الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316 الرجوع إلى "الرسالة"

حلم ليلة صيف

Share

غربت الشمس فى الرمال اللوبية الرمضة ومن ورائها في الجو والأرض وهيج كزفير جهنم . وكان القاهريون قد احتشدوا فوق الجسور وعلى الشواطئ" وفي الحدائق يتسمون نفس الماء ونفح المساء وأرج الزهر ، فكأنما لم يبق في البيوت والقهوات والطرقت أحد . وكنت أنا في زحمة الناس أسير هونا على جسر إسماعيل والذكريات العذاب تنثال على خاطرى انثيال الشعاع السنمائي بالأخيلة المتحركة على الشاشة ، فأذكر فيها أذكر كيف كان ذوو السراوة والنعمة يخرجون قبل أن يعرفوا أوربا إلى الجزيرة آصال الربيع والصيف في زينتهم الفاخرة ووضاءتهم البادرة ومركباتهم الفخمة تتراقص بها الجياد المطهمة العتاق ، فيكون للفقراء من عرضها منظر فتان من زهرة الميش يشغل الهم من القلوب ساعة . ثم أبصر فيها أبصر كيف أصبح الجسر والجزيرة - بعد انتجاع المترفين المرفهين فيشى وكر لسباد ، و مونت كارلو ونيس - مرادًا لذوى الفاقة والعاهة والكرب ، لا ترى حولهم إلا بؤساً ولا تسمع ينهم إلا شكوى : ثم انتهى بى هذا السير البطىء الحالم إلى (كازينو الكبرى ) فجلست وحدى في مكان مظلم ، وجعلت وجهى وعينى للنيل المزدان بالقوارب ؛ وللشاطئ المزدهر بالمصابيح ، وأخدت ذاكرتى تنوص وتطفو بين جوف الماضى ووجه الحاضر ، فلا أرى فيها خلفه الزمان

والإنسان إلا ما سي دامية ألفها الطمع والأثرة، ومثلها الضعف والقوة . وكان عقلى القاصر يعلّق أحياناً على ما تعرض الحافظة من هذه الصور، فيعجب كيف عجز إلى اليوم دين السماء وعلم الأرض عن التوفيق بين القوة والضعف ما داما متلازمين في الحياة ! أليس منشأ الصراع الأزلى بين المرأة والرجل والعبد والسيد والفقير والغنى والمظلوم والظالم والمستعمر والمستعير إنما هـ النوة في جهة ، والضعف في جهة أخرى ؟ لا يحق لنا أن نسأل لأية حكمة كانت القوة هنا وكان الضعف هناك ، ولكن من حقنا أن نقول : لماذا أعضل على المصلحين أن يحملوا القوى على أن ينزل للضعيف عن بعض القدرة فيستقيم الأمر بالاعتدال ويتحقق السلام بالعدل ؟

كانت ساعة الحرس تعلن بدقتها المدوية انتصاف الليل حين ن السكت على الفراش وأنا من إدمان الذكر والفكر على حال شديدة من الجهد . فلم تكد عيناى تنفيان حتى رأيت فيها يرى النائم أن دور الفقراء وأكواخ المساكين في بولاق أسست كالتنانير الموقدة تلفح جدرانها بالطب، وتسيل سقوفها بالبق، ويخنق هواؤها بالنتن، فتركها أهلوها هاربين في عتمة الليل إلى الشوارع والميادين، فظهم الحراس والعسس « متظاهرين ، فطار دوهم بالعصى مطاردة الجراد، فهاموا فى الشارع من الذعر هيام القطيع حتى وجدوا قصراً من قصور الأمراء ، غريقاً في الأضواء والضوضاء ، فلم يتمالكوا أن تدققوا فيه من أبوابه ، على الرغم من دفاع حراسة وحجابه. ثم انساب هذا الجمع الفزع في حديقة القصر الأفيح حتى أحدقوا ببؤرة الضوء، ثم أخذوا يستفيقون الذهول والرعب على شذا العطور وسطوع النور وتقم الموسيقى ، واستطاعوا أن ينظروا فاذا رأوا ؟ رأوا حفل راقصة تحت السماء على بركة الحديقة الواسعة، وأرباب النعمة وربات النعيم متقابلون على الأرائك، أو متعانقون على الأعشاب، أو متخاصرون في المرقص، أو متنادمون حول المقصف؛ وشموس الكهرباء تسطع على الظهور البلورية والصدور العاجية وقد انشقت أطواق الفساتين من أمام ومن خلف إلى ما تحت الخصور فلم يمسك الثوب ، عن النزول إلا شريطان على الكتفين رسما بالماس وعقدا بالذهب. وكان الجو

البليل مشبعاً بريَّا العطر وعبق الخمر وأنفاس الغواني وشدو القيان وهزج المزامير وعزف الأوتار ، فلا يدخل فيه ذو حس إلا هاج واشتهى، ولا ذو وقار إلا عبث والتهى. وكانت البركة المسجورة بماء الورد واللاوندة تموج بالحور والولدان سابحين أو متشابكين، يتواثبون من النشوة، ويتجاذبون من الشهوة ؛ وعلى حفافيها المرمريين يتراقص القوم أزواجاً على أنغام «الجاز» والسواعد ملتفة على القدود ، والشفاه مطبقة فوق الخدود ، والأنداء رجراجة بين الصدور والنحور ، والأنظار جوالة بين البطون والظهور ؛ وفوق نافورتها الوسيمة البديعة ترقص حول وشاشها الطائر الوهاج جوقة من عرائس عبقر، في غلائل عسجدية من نسج الجن ، وأوشحة مصبغة من صنع السحرة . وكلما ماست الحوريات الرواقص تقلب عليهن الوشي، واختلف فوقهن اللون و انبثق عنهن شعاع من الفتنة العيون ويضل الأفئدة !

كان القوم في سورة اللهو وسكرة اللذة وحميا الطرب حين أحاط بهم مساكين بولاق في بزتهم الزرية وهيئهم المخيفة ؛ فانفترت أفواء هؤلاء من الدهش ، وقفت رءوس أولئك من الخوف ، والتقى الشقاء والسعادة وجها لوجه

ولكن الله لم يشأ أن يمطر ع الغني والفقر في هذه اللحظة الرهيبة فرأيت أفواجاً من البق والبراغيث 13 أجنحة كالفراش وخراطيم كالبعوض قد خرجت من ثياب الفقراء وأخذت تلسع الأجسام الغضة والوجوه الناضرة لسع النحل المهاج ! فتراكض الداعون والمدعوون هاربين فى الحديقة وهذا الطير الأبابيل في ظهور النساء وأقفية الرجال يننز هم بالسم حتى أخرجهم إلى الشارع وهناك كان الجند يترقبون خروج (المتظاهرين) فلم يكادوا يرون هؤلاء حتى أعمارا فيهم العصى ومناقوهم سوق الأنعام إلى القسم فقضوا اليلهم الباقي على الأسفات. وخلا القصف والمرقص والقصر لطزائد النوس والشرطة فأكلوا مريئاً وشربوا هنيئاً وناموا ملء الجفون على الأسرة المذهبة !

ثم كربني الحر فصحوت من النوم ، قبل أن يريني الحلم في ضوء الصباح فضيحة القوم :

اشترك في نشرتنا البريدية