الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 279الرجوع إلى "الثقافة"

حمار عراف

Share

) ولد بوسنينوس كرنر Kerner كاتب هذه القصة في أواخر القرن الثامن عشر . فلما كان في الثامة عشرة كان مقدرا له أن يعمل في صناعة النعوش ، فانتشله صديق شاعر ، بعث به إلى توبنجن حيث درس الطب فصار طبيبا ومات في الخامسة والسبعين طبيبا ، وعاش بين ذلك عيشة متضارية لكنها متماسكة . فقد كان في حياته العامة أغلب ما يكون مرحا ، جسورا ، راضيا عن الحياة ، خدنا وصاحبا ؟ بيته منتدي ندر أن لم يقصده كاتب أجنبي أو شخص ذو شأن ؛ وداره مجتمع لذوي المواهب الفنية يبذل لهم العون في ذهن ومادة . لكنه مع ذلك كان يحدوه شوق صوفي الي الدار الباقية ، وشغل ملح بعالم الأرواح وقد تولد من هذا التناقض في الكيان غرائب في الشعر ، فإلي جانب أغانيه النابضة حساسية تنساب انسيابا ناعما وتملص من عالم الحقائق عميق القرار ؛ حائرا أحيانا ، وولع بالمهول والمرعب وخير ما كتب : " ظلال الممثل لوكس " وهو سفر عامر بالأغاني ، غني بالفكاهة البديعة الفذة . وفي قصة اليوم مثال من فكاهته ( .

لم أفعل في ذلك المساء غير أن خرجت للنزهة مع ماتياس إلى ما يسمي بجبل وارتبرج ، ويبعد نصف ساعة وكان جل ما يبغيه ماتياس من هذه النزهة أن يعرف الصياد الشهير ناست ، الذي يسكن الحانة القائمة فوق هذا الجبل ويديرها ، وكان لناست أيل يركبه ويستخدمه في فنون أخري ، وأرنب يقرع الطبل ، وحمار عراف .

فخرجنا من الباب المسمى باب سيلمر ، فلقينا قرويا ومعه حصان ضخم مشدود إلي عجلة نقل يتجه اتجاهنا . فلم يكد القروي يلمح ماتياس حتى ناداه بأعلى صوته : ما تياس يابن عمي ! إنه لمن حسن الصدف أن نلتقي هنا .

فعرف ماتياس فيه قريبا من أقاربه الدانين ، وقرويا من أهالي أورنجن ، وسر لهذا اللقاء لكنه لما أخذ يتحدث إليه عن بغيته من الذهاب إلي وارنبرج وأنه ينشد معرفة الصياد ناست وحيواناته ، أظلت جبين ابن العم سحابة ،

وعلته تقطيبة شديدة ، وانفجر ساخطا يسب الصياد المسكين .

قال : هذا الحصان الجيد ، وإليه قليل من المال قد عدت به من ناست ، وكانت ثمرة معرفته ، ما في ذلك شك . لكنني إن أنس فلن أنسي تلك الضربات التى أنزلها على ظهري ذلك الجحود بنصل حابلة الأيائل ، ولا الشتانم التي كالها لي . فإذا بلغتماه فقولا له ، وقولا للناس أجمعين : إن الحيوان الذي حمله إلى فرانكفورت على أنه فرس بحر أمريكي ) سيد قشطة أمريكاني ( لم يكن سوى حصان نقل أمرد طاعن في السن .

فكاد ماتياس يستلقي من الضحك على قفاه ، وقال لابن عمه : ألا إن هذا لشيء عجاب ، فإن أقمت عليه الدليل فإني والله لقاصه على الناس جميعا ، وآخذ به ثأر ما أصاب ظهرك من ضربات .

قال القروي : وكيف لا أستطيع البرهنة عليه . سل جلاد شتينفورت في ناحية أورنجن ! لقد كان الحصان مريضا بـ... . فناولته مسهلا ، فلم ينفع معه ، فأعطاه الجلاد جرعة قوية من ... . فاختفي المرض ، لكنه اختفي مع المرض كل شعر الحصان فانجرد واملس كالحذاء اللامع ، حتى أهداب العينين زالت ، وبات ذيله كثعبان البحر . وبينما أنا سائر به في مثل هذا الأوان في ربيع العام الفائت يجر مركبتي في هذه الطريق إذا بي التقي الصياد ناست ويراه، فجعل يغلو لي في مبلغ ما أربحه إن انا قصدت إلى سوق فرانكفورت تحت رعايته ، وأراء الناس لقاء جعل معلوم ، على أن أكتم خبره فلا أقول أو يقول إلا أن الحصان من فصيلة نادرة من بلد أجنبي ؛ وهو الكفيل بما يبقى . ثم جعل بطاردني ويلاحقني حتي نزل أدلر ، فجلسنا إلي مائدة هناك وجعل يسقيني ، وكان يجالسنا طالب من هيلبرون يحمل لناست كثيرا من الود ، فاشترك في الحديث ، وجهد في إقناعي بالذهاب مع ناست والحصان إلي فرانكفورت ، وعرضه في سوقها بوصفه فرس بحر

أمريكي ، فسوف يقبل الناس على مشاهدته ، فإن نفق هناك لم يعدم من العلماء من يحشوه ويضمه إلى مجموعة الحيوان النادر التي يحتفظون بها في متحف الحيوان واستطرد القروي يقول : فرضيت . وكنا بعد يومين في فرانكفورت ومعي الحصان ، ومع ناست أنواع حيوانه . وامتطي ناست أيله ودار به في الحلقة ينادي أنه جلب إلي أرنبه الطيال وحماره العراب حيوانا نادرا لم تشهده أوربا قبل الآن ، ألا وهو فرس بحر أمريكي على قيد الحياة ، وأقبل الناس على رؤيته إقبالا شديدا ، ووعدني ناست بثلث الدخل . لكنا اختلفنا بعد ثلاثة أيام ؛ فقد بدأ ناست يتبرم بي ، لكنه لا يتبرم بالحصان . وإذ ألكز حماره الذي كان رفسني جرد حابلة الأيائل في غمدها وألهب بها ظهري علقة ساخنة . وافترقنا ? وبعث الحصان سيدا محترما يجوب الأقطار بأسود ، وفتلته لقاء مبلغ طيب من المال غير كاتم عنه حقيقته وإن كنت تعهدت له بكتمان هذه الحقيقة عن غيره عاما كاملا على الأقل . وها قد انقضي العام ، وتحللت من وعدي نكاية بناست .

فقال له ماتياس وقد أطربته قطيعة الاثنين : سأذيع الخير فاطمئن ) ابن عمى العزيز . وودع كلاهما الآخر ، ودرجت بنا المركبة في طريق وايتبرج ثم عرجنا على الجبل

وإنا لننحدر عن الحبل المزدان بالكرم إذا برهط من السيدات الأنيقات والسادة المهندمين يلقوننا في الطريق ، ونعلم منهم أنه في مثل هذا اليوم من كل أسبوع يدور الحديث والرقص في البهو الفسيح في تلك الدار القائمة في أعلى الجبل . فلما دخلنا البهو ألفيناة مكتظا بالراقصين . وعلى حين غفلة ساد السكون ودخل في حلقة الرقص رجل مديد القامة ، قد لف جسده بغلالة حيثما اتفق ولكن شملته كانت تسترعي النظر . وعصب رأسه بعصابة من القماش

تستر نصفه . وكان الرجل ممرورا كما علمت فيما بعد ، وكان مجهول الأصل والمصير . وكل ما يعلمه الناس من أقواله المخبولة ، أنه كان يشغل منصبا رفيعا في سالسيرج في سالف الأيام ؛ وأن الزمان خانه في صداقة الخلان وحب الحسان ؛ وانه خرج هائما على وجهه في الغابات ، فإذا حل الشتاء هبط ليلا إلي القرى واصطلي .

وهو هنا وههنا يغشى بيت راعي الكنيسة ، ولا يأخذ من أحد مالا ، ولا يمد بده إلا لتناول ما يسد الرمق . وهو يتحدث إلي رجال الدين باللاتينية واليونانية ، ويعزف على البيبان تقاسيم آية في الإبداع . في مشيته ظرف ومهابة ، وفي الهيئة التي تخلعها شملته المهدلة على رأسه وجسده مثل هذا الظرف والجلال . وكثيرا ما يري حول هامته أكليل الأزهار . وقد سمل إحدي عينيه غلمان إحدي القرى من قليلي الأدب والحياء فكان يسترها بعصابة ملفوفة حول رأسه كالعمامة .

كان يطلب في الغابة أعمق غور في جوف الليل ، فلا يسهتويه منه إلا البطن الخاوي ، والموسيقي الرائعة تتناهي إليه من بعيد ، فإذا خرج لم تتعرض له الشرطة ، لأنه لم يكن قد حل الزمن الذي تعتقل فيه الشرطة مثل هؤلاء الأنماط .

وكان فوق هذا الجبل مكان للانتظار عبارة عن برج عال فوقه قبة من الصاج مثل الزر العظيم ، يصعد إليه بدرج ، ويدخل إليه بمنفذ ، وليس في البرج مأوى ولا سكان . لكن الممرور اتخذ من قبته الشبيهة بالزر العظيم مأوي له . وقد كان يأوي إليه حين استرعت موسيقى الجبل انتباهه ، فدخل البهو في سمته الذي ألفه الناس منه ، فكف الراقصون عن الرقص أما هو فاقترب من فتاة لطيفة ترتدي ثوبا أزرق ، ويقال إنه لما حاذاها تمتم يقول : بلى ، بلى ؛ لقد كانت ترتدي مثل هذا الثوب ! ثم قدم للفتاة ذراعه يدعوها إلى الرقص فلم تمانع ، فدار معها دورات

ظريفة موزونة ، ووقف الناس من حولهما ينظرون وبعد انتهاء الرقص قادها إلي أمها يهمهم بالشكر ، واختفي في البهو كما حضر سريعا وعلى غير انتظار .

لوددت أن أتبع الرجل إلي جوف الغابة لولا أن احتجزني ماتياس ، واقتادني إلي غرفة مجاورة للبهو فيها رجل يقول إنه قدم إليه قدحا من الجعة بعد أن سمع منه حكاية فرس البحر الأمريكي . وقد دفعني إليه بقوله لي إنه يعرف أبي ، وإنه رجل رضي الخلق ، لا حاجة بي إلي تهيبه وسرعان ما انضم إلينا الصياد ناست . فهو مدير هذه الحالة ، وقد جاءنا ناست بكتاب حافل بشهادات من ذوي المقامات الرفيعة ممن أعجبتهم فنون حيواناته . وطفق يقص علينا من طرائفها أن أيله ، وكان إذ ذاك يطلب السفاد ، ولا يجرؤ إنسان على الاقتراب منه ، سدد إليه أخيرا قرونه وكان على وشك أن يفتك به لولا أن سدد إليه هو نظراته فوقفه وألزمه طاعته ، واعتلي صهوته ، وداربه ، والأرنب يطبل ؛ وهنا قال صديق والدي المزعوم : والخمار يزمر وفرس البحر الأمريكي - ثم انطلق مقهقها وهو يقول : آه يا سيدي ناست

فرجاه ناست أن يمسك عن ذكر هذا الحيوان ، فلم يعد في قطيعه ولم يعد يملكة وابتعد بكتابه ، واختفي من البهو.

وكان السيد الغريب الذي أمسك إذ ذاك بيدي وكان حقا من معارف والدي - كان الدكتور جميلين الطبيب والعالم المعروف في هيلبرون . وقد كان ما يزال مبتهجا تشغله قصة ماتياس عن فرس البحر الأمريكي . وعاد ماتياس يقص حكاية ابن عمه ويورد أقواله في لهجة فكهة أثارت الضحك بين الحضور

فقال الدكتور جميلين عندئذ : هكذا شأننا دائما نحن العلماء ، فقد القي بلومنباخ محاضرة عن هذا الحيوان ، أعلن

فيها على رءوس الأشهاد أن لا غش ولا خداع في هذه الظاهرة ، بل إن الحيوان فصيلة من فضائل الخيل ، عجيبة غاية في العجب ، لم تعرف قبل الآن . وقد قرأت أخيرا في صحيفة من صحف برلين أن هذا الحيوان قد بيع بثمن باهظ ، وان العلماء الطبيعيين يكدون الآن أذهانهم سعيا وراء حقيقته ، وينشئون فيه أغرب البحوث .

وسعى أحد السادة الحضور في طلب ناست حتي عثر عليه وأحضره ، وداعبه مداعية قوية شديدة الوطأة في شأن فرس البحر الأمريكي فلم ينكر ناست أمره ، بل أنشأ يقص حكايته كما قصها القروي ابن عم ماتياس وماتياس نفسه بحذافيرها تقريبا ، مرتاح البال .

وقال الدكتور : إني أسخر من أجل الفرس الأمريكي بالسادة العلماء، ولهم أن يسخروا من أجله بي فيسخروا من أجلي بأنفسهم ؛ وشأنهم في هذا شأن الأطباء الذين يروجون لبعض أدويتهم ، وليس البتة من صلة بين هذه الأدوية والأدواء .

وسري هذا القول عن ناست حتي غفر لماتياس حكايته عن فرس البحر الامريكي ، أو لعله لم يعرف ان ماتياس هو الذي قصها على الدكتور جميلين . وقد استصحبنا متوددا إلي قطيعه ، لكنه لم يرنا الأيل الذي كان عندئذ في أوان السفاد! لكن أرنبه طبل لنا ، وأطلق مدفعا ؟ وهرش حماره حين سأله ماتياس كم سنة يعيش ، هرش بحافره هرشة واحدة كأنما يقول له : ستعيش سنة واحدة فقط كلها قلق وهم . فهل كان هذا تدبيرا مقصودا من ناست ، أو أن الحمار -وهو عراف- علم أن ماتياس قريب لذلك القروي الذي لكزه في فرانكفورت ، فأحب ان ينتقم منه بالتنبؤ له بأن الباقي من عمره سنة واحدة ؟ لا حيلة لنا في هذه المسألة ولابد من تركها بلا جواب

اشترك في نشرتنا البريدية