قصة مسرحية ألفها الأستاذ محمود تيمور بك، وأخرجها الأستاذ زكي طليمات، ومثلتها الفرقة المصرية بدار الأوبرا الملكية.
وبطلا القصة عنترة بن شداد العبسي وصاحبته عبلة، وليست القصة كما روتها أو زعمتها كتب التاريخ والقصص القديمة محيطة بطليها بتهاويل البطولة والحب، وإنما اتخذ المؤلف من زمانها ومكانها وأشخاصها، جوا جديداً، ومادة جديدة، لعمل فتى جديد، قوامه التحليل وعرض العواطف والميول الإنسانية على طبيعتها.
فعبلة امرأة تزهي بحب الرجال إياها، وتتخذه لعبتها، فتشتط في مطالبها، ولا تبالي أن تدفعه إلى الأهوال، وتحمله على ترك الديار وتجشم الأسفار، لتحقيق رغباتها التي يمليها مجرد العبث والزهو.
وعنترة رجل شجاع محب، ذو بأس وذو قلب، يبطش بالفوارس، وترتد عن صفاته الآسنة، ولكن تنفذ إليه سهام الأنوثة ويفعل به سحرها، فينصاع لعبلته، ويسعى في إجابة مطالبها غير مكترث بما في طريقها من المشاق والمصاعب؛ وترمي به الحبيبة المدلة في سفر بعيد يمتد به الزمن، ثم يؤوب كمن صحا قلبه فسلا واقصر باطلة، ولكن لا يلبث أن يتسلل نشيد الحب إلى مكمنه في فؤاده، فيعود به إلى مغانيه، ويظل يروض تلك القطة المزهوة الشرسة حتى ينالها. . .
وواضح من سياق القصة أن المؤلف أراد أن يصور المرأة في إدلالها وزهوها وتمعنها وتحايلها وأفانينها في اللعب بالرجل - تصويرا أريد أن أقول إنه(كاريكاتوري) مستعيرا له هذه التسمية من ذلك التصوير الذي يقوم على المبالغة في إبراز الخصائص، وعلى هذا يمكن أن تحمل تلك المواطن التي بدت فيها عبلة على خلاف ما تجري به العادة في واقع الحياة، كدؤوبها على العبث واللهو بعد ما قيل من موت عنترة، وكفتورها في استقباله بعد غيبته الطويلة على رغم حبها له.
ولكن ما بال عنترة يستقبل منافسه في خطبة عبلة بالترحيب والتكريم حيث كانت تقتضي طبيعة الموقف وطبيعة الفارس البدوي أن يلقاه بسيفه؟ حدث ذلك عندما جاء هذا المنافس بعد إحضاره النياق العصفورية التي طلبتها منه عبلة، فوجد عندها
عنترة، وكان عنترة أيضاً قد عاد من سفره الطويل الذي دفعته إليه لجلب الزمرد الذي اشترطته ليتم زواجهما، ونراه بعد أن يأتي لها به وبعد ما تجشم في سبيله يستقبل خاطبها الآخر ويهنئهما. . . وقد يقال إن أحداث السفر قد غيرته وجعلته يسلو، ولكن ماذا يبرر ذلك الموقف الغريب حينما بعث حبه، وعاد في هواه سيرته الأولى، واستحر العناق بينه وبين عبلة، وفاجأهما منافسه، وإذا عنترة الفارس الذي استعاد صبابته يسلم إلى هذا المنافس حبيبته التي أفلتت من بين ذراعيه، ويخاطبه كالمعتذر. . . ويغادرهما ذاهبا إلى شانه.؟
وهنا نقول إن المؤلف آثر المرأة بعناية، إذ كان يهدف إلى إبراز خصائصها بذلك التصوير (الكاريكاتوري) ولكنه أهمل الرجل فصوره ذلك التصوير العجيب، ولم يدبر أمره على سنن الواقع ومقتضيات الطبيعة، ولم يبد لنا من هذا الصنيع هدف يبرره.
وقد كانت هذه الرواية على مسرح الأوبرا مجلي بالإخراج الفني البارع المتقن، وعرس اللغة العربية في جلوتها ورنين جرسها على السنة الممثلات اللائى أثبتن أنها لغة رقيقة. . . رقيقة. . .
وهي مدعاة إلى استخذاء مؤلفي التمثيليات باللغة العامية الذين صدعوا رءوسنا بهرائهم، ووجعوا قلوبنا بادعاءاتهم التي لا تدل إلا على العجز المبين.
ومن العجيب انهم يمثلون بالعربية الروايات المترجمة، ويؤلفون بالعامية التمثيليات المصرية، كأن العربية في البئية الغربية أبين منها في البيئة المصرية! وأعجب العجب تمثيل قصص باللغة العامية وقعت في العصور العربية من جاهلية وأموية وعباسية! وما تزال أغانيها العامية تتردد على الألسنة كسلامة القس مثلا! فإلى متى يظل هذا التهريج الفني؟ ومتى يرتفع الفن بالأذواق الساذجة بدلا من تملقها والانحدار إليها؟
وأخيراً، نسوق الحديث إلى محطة الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، لعل عربية (حواء الخالدة) تقنعها باصطناع اللغة الفصيحة في إذاعة التمثيليات القصيرة التي أكثرت أخيراً من إذاعتها بالعامية، وأهملت الفصحى في هذا المجال كل الإهمال فيما عدا المترجم الذي تقدم العجب من الاقتصار عليه في التمثيل بالعربية.

