحب الأخوي وأغلي ما تربطه الحقيقة . والمشاعر التى يتقدم بها المرء إلي الصديق تقوده إليه الحكمة ما أهنأها ، فهي مشاعر العمل الناجح والقوة الروحية النامية والرغبة في السخاء بكل كنوز المعرفة
وقال الشيخ بعد أن رد على عناقي: لقد خلعت ما كان يسترني ونضوت الغلالة التي كانت تختفي ، واريد ان أكون لك من الآن ما كنت ساكونه لك في المستقبل - مرشدك فالراحة هناك إن هي إلا ضرب من العمل ، والروح الطليقة التي تحررت من اسر الحسد لانني هناك عن العمل دون ما كلل . فبحثنا في الأعماق عن الحقيقة الالهية يتحول هناك إلى الإرشاد لمن يلحق بنا من أهل الأرض . وأنا خليق بأن أرشدك وقد كنت أول من وجه روحك إلي اكتناه اللانهائي .
واقتادني من يدي إلي سحابة موطأة فحملتنا إلي السماء وطرنا في فضائها الذي لا يحد . رأيت هناك القمر با قيقياني بمرتفعاته ووديانه ، ورأيت نجوم المجرة والثريا والجوزاء . رأيت بقع الشمس واقمار المشتري . كل ما رصدته إذ ذاك من هذه الأرض رأيته هناك بالعين المجردة خيرا منظرا وأصدق خبرا . وقد تنقلت في ملكوت السماء بين تمار ابحائي ، كما ينتقل المحسن بين حسناته فوق هذه الأرض مبتهج النفس . وكل ساعة قضيتها على هذه الأرض في الكد والنصب تحفل هناك بالهناء الذي لا يحسه من فارق الدنيا وقلبه من الحكمة خواء
لن أكف أبدا يا قيقياني حتى في هذه السن المرتعشة
عن البحث عن الحقيقة ، فان طالبها هنا لا تقع عينه هناك إلا على ما يسره . يسره اليقين الذي ثبت ، والشك الذي بدد ، والسر الذي كشف ، والخطأ الذي أصلح وقد شعرت بهذا كله ، ونعمت بلحظات الهناء التي قضيتها هناك
وإذ انظر يا قيقياني وأعجب ، وتغمرني عظمة الذي خلق هذا كله بحكمته القادرة ، وحمله وحفظه بمحبته الخالدة ، كانت كلمات مرشدي ترفعي إلي معان أسمى - قال : ليست حدود حواسك بالتي تحد هذا الكون ايضا ، وإن طالعك عالم من الشموس على ابعاد لا يدركها الفكر ؛ فلا زال بصرك يستضئ في الاثير الذي لا ينتهي بآلاف
لا تحس من هذه الشموس . وكل شمس ككل منطقة من حولك مأهولة بكائنات تشعر وارواح تفكر . وحينما كانت مسالك فهناك اجسام تدرج ، واني تسعد كائنات نكون كائنات . ولا بقاء في هذه اللانهائية المترامية إلى ما شاء الله لعنكبوتة واحدة إذا لم يهبها الخالق المدبر الحياة أو المادة الصاحة للحياة . وفي هذا العديد المتعدد الذي لا يحصى من الكائنات بسود حتى في أنفسه الذرات
نظام لا يضطرب : قوانين خالدة تربط السماء بالسماء والشمس بالشمس والأرض بالأرض بروح من الانسجام . ومادة التأمل في الخلود لكل حكيم خالد بعيدة القرار ، ولا نضوب لمعين الغبطة التي تتفجر من هذا التأمل . وهل أنا بحاجة يا غليليو إلي أن أقول لك إن هذه الغبطة لا تصبها الروح التي ما برحت مقيدة برفيق بليد ، لا تستطيع المضي في عملها إلى ابعد مما يطبق هذا الرفيق ، ولا تلبث أن نشعر بأنها ترد إلى التراب كلما حاولت الارتفاع
فصحت : قد لا يستطيع المرء أن يصب هذه الغبطة بكل ما فيها من إفعام إلهي ، لكنه يعرفها على التحقيق يا كوبرنيكوس على طبيعتها وبماهيتها أو فأين النفس التي لم تهجها الحكمة في هذه الحياة الأرضية ؟ وأي هناء لم تشعر به الروح في هذا الجسيم الفاني إذا ما جعل غسق
الأفكار الغامضة ينجلي ، ويطلع نهارها ، وينتشر ضوؤها قدما حتى تتم المعرفة ، ويعم نورها الكامل ، وتنكشف للعين المجردة المغتبطة آفاق من الجمال لا تجد ! تذكر وانت الذي اطلبت على غوير الأسرار الالهية وكشفت عن بديع صنع الخالق تذكر تلك اللحظة التى خطر لك فيها خاطرك الجريء الأول فتملكتك الغبطة ، وتأليت قوي نفسك جميعا على هذا الخاطر تقتنصه ، وتكونه ، وتنظمه ، تذكر إذ كل شئ نام في ذهنك متناسق تناسفا باهرا ، وإذ أنت تستعرض كرة اخري صنيع الروح الجميل ، وكانك نشوان برحيق الحب ، تستشعر شبهك مخالفك وقدرتك على فهمه وإدراكه
أجل يا مرشدي حتى في هذه الأرض لا تعدم الحكمة مسراتها ، وإذا لم تكن الحكمة كذلك فكيف وسعنا ان لا تكترث في أحضانها بغرور الحياة ؟
وهبطت السحابة التي كانت تحملنا إلي الأرض ، واستقرت فوق تل يواجه رومة ، فانبسطت لاعيننا عاصمة الدنيا ، لكني مددت يدى من مرتفعي مزدريا محتقرا ، وأنشأت أقول : يمكنكم أن تحسبوا انفسكم شيئا مذكورا بسكان هذه القصور ، إذ ترفلون في حلل القرمز ، ويجلب الذهب والفضة لموائدكم أنفس ما يخرج اوربا والهند لكن الحكيم ينظر إلي هؤلاء الأغبياء كما ينظر النمر إلي الدودة في الشرنقة ، فهم مثلها سجناء النفس لا يستطيعون الخروج عن هذه الورقة التي التصقوا بها . أما الحكيم الحر فيصعد إلي الأعالي ويشرف على الدنيا او ترفعه اجنحة التأمل إلي ربه ويحوم في سمائه بين النجوم
وبينا أتكلم على هذا المنوال إذا بسحابة من الجد الصارم تظلل جبين مرشدي ، وإذا بذراعه المطوف تنزل عن كتفي ، وإذا به يرميني في الصميم بنظرة تنذر بالهبوب . ولقد صاح في قائلا : يا عديم الأهلية يا من لا تستحق شيئا ، أكذا شعرت على الأرض بمسرات السماء ، وتمجد اسمك بين أيدي الحكماء ؟ أهكذا ارتفعت بقوي النفس
لتستطيع المضي في عملها دهرا ، ولتكون في ظل الحقيقة أكثر حرية وأعظم أثرا ؟ أمن أجل هذا كرمك الله باحتمال الاضطهاد ، وجعل الحكمة من نصيبك واستحقاقك ، وزان قلبك بالفضائل وروحك بالمعرفة ؟ هل اجنقت ذكري الطيب من نفسك فلم تترك اثرا ، وطغت نفسك بالثورة على الله ؟
هنا استيقظت من حلمي فألفيت نفسي قد رددت عن أمجاد السماء إلي سجني ، ففاضت عيناي حتى غمر الدمع فراشي ، ثم رفعت بصري في ظلام الليل وجعلت اصيح : رباه أيها الفياض بالحب : هل اعترض المدم الذي جعلته شيئا ، على أساليبك ؟ هل اغتصب التراب الذي نفخت فيه الروح ، ما هو هبة من لدنك ورحمة ، فأضاف ما ليس من حقه إلى حقه ؟ هل الحقير الذي غذيت على صدرك
وسندت إلي قلبك ، والذي ناولته قطرات الهناء من قدحك - هل نسي فضلك عليه وتفضيلك إباه ؟ اللهم ارمه بالعمى ، وأصم اذنه بعد الآن عن صوت المحبة ، ودع المشيب يوقر في السجن ظهره ؛ ثم ليطب بهذا نفسا ، وليستشعر الحمد على ما أصاب من مسرات ، والهناء في انتظار ما هو آت !
في هذه الضراعة يا قيقياني صبيت روحي صبا . وكان الله بي رحيما ، فلم يستمع إلى تذمر الساخط ، بل استمع إلي حمد الحامد وأشعرني الهناء الكثير ، فهأنذا أعيش حرا في ارستري ، وها أنت ذا يا صديقي تقودني بين زهور الربيع .
وتحس يد تلميذه ليضغط عليها شاكرا ، فتناول قيقياني يده ورفعها إلي شفتيه أمارة التبجيل

