الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الرسالة"

حماد الراوية

Share

يقول نولدكه إن حماداً هو الذي اختار المعلقات ، وهو في هذا يتابع ما قاله ابن النحاس في أوائل القرن الرابع الهجري ، وليست بنا حاجة هنا إلى أن نعيد ما قلناء في صدد رأى ابن النحاس . إنما نكتف بنقد ما يستدل به نولدكه من أن حماداً أقحم قصيدة الحارث بن حلزة ممالأة منه لمواليه بني بكر ، ودفعاً منه لقصيدة عمرو بن كلثوم في الافتخار بتغلب . فنولدكه يرى في هذا دليلاً على أن حماداً هو الذى اختار المعلقات . وهو دليل لعمري ضعيف . فقد كان يستطيع حماد الايختار قصيدة عمرو، لو كان هو الذي اختار المعلقات . ولكنه لم يغفلها أو لم يسمه إغفالها ، لأنه كان يجمع مشهورات القصائد ، أى القصائد التي اختارتها العرب وفضلها ، وفيها قصيدة عمرو بن كلثوم. وهكذا يكون دليل نولدكه دليلاً عليه لا له . وأما ما يقوله من أن الحارث بن حلزة لم يكن شاعراً ميرزاً ، وأن حماداً أقحمه بين أصحاب المعلقات إقحاماً ، فنحن نورد عليه اعتراضين : الأول أن ابن سلام الجمحي صاحب طبقات الشعراء يجعل عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وعنترة بن شداد. في طبقة واحدة ، هي الطبقة السادسة من طبقات الشعراء الجاهليين ؛ والثانى أن الحارث بن حلزة كان زعيم قومه كما كان عمرو بن كلثوم زعيم قومه ، وأن قصيدتهما استفاضتا بين العرب لهذا السبب وليس فى الاعتراض الثانى مطعن في شعر الشاعرين ، وإنما نريد به الدلالة على أن مكانة القائل تغنى عن جودة القول في مجال الشهرة والذيوع .

فالحارث إذن من شعراء المعلقات أصلا . ويؤيد هذا ما يقوله تولد که نفسه من أن ابن عبدربه ، وابن النحاس (فيما يقوله القدماء) ، . قد قبلا المعلقات السبع كما جاء بها جماد ، ولم يبدلا فيها شيئا من شيء  . ومعنى هذا أنهما لم يجدا مطمناف جمع حماد المعلقات ، ولم

يريا ما يراه نولدكه من أنه أقحم الحارث بن حلزة إقحاماً . وهما من رجال أوائل القرن الرابع الهجري ، كما سبق ذكره ؛ فهما إذن قريبا عهد بعصر حماد ( المتوفى سنة ١٥٥ أو ١٥٦ هـ ) . وأما ما يذكره صاحب جمهرة أشعار العرب من أن الفضل قال : « القول عندنا ما قاله أبو عبيدة في ترتيب طبقاتهم ، وهو أن أول طبقاتهم أصحاب السبع معلقات ، وهم أمرؤ القيس وزهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد ) ، ومن أنه قال : ( هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب بالسموط ، ومن زعم غير ذلك فقد خالف الجمهور ، أما ما يذكره صاحب جمهرة أشعار العرب من قول المفضل هذا ، فلا يمكن الاعتماد عليه ، لأنه ظهر كما يقول نولدكه نفسه - أن صاحب الجمهرة غير ثقة ، وأنه إنما انتحل اسم أبي زيد القرشي ليخدع الناس عن نفسه . فالمفضل وأبو عبيدة ، وهما معاصران الحماد ، لم يخالفاء إذن في شعراء المعلقات ولم يجعلا النابغة والأعشى مكان عنترة والحارث بن حلزة ؛ أو لم شت أسهما خالفاه

فقد استبان إذن زيف رأى نولدكه ؛ واستقام لنا ما قلناه أن العرب القدماء هم الذين اختاروا المعلقات وفضلوها على غيرها ، وأن حماداً هو الذي جمعها بعضها إلى بعض وجعل منها جملة معروفة متداولة. وما قلناه فى رأى نولدكه يمكن أن نقوله في آراء من شايعه من المستشرقين ، أمثال أرتدنك (الموسوعة الإسلامية ، مادة حماد الراوية) وبروكلمان (كتابه المشهور ، ج۱ ص ۱۸ ، وتكملة ج ١ ص ٣٤) وغيرهما .

جمع حماد المعلقات إذن . بل إنه يجمعها كما سمعها ، فلم يصح عنه فيها انتحال .

كذلك روى حماد معظم شعر امرىء القيس . ففي المزهر (ج ٢ - ٢٠٥ ) أن الأسمى قال : كل شيء في أيدينا من شعر - امرىء القيس فهو عن حماد الراوية ، إلا شيئاً سمعناه من أبي عمرو ابن العلاء .

(ج) اشهارة بالانتحال :

اشهر جماد بالانتحال ، وهو ما سنناقشه في الفصل الآتى من البحث. إنما نكتفى هنا بحصر الأقوال والأخبار التي توردها كتب القدماء في صدد انتحاله ، لتكون هذه الأقوال والأخبار موضع تمحيصنا فيها بعد .

أقوال العلماء فيه :

١ - في الأغانى ( ٥٠ م ١٧٢ ) ومعجم الأدباء ( ص ١٤٠ ) وخزانة الأدب (۱۳۱۰ ) أن المفضل الضي قال : قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبداً ، فقيل له : وكيف ذلك؟ أبخطى فى روايته أم يلحن ؟ قال : ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب ؛ لا ، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم ، فلا يرال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ، ويحمل ذلك عنه في الآفاق ، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، وأن ذلك ؟

٢ - وفى الأغانى أيضاً ( م ١٧٤ ) أن خلف الأحمر قال : كنت آخذ عن حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول ، فيقبل ذلك منى ويدخله في أشعارها .

٣- وفى الأغانى أيضاً ( ١٦٤) ومعجم الأدباء (ص ١٤٠) أن الأسمى قال : كان حماد أعلم الناس إذا نصح ( يعنى إذا لم يزد وينقص في الأشعار والأخبار) .

٤ - ويقول ابن سلام في طبقات الشعراء ( ص ٢٣ - ٢٤) ، وينقل عنه السيوطى هذا في المزهر ( ج ۱ ص۸۷) ، إنه سمع یونس بن حبيب يقول : العجب لمن يأخذ عن حماد ، كان يكذب ويلحن ويكسر .

. ٥- وفى المزهر ( ج ۲ ص ٢٠٥ ) أن أبا حاتم قال : كان بالكوفة جماعة من رواة الشعر مثل حماد الراوية وغيره ، وكانوا يصنعون الشعر ويقتنون المصنوع منه ويسبونه إلى غير أهله .

٦- ويقول ابن سلام ( ص ٢٣٠ ) ، وينقله عن السيوطي في المزهر ( ج ۱ ـ (۸۷) : وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية ؛ وكان غير موثوق به ، كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار

أخبار أنتحاله:

۱ - يذكر أبو الفرج ( ص ۱۷۳ - ۱۷۳ ) ، وينقل عنه البغدادي (۱۲۸) - ۱۲۹ ) ، أن أمير المؤمنين المهدى دعا المفضل

الصبي وقال له إلى رأيت رهير بن أبى سمى افتتح قصيدته أن قال

دع ذا وعد القول في مهم * ولم يتقدم قبل ذلك قول ، فما الذي أمر نفسه بتركة ؟ فقال له المفضل : ما سمعت في هذا شيئاً ، إلا أنى توهمته كان في قول يقوله أو يروى في أن يقول شعراً قال : عد إلى مدح مهم دع ذا . أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال : دع ذا أى دع ما أنت فيه من الفكر وعد القول فى هرم ؛ وأن المهدى دعا بعد ذلك حماداً وحده ، فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل ، فقال : ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين ، قال : كيف ؟ فأنشده

لمن الديار بننة الحجر . الأبيات الثلاثة . دع ذا وعد القول في هرم البيت ؛ وأن المهدى أطرق ساعة ، ثم أقبل على حماد ، فاستحلفه على هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير ، فأقر له حينئذ أنه قالها : فأمر فيه وفى المفضل بما أمرهما وكشفه

٢ - وفى الأغانى ( ص ١٧٤ – ١٧٥ ) ، وخزانة الأدب ( ص ۱۳۱ - ۱۴۲ ) أيضا أن الطرماح بن حكيم قال : أنشدت حماداً الراوية في مسجد الكوفة، وكان أذكى الناس والخطفهم قولي:

بان الخليط يسحرة فتبددوا * وهى ستون بيتاً ، فسكت ساعة ولا أدرى ما يريد ، ثم أقبل على فقال : هذه لك ؟ قلت : نعم ، قال : ليس الأمر كذلك ، ثم ردها على كلها وزيادة عشرين بيتاً زادها فها في وقته .

٣ - وفى الأغانى كذلك ( ۱۷ ) أن حاداً قدم على بلال ابن أبي بردة البصرة ، وعند بلال ذو الرمة ، فأنشده حماد شعرا مدحه به ، فقال بلال لذي الرمة : كيف ترى هذا الشعر ؟ قال : جيدا وليس له ، قال : فمن يقوله ؟ قال : لا أدرى إلا أنه لم يقله ؛ فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه ، قال له : إن لى إليك حاجة ، قال : هى مقضية ، قال : أنت قلت ذلك الشعر ؟ قال : لا ، قال : فمن يقوله ؟ قال : بعض شعراء الجاهلية ، وهو شعر قديم وما يرويه غيرى ، قال : فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك ؟ قال : عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام .

- وفى طبقات الشعراء (ص ۲۳) ، والأغانى (ج ٢ ص ٥٠ ٥١ ، وجـه صـ (١٧٢ ) ، والمزهر نقلا عن ابن سلام (جا (۸۷) ، أن يونس بن حبيب قال : قدم حماد البصرة على بلال بن أبي بردة ، فقال : ما أطرفتنى شيئاً ؟ فعاد إليه ، فأنشده القصيدة التي في شعر الخطيئة مديح أبي موسى ، فقال : ويحك ! يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعلم به وأنا أروى للحطيئة ؟ ولكن دعها تذهب في الناس .

- وفى المزهر (جـ ا مـ ٨٧) أن عمرو بن سعيد الثقفي قال : كان حماد الراوية لى صديقاً ملطفا ، فقلت له يوما : أمل على قصيدة لأخوالي بني سعد بن مالك ، فأملى على الطرفة لأعشى همدان (۱)

- وفى الزهر أيضا ( ج ٢ ص ٢٠٥ - ٢٠٦ ) أن سعيد

ابن هر ثم البرجمي قال : حدثنى من أثق به أنه كان عند حماد حتى جاء أعرابي ، فأنشده قصيدة لم تعرف ولم يدر لمن هى ، فقال حماد : أكتبوها ، فلما كتبوها وقام الأعرابي قال : لمن ترون أن تحملها ؟ فقالوا أقوالا ، فقال حماد : اجعلوها لطرفة .

فهذه أقوال ستة وأخبار ستة توردها كتب القدماء في صدد انتحال حماد ، وهي كل ما وجدناه فيها . ونحن نضيف إليها هنا ما يقوله صاحب العقد الفريد ( ج ٤ ص ٤٠٢ - ٤٠٣ ط المطبعة الأزهرية ) : .... وكذلك كان يفعل حماد الراوية ، يحقق الشعر القديم ويقول : مامن شاعر الاقد حققت في شعره أبياتا فجازت عنه إلا الأعشى، أعشى بكر ، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت ... قيل له : وما البيت الذي أدخلته في شعر الأعشى ؟ فقال :

وأنكرتني وما كان الذي نكرت

الحوادث إلا الشيب والصلعا )

(للبحث قضية أخيرة )

اشترك في نشرتنا البريدية