ماذا اكتب بعد أن بلغت باريس إذ ابلغها اليوم الأول في السنة الجديدة ؟ أكون ذلك المنجم الذي يستطلع غيب السموات والأرض ويستقريء النجوم والأفلاك ليكشف ما تخبؤه وراء دوراتها السريعة لأقول إن هذا فأل حسن بالنسبة لقدومنا ودخولنا هذه العاصمة الكبيرة ، أم أوثر لنفسي حالة الإنسان ؟ الإنسان الذي يشعر فيتألم أو يفرح ، الإنسان الذي يحيا لحاضره أكثر مما يحلم بمستقبله ، الإنسان الذي يرهف السمع لدقات قلبه قبل أن يفتح الأذن لدقات ساعات الزمن الآتية ، فأنقل لك تلك الدقات التي كنت أسمعها فيه ، والسيارة تجول بي أحياء باريس قاصدة نحو الفندق المعين فيقول لي سائقها : انظر . . انظر . . تلك هي السوربون . . وذلك هو الحي اللاتينى وحينئذ لا أدري أهو الفرح سري في نفسي على أني أصبحت على مدى خطوات من هذه الجامعة التي طالما هفا إليها فكري ، أو الألم قد اعتصر مهجتي ، إذ اعترتني ذكري تلك الجامعة التي يشخص إليها صباح مساء فؤادي ؟ نعم تلك هي السوربون كعبة الثقافة منذ أجيال متعاقبة لجميع أبناء الدنيا ، ولكن أين هي جامعة فؤاد الأول قبلة ذلك القلب الذي انطوت أزمنة وتنطوي سواها دون أن تلامس حبا كذلك الذي بعثته فيه هذه الجامعة الناشئة ؟
إنها لحيرة في أمر هذه الحياة الغادرة . . كأسها نصفان . . عسل مصفي في اعلاها . . وعلقم معكر في أدناها . . وإنها لكأس لا بد منها إذا أراد الحي ألا يموت ظمأ . . ولقد يخطر له كثيرا أن يكسرها وأن يدوسها بقدميه ، ولكن يد الحياة اخف من مواقع غضبه ، إنها سرعان ما تجبر الحطام المنثور ، وترد إليه الكأس من جديد . . نعم إنها الحياة التي تجري رياحها على غير ما يشتهي أمهر ربان فيها ، وكأنما الدفة سلمت منذ الأزل
إلي سيد غريب حاله أوصي بألا يديرها إلا على خلاف ما يشتهي راكب السفينة أو ربانها ! وتلك كلمات تنطقني بها باريس ، وسواي ما إن بلغها حتى نسي الحياة وكل ما تخفي وما تظهر ، وكل ما تكن وتعلن ، لكيلا يذكر بعد ذلك إلا باريس وجمال باريس وفتنة باريس . أما أنا . . أما أنا . . فلست أدري لماذا شعرت من اليوم الأول أني لم يكن ليروقني أن أدخل وحدي هذه العاصمة الخلابة ، وأن لا أكون وحدي في مدرجات جامعاتها ، وأن لا أطوف وحدي في شوارعها ، وأن لا أجول وحدي في متنزهاتها ؟ وأن لا أعبث وحدي في سهراتها ؛ وأن لا أري بعيني وحدهما جوها ، وان لا أتعرف وحدي إلي رجالاتها ونسائها . لقد كرهت هذا في الساعة الأولى التي أصبحت فيها : كرهت هذه الوحدة ، لأن عاصمة الشرق الحبيبة وعروس النيل البهيجة وربة الأهرام الفريدة ، زاوجت بيني وبين إنسان آخر في هذه الحياة . . أما عاصمة الغرب فإنها تفرق بيني وبين هذا الإنسان . . فهل ألام بعد ذلك إذا أحببت الشرق أكثر مما أحب الغرب ؟ أم هل من يعذلني إذا أبغضت الغرب وعبدت الشرق ؟ إيه أيها الشرق ! إن لم يكن لك في حياتي من أثر إلا تلك الفتاة التي خالطت كيانها وخالطت كياني حتى لم يعد أحدهما إلا الآخر ، لكفي بك معبودا عندي . . إيه أيها الشرق ! إن لم يكن فيك إلا تلك العينان العسليتان أهفو إليهما من بعيد لكفى بك مصدرا للنور في حياتي . . إيه أيها الشرق ! إن لم يختلج فيك إلا تلك الروح الفتية الهفهافة التي ترف أمام ناظري ، وكأنما هي جناحا ملاك هابط من السماء لنعمت مهبطا قدسيا للروح الإنسانية . . إيه أيها الشرق ! إن لم يكن فيك إلا ذلك الإنسان يتلوى الليالي ساهدا متقلبا على ذكريات مضت لحييت مهدا للهوي والحب والإلهام ما عرف البشر مثله مهدا . .
كأنما أنت الليلة الشرق وكأنما الشرق أنت . . ولعلك
تتصورين حالة ذلك الناسك الذي يريد ان يتجه بصلاته نحو الكعبة ، فيتجه إلى محرابه ، وكأنما قد انتقلت مكة إلى هذا المحراب ؛ نعم تتصورين حاله وتتصورين انك انت الآن المحراب الذي أصلي نحوه صلاة الشرق الحبيب
من يشتري مني كل أيامي في غرفتي الفخمة هنا ليبيعني لحظة واحدة من لحظات البلد المحبوب ؟ وددت لو أنك لم تكوني ولم أكن ولو أنك لم تخلقى ولم أخلق ، ولو أنك لم تعرفيني ولم أعرفك ، لا كون اليوم إنسانا لا ما ضي له فيعيش بحاضره ويتطلع نحو مستقبله . ولكن هل أنا حقا أريد ذلك ؟ وهل يعادل الألم الذي يعودني الآن اللذات التي انهالت علي بالأمس حينما كنت معها ؟ أيتها المرأة إنك ساحرة ! أيتها القاهرية الحسناء إن فيك لسر الأهرام وأبي الهول ! إنهما رمز لماض لا يريد أن ينطوي ، وإنك لعنوان لماض لا يمكن أن ينطوي . . بل إنه من القوة بحيث يطويني بحاضري ومستقبلي معا . أيتها المرأة إنك لقاسية ! إني أعيش لك بذكرياتي ونفسي وأملي وألمي . فما الذي يبقى لي ولحياتي في مدينة باريس ؟ هل رأيت في حياتك تلك الاسفنجة التي تغمسها يد المرأة بالماء لتمسح بها ظهر دولابها ثم ألقتها تتدحرج على الأرض بعد أن اعتصرت كل ما فيها من ماء ؟ إنه قلبي يتدحرج اليوم في شوارع باريس كتلك الإسفنجة بعد أن صب كل ما فيه من ماء في شوارع القاهرة ، في ليالي القاهرة ، وفي ظل أشجار القاهرة ! آه أيتها القاهرة . . إني كثيرا ما أتساءل أشيخ أنا قد ذوي أم شاب قد غوي ؟ نعم لأنه كثيرا ما يتراءي لي أن شبابي لم يعد شيئا مذكورا ، وانه قد بات هباء تذروه الرياح بعد أن برح تلك العاصمة التي تفتحت فيها براعمه الأولى . وكأنما البراعم قد أزهرت زهراتها فجاءها الخريف بعد الربيع منبئا إياها أنه الخريف الذي لن يكون بعده ربيع . .
إيه أيتها القاهرة ! وهل من ربيع في الدنيا بعد ربيعك انت وبعد ربيع الحياة فيك ؟ إنه ربيع لم يكن فيه الشباب ولم يكن فيه الصبا ولم يكن فيه الهوي ولم يكن فيه العبث ، ولم يكن فيه الجد والفتوة ، ولم يكن فيه شئ واحد من هذا فحسب ، بل كانت فيه الحياة .. الحياة زاهية . . الحياة باسمة . الحياة فاغرة ثغرها بضحكات التفاؤل والأمل . . الحياة باسطة ذراعيها سكري بالبراءة والصفاء . . الحياة مضطربة مواجة . . صاخبة ثائرة . . الحياة التي لا تعرف الفوضى ولا النظام . . ولا يحدها فكر ولا قلب . . ولا يحتويها عد ولا حصر . . الحياة موارة متقلبة . كل يوم لها وجهها الجديد . . وكل ساعة لها أحلامها المغرية المفزعة . . وكل لحظة لها خطراتها دافعة مثيرة . تلك هي لوحة القاهرة كلما ارتسمت أمام عيني ، وذلك هو ربيع القاهرة كلما تعاقب على الأرض فصل يتلوه فصل . . وتلك هي زهرات القاهرة كلما عبقت حديقة الدنيا بالعبير . إيه أيتها القاهرة ! لكأنما أنت قصر الحياة من خرج منه أغلق وراءه باب لم يعد يحلو له بعده قصر من القصور ولا أرض من أراضي المسكون والمعمور .
لعلي شردت بعض الشرود في حديثي إليك . ولكن وقفتي أمام المحراب حملتني على الاسترسال . والاسترسال في الصلاة . . آه ما أحلاها من صلاة أنت قبلتها ! . .

