الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 651الرجوع إلى "الرسالة"

حماد الراوية

Share

-  ٥ -

٥ -  رأينا في مدى انتحال حماد

لنسبق المقدمات إلى النتائج، ولنُدْلِ برأينا الذي انتهينا  إليه بعد البحث الطويل، لنعود فنؤيده بما سنؤيده به من الأدلة  والبراهين.

 هذا الرأي هو أن حماداً لم يبلغ من الانتحال ذلك المدى الذي  تصفه لنا كتب القدماء. ليس من شك في أنه انتحل بعض  الأشعار، وكان في هذا متأثراً بحال الرواية في عصره، ولكنه  لم يكن مشغوفاً بالانتحال عاكفاً عليه جاعلا له همّه وقصده.

 فأما تدليلنا على صحة هذا الرأي، فإنما نجعله قسمين: قسما  نأتي فيه بأدلة عقلية ونقلية، وقسما نمحص فيه ما ذكرنا من تلك  الأقوال والأخبار التي أوردها القدماء في صدد انتحال حماد.

القسم الأول

(١)  يقول القدماء إن حماداً كان شاعراً، وإنه كان شاعراً  مجيداً؛ وإنه كان يصنع الأشعار، ويدسّها على الجاهليين، فتختلط  بأشعارهم، ويصعب التمييز بين هذه وتلك. ونحن نرى أنه كان  شاعراً، فقد قرأنا له طائفة من الأشعار؛ ولكننا لا نرى أنه  كان شاعراً مجيداً، فإن أشعاره تميل إلى الغثاثة والركة؛ ولا نرى  أنه يبلغ من جودة القول ما بلغه شعراء الجاهلية حتى تختلط  أشعاره بأشعارهم.

يقول البغدادي   (خزانة الأدب جـ٤ ص ١٣١) : (وكتب  حماد إلى بعض رؤساء الأشراف:

إنّ لي حاجةً فرأيُك فيها؟ ... لك نفسي فدًى من الأوصاب

وهي ليست مما يبلغها غير ... ي ولا يستطيعها في كتاب

غير أني أقولها حين ألق ... اك رويداً أُسرّها في حجاب

فكتب إليه الرجل: اكتب إلي بحاجتك، ولا تشهرني في  شعرك. فكتب إليه حماد:

إنني عاشق لجبتك الدكناء عش ... قاً قد حال دون الشراب

فأكسنيها فدتك نفسي وأهلي ... أتباهى بها على الأصحاب

ولك الله والأمانة أن أجعل ... ها عُمْرَها أمير ثيابي)

هذه صورة لشعر حماد يصفه القدماء بالجودة، ويرفعونه  إلى طبقة الشعر الجاهلي. فهل ترى أن مثل هذا الشعر يتسامى إلى  ما قاله قيس بن الحدادية في مديح أسد بن كُرْز، وزعم البعض  أنه من صنع حماد؟

لا تعذليني سَلْمَ اليوَم وانتظري ... أن يجمع اللهُ شملا طالما افترقا

إن شتت الدهر شملا بين جيرتكم ... فطال في نعمة يا سلم ما اتفقا

وقد حللنا بقسرىّ أخي ثقة ... كالبدر يجلو دجى الظلماء والأفقا

لا يُجبرُ الناسُ شيئاً هاضه أسدٌ ... يوماً ولا يرتقون الدهر ما فتقا

كم من ثناءٍ عظيم قد تداركه ... وقد تفاقمَ فيه الأمرُ وانخرقا

 (٢)  قدّمت في الفصل السابق أنه لم يصح عن حماد وضع في  المعلقات، وهي أهم ما رواه. فإذا كانت المعلقات قد سلمت من  وضعه وانتحاله، فلماذا لم يسلم سائر ما رواه؟ ولماذا لم ينتحل حماد  المعلقات، وهو المشغوف بالانتحال العاكف عليه الجاعل له  همّه وقصده؟

(٣)  يقول أبو عمرو الشيباني، فيما رواه أبو الفرج   (جـ٥  ص١٦٥) :   (ما سألت أبا عمرو بن العلاء قط عن حماد الراوية  إلا قدّمه على نفسه، ولا سألت حماداً عن أبي عمرو إلا قدّمه  على نفسه) . فما رأيك في رجل هذا رأي أبن العلاء  فيه؟ وابن العلاء  راوية ثقة، وأجد القراء السبعة. مرّ الحسن به وحلقته متوافرة  والناس عكوف عليه، فقال: لا إله إلا الله، لقد كادت العلماء  أنّ يكونوا أرباباً، كل عزّ لم يؤكَّد بعلم فإلى ذُلْ يؤول. ما رأيك  في رجل يقدمه ابن العلاء على نفسه؟ وهل تظن أن أبا عمروَ بن  العلاء ممن يرتضون تقديم رجل منتحل كاذب بالغ في الانتحال  والكذب؟

اشترك في نشرتنا البريدية