كل من أثر الأعاصير السياسية التي توالت على مصر منذ نحو ربع قرن أن تصدعت أركان الأسرة والمدرســة تصدعا خطيرا ، وأخذت مصر تواجه شيئا فشيئا جيلا من النشء والشباب تصعب قيادته وبصب توجيهه إلى أفضل ما يمكن أن يوجه إليه الشباب العامل لخير نفسه وخير أمته. وأسنا ننكر أن الشباب قد أدى خلال هذه الأموام العصبية الحافلة بصنوف الكفاح في سبيل القضية الوطنية في هذا الميدان الصعب خدمات جليلة ، واضطلع من هذا الـــكفاح بأعظم قسط ، وكتب لنفسه بأعماله وتضحياته المؤثرة صفحة خالدة في تاريخنا الوطنى. ولكن من الحق أيضا ان نقول إن الخلاف الذي سرى إلى صفوف الأمة ، والخصومات السياسية التي اضطرمت بين مختلف الزعامات والهيئات،وانحراف القادة عن العمل المنتج في سبيل الغاية القومية العليا ،وتغلب النزعات الحزبية والأهواء الخاصة ،
كل ذلك كان له أسوأ الأثر في توجيه الشباب ، وفي صدع وحدته وتغذية عقليته بالدعايات المسمومة المضللة ، وإثارة الريب والشكوك في نفوسه البريئة المتوثبة ، والفت بذلك في جهوده الرزينة المنتجة ، وتحويلها عن طريقها الوطنى الصحيح ، وصبغها بالصبغة الحزبية المعقولة .
ونحن نشهد منذ أعوام طويلة والأسى يحز في نفوسنا ما أصاب النشء والشباب من جراء هذه الأعاصير السياسية من الاعراض والآثار المؤلمة ، وما تفشى بين صفوف الطلبة في مختلف المعاهد الصغرى والكبرى من ضروب الفوضى ، والإضراب المتكرر دون باعث ، والخروج على النظام لأتفه الأسباب ، وتضييع الوقت والجهود فيما لا طائل تحته ، والإعراض في معظم الأحيان عن كل نصح أو توجيه سديد.
ولقد عملت الهيئات السياسية الحزبية منذ الساعة
الأولى على التقرب من الشباب واصطناعه واكتساب مودته وحشده في صفوفها وتغذيته بدعاويها والتأثير عليه باسم القضية الوطنية والجهاد القومي ؛ ولم تتورع مع ذلك عن استغلال الشباب كلما سنحت الفرصة في سبيل مآويها الحزبية ورفع هذه النفوس الغضة الطاهرة باسم الوطنية والدعايات الممولة إلي القيام بمطاهرات وأعمال لا تتفق دائما مع مقتضيات الحكمة والنظام ، وقد أضحي لكل حزب او هيئة سياسية في الواقع ما يسمونه بلجان الشباب ولجان الطلبة ، في القاهرة والأقاليم ، ولا تنفك الصحف الحزبية من الإشارة إلي نشاط هذه اللجان وقراراتها وإلى الدعوة إلي اجتماعاتها وهى ترمى بذلك إلى ملقها وبث روح الحماسة فيها ، وإذكاء نشاطها لكي تستطيع فيما بعد أن توجهها إلي ما يتفق مع غاياتها .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الاستغلال السياسى انشاط الشباب في سبيل المآرب الحزبية ، ولكن الخطب كان أخطر وأفدح . فقد كان من أثر التحريضات المسمومة والدعايات المضللة أن اضطرمت بعض الأذهان الفتية بطائفة من الأفكار الخطرة وانزلقت إلي معترك الجريمة ؛ فكان ما شهدناه في العامين الأخيرين من الحوادث الأثيمة التي يقدم الآن فريق من الشباب الغض عنها أفدح الحساب .
ولسنا نتردد في أن نصف هذه الحالة التى انتهى إليها النشئ والشباب في مصر من جراء الأعاصير والمؤثرات السياسية بأنها محنة قومية خطيرة يجب أن نبادر إلى التفكير في درسها والعمل على تلافي آثارها السيئة ، فالأمر يتعلق بسلامة الجيل الذي ستلقى إليه مصاير البلاد في المستقبل القريب ؛ والشباب عدة الوطن وذخره الحقيقى ، ومن واجب المسئولين من تنشئته وإعداده أن يسهروا على حسن توجيهه وأن يتخذوا لحمايته من المؤثرات الضارة كل أساليب الوقاية الممكنة ؛ ونحن لا ننكر على الشباب الناضج
حقه بل واجبه في الاهتمام بمصير بلاده ، وفي الإعراب عن آرائه وأمانيه ، وفي المشاطرة في أعمال الجهاد القومى المنتجة ؛ ولكنا نطمع في أن نري هذا الشباب الناضج ، أو الشباب الجامعي ومن في حكمه ، ينزل في أعماله وتصرفاته على مقتضيات التعقل والرزانة وفي حدود القانون والنظام ، وأن يكون مستقل الرأي بعيدا عن المؤثرات المضللة . أما النشء الفتى الذى ما زال في دور التكوين والإعدار ، فأولي به أن ينصرف إلى استكمال الدرس والتحصيل ؛ ومع أن هذا النشء ، الفتى أولى بالحماية والتوجيه ، فأنه لا معدى لنا من النظر في حماية الشباب بصفة عامة من الوقوع تحت تأثير الدعايات السياسية أو الاجتماعية الضارة ، ومن أن يكون بالأخص موضع الاستغلال والتوجيه السئ من جانب الهيئات السياسية والحزبية المختلفة
ولا سبيل لتحقيق هذه الحماية سوي التشريع الذي لجأ إليه كثير من الأمم ؛ فالأحزاب والهيئات السياسية على وجه العموم يجب أن يكون قيامها وتأليفها خاضعا لقانون خاص تجري عليه في تشكيلاتها وبيان أغراضها ولكن مثل هذا التشريع لم يصدر بمصر إلي الآن ، في حين أنه قائم في معظم الأمم الأوروبية ، وتتضمن هذه التشريعات من النصوص ما يكفل تنظيم الهيئات السياسية والاجتماعية بصورة تتفق مع القانون والنظام ، كما أن فيها ما يسمح بحلها إذا خرجت على حدود القانون والنظام وكذلك يجب أن يتضمن مثل هذا التشريع النص على حماية الشباب بمنع الأحزاب والهيئات السياسية من أن تضم إلي صفوفها أو تشرك في أعمالها ودعاياتها فتيانا لم يبلغوا سن الرشد ، كما يجب أن يحظر على أمثال أولئك الفتيان أن ينضموا إلي أية هيئة حزبية أو سياسية ! وبذلك يحمي الشباب الذي ما زال في دور التكوين من الوقوع تحت تأثير الدعايات الحزبية والسياسية الضارة بعقولهم ومستقبلهم.
والواقع أنه من أشد بواعث الأسف أن نري الآن تيار الدعوات الحزبية والسياسية المختلفة يغمر ، فضلا عن طلاب الجامعات والمعاهد العليا ، طلاب المدارس الثانوية ومنهم كثيرون لم يبلغوا سناهقة ، وأن نراهم ينتظمون فيما يسمونه بلجان الطلبة أو الجمعيات الرياضية الملحقة بهذه الهيئات ، يضيعون اوقاتهم النفيسة في حضور الاجتماعات والحفلات التي تقيمها الهيئات المختلفة ، ويقعون تحت تأثير المبادئ والدعايات المغرية قبل ان يستكمل نضجهم العقلي ؛ وفي ذلك من الخطر ما فيه على مستقبل اولئك الطلاب ، وعلى تكوينهم الفكري والخلقي.
هذا ويجب الاننسي انه توجد إلي جانب هذه التيارات السياسية الجارفة التي تتجاذب الشباب وتوقعه في حبائلها تيارات أخرى ليست أقل خطرا ، وهي التيارات الاجتماعية المضللة التي نراها مائلة في بعض نواحي الأدب والصحافة ؛ فهذه النواحي الفكرية الرخيصة التي لا تلتزم حدودا لائقة من الرزانة والحشمة ، هي أيضا خطر اجتماعي يتعرض الشباب لشره ، ومن واجبنا أن نعمل على تلافيه وحماية الشباب من التلوث بأدرائه بكل الوسائل الممكنة تشريعية وغيرها . وناهيك بعد ذلك بما ظهر في الفترة الأخيرة من تسرب بعض المبادئ الاجتماعية الهدامة المغايرة لنظمنا الأساسية ومبادئ ديننا الأصيلة إلى أذهان بعض الشبان ، وما قد يترتب على ذيوع عده المبادئ الخطيرة بين الطبقات الجاهلة من ضروب الاضطراب والفوضي.
لقد دفع بالطلاب والشباب بصفة عامة إلي طريق وعرة مليئة بالأشواك والاحتمالات المزعجة ؛ وإنها لغاية في حق الوطن أن تترك هذه الفوضى السياسية الاجتماعية التي طال مداها دون علاج حاسم . ولا ريب في أن شباب أمة متى عرضت عقوله ومشاعره لمثل هذا الإفساد الذي نراه ، وعرضت أرواحه وجسومه لأن تصفد
بأغلال الدعابات والمؤثرات المسمومة ، فإنه يغدو من الشكوك فيه ان يستطيع الاضطلاع بالأعباء القومية الخطيرة التي تلقي علي كواهله ؛ ومصر تجوز فترة من أدق فترات تاريخها ، فإذا كان من حقها أن تضع آمالها في شبابها مضاعفة ، فإنه يجب عليها في الوقت نفسه أن تبذل كل جهد لحماية هذا الشباب والسهر على تفكيره وتوجيه وإعداده ، كما يجب عليها ان تذكر دائمًا أن إخفاقها في تحقيق هذه المهمة الخطيرة على اكمل وجه يغدو محنة قومية تصغر دونها كل محنة.
هذه صرخة قد تكون خافتة ، وقد لا يعقبها صدي قوي ، ولكننا لا نشك في أنها تتردد اليوم في صدور كل أولئك الذين يشفقون على مصارهم ، ويحرصون على أن يكون الشباب عماره وذخره للمستقبل ، جديراً بأمته ، جديراً بقيادتها في عهدها الجديد الحافل بالشدائد والآمال.

