الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 34الرجوع إلى "الثقافة"

حوادث الشرق الأقصي :, ريح الخطر الاصفر، والصراع بين اليابان والدول الغربية، لمحرر (( الثقافة )) السياسى

Share

شغلت حوادث أوربا وأزماتها السياسية المتوالية فى العامين الأخيرين الأذهان عما يدور في الشرق الأقصى من حوادث خطيرة ، فلم يتبعها العالم بنفس الاهتمام الذى يتبع به الحوادث الأوربية ، لأنها تجري في ركن منعزل من العالم ، وتكاد تعتبر ىي ذاتها ذات صبغة محلية . بيد

أنها ظهرت في خطورتها الحقيقية ، وفي صورتها الدولية الصحيحة مذ وقعت حوادث نيانتسين الأخيرة ، وأقدمت اليابان على محاصرة منطقة من مناطق الامتياز الأوربية التي تخص دولة من الدول العظمي ، ووقع من جراء ذلك اصطدام خطير بين اليابان وبريطانيا العظمي ، ظن مدى

حين أنه سيثير انفجارا جديدا في الشرق الأقصي ولكن بريطانيا العظمي التي شعرت في الوقت نفسه بخطورة الحالة في أوربا ، آثرت أن تميل أمام العاصفة ، وان تحاول اتقاءها بالمفاوضة مع اليابان ، ربما ينجلي الأفق ، ويتاح لها أن تعمل في الشرق الأقصى وفق ما تتطلبه مصالحها وهيبتها .

وقد جاءت حوادث نيانتسين دليلا جديداً على فداحة الخطر الذي يهدد نفوذ الدول الغربية ومصالحها في الصين ، من جراء الغزو الياباني ؛ وجاء تساهل بريطانيا العظمى مع اليابان دليلا علي تفرق كلمة الدول الغربية ، وضعف الوسائل التي يمكن أن تلجأ إليها في دفع هذا الخطر ؛ وظهرت من جهة اخري نية اليابان واضحة في العمل على سحق نفوذ الدول الغربية في الصين ، والاستئثار ببسط سيادتها على هذا الاقليم الشاسع واستغلال مرافقه وموارده .

والواقع أن اليابان تعمل لهذه الغاية منذ أعوام ، فقد بدأت بغزو إقليم منشوريا وضمه إليها في سنة ١٩٣١ ، وانسحبت من عصبة الأمم كى تجتنب مناقشاتها وتدخلاتها العقيمة ، ثم توالت غزواتها وفتوحاتها لأقاليم الصين الشمالية تحت ستار مختلف الأعذار والحجج ؛ ولما تبينت ضعف الدول الغربية واختلاف كلمتها ، لم تحجم عن التصريح جهاراً بخطتها وغايتها الحقيقية ، فأعلنت أنها تعتبر الصين ميداناً طبيعياً لنشاطها ، وطلبت إلى الدول الغربية أن تكف عن محاولة التوسع في الصين ، أو فى استغلال مرافقها ، وأنها تعتبر كل محاولة من هذا النوع عملا غير ودي تقاومه بكل قوتها ، ثم أتبعت القول بالفعل ، وبدأت منذ عامين بغزو الصين وافتتاح أقاليمها الجنوبية والوسطى تباعاً ، حتى استولت على جميع أقطارها الساحلية وثغورها الهامة ، وتوغلت بعيداً فى الداخل ، وهي اليوم تحتل أغنى وأهم أقطارها ؛ أما الدول الغربية فقد كانت خلال العامين الأخيرين منهمكة

بشئونها وأزماتها ، وأما الصين فلم تستطع رغم مقاومتها المستمرة ، أن تقف في وجه الغزو الياباني ، خصوصاً وقد دفعت اليابان إليها بمعظم قواتها البرية والبحرية والجوية .

وإذا كان هذا الصراع بين اليابان والصين يبدو من ناحيته صراعاً بين القوى والضعيف ، وبين دولة استعمارية معتدية وأمة مقاومة تثير مواردها جشع المستعمر ، فأنه من جهة أخري يبدو أخطر وأبعد مدى ؛ فهو في الواقع صراع بين آسيا وأوربا ، صراع بين الجنس الأصفر وبين الأمم الغربية ، لا على تراث أمة أسيوية عظيمة ، وقطر أسيوي شاسع فقط ، ولكن على تراث الشرق الأقصى كله ، وعلى السيادة في أقطاره وبحاره كلها .

وقد استطاعت الدول الغربية أن تغزو الشرق الأقصى وأن تحتل كثيراً من أقطاره منذ أكثر من قرنين ، واستطاعت منذ نحو قرن ان تبدأ ببسط نفوذها الاقتصادى على الصين ، وأن تفوز فيها بامتيازات خاصة تثقل اليوم كاهلها ؛ ولم تكن اليابان وقتئذ دولة ذات شأن ، ولم تحسب لها الدول الغربية أي حساب ؛ ولكن اليابان تقدمت في أواخر القرن الماضي بخطوات جبارة ، حتى ارتفعت إلى مصاف الدول العظمى ؛ ولما وقعت الحرب الروسية اليابانية فى ١٩٠٤ وهزمت فيها روسيا واضطرت إلي التخلى لليابان عن حقوقها وأملاكها فى الصين ، لمحت أوربا في هذا الانتصار الذي تحرزه لأول مرة فى التاريخ الحديث أمة أسيوية على دولة من الدول الأوربية العظمى ، ظاهرة خطيرة تتعلق بمستقبل الجنس الأصفر ، ومستقبل الصراع بينه وبين الجنس الأبيض فى الشرق الأقصى .

وهنا ظهرت في بعض الدول الأوربية والأمريكية صيحة (( الخطر الأصفر )) . ولما ظهرت الحركة القومية الصينية على أثر ذلك ، ثم نمت واشتدت عقب الحرب

الكبرى ، وأخذت تهدد المصالح الأجنبية فى الصين ، ازدادت صيحة (( الخطر الأصفر )) ظهوراً في الغرب ؛ ولكنها كانت تحمل يومئذ معنى عاماً ، ويقصد بها خطر (( الجنس الأصفر )) علي نفوذ الغرب وسيادته ومصالحه فى الشرق الأقصى ؛ وظهرت في الوقت نفسه فكرة (( الجامعة الأسيوية )) تروج لها اليابان وتعمل على تقويتها ؛ وقد انعقد بالفعل في سنة ١٩٢٦ في ثغر (( ناجازاكي )) اليابانى أول مؤتمر (( للجامعة الأسيوية )) وشهده مندوبون من اليابان والصين والهند وسيام والفليبين وكوريا ؛ وفكرة (( الجامعة الأسيوية )) تحمل أيضاً معنى قومياً خاصاً يرمى إلى معارضة السيادة الغربية . ولكن تطور الأحوال فى الشرق الأقصى منذ انهيار الحركة القومية الصينية ، وتوغل الغزو الباباني فى الصين ، يسبغ اليوم على فكرة (( الخطر الأصفر )) لوناً ومعنى جديدين ، فهي تعنى اليوم ذلك الصراع الاستعماري الذي يضطرم بين اليابان وبين الدول الغربية على تراث الشرق الأقصى ، وذلك الخطر الذي ينطوي عليه تفوق اليابان العسكري ، على سيادة الدول الغربية ومصالحها فى الشرق الأقصى ومياه المحيط الهادى ؛ واليابان بالرغم من خططها وغاياتها الاستعمارية الظاهرة ، تستتر فى مواجهة الغرب بحقوق الجنس الأصفر والجامعة الأسيوية ، وتحتج فى مقاومة الدول الغربية بنظرية كنظرية (( موترو )) الأمريكية فى وجوب تخلى الدول الغربية عن القيام بأية محاولة جديدة لبسط نفوذها السياسى أو الاقتصادى فى الصين ، واعتبار الصين منطقة للسيادة اليابانية والنفوذ الياباني ، تستأثر اليابان باستغلال ثرواتها ومرافقها .

ونحن نشهد اليوم هذا الصراع يضطرم بأجلى مظاهره بين اليابان والدول الغربية ؛ فالمعارك العسكرية المحلية بين اليابانيين والروس لا تكاد تنقطع على حدود منشوريا

ومنغوليا ، واليابان تمضي فى توغلها واجتياحها لأراضي الصين ، غير عابثة بالمعاهدات المعقودة ، أو باحتجاج الدول أوبمقاومة الصين ؛ والقوات اليابانية تحدق اليوم بمناطق الامتياز الدولية فى جميع ثغور الصين الممتازة ، وتشدد الضغط عليها ، وتعمل على عرقلة مصالح الدول الغربية مااستطاعت ؛ والدول الغربية وفى مقدمتها بريطانيا العظمى وفرنسا ، تري من جانبها أنها لا تستطيع مقاومة اليابان مقاومة فعالة فى الظروف الدولية الحاضرة ، وتكتفى بالاحتجاج وتقديم المذكرات السياسية ولفت نظر اليابان إلى احترام المعاهدات المعقودة ، ولا سيما معاهدة الدول التسع التى عقدت فى واشنطون سنة ١٩٢٢ ، والتى ترتبط فيها اليابان مع الصين وباقي الدول ذوات المصالح فيها ، وهي أمريكا وبريطانيا العظمي وفرنسا وإيطاليا وهولنده والبرتغال ، بوجوب احترام سيادة الصين واستقلالها ووحدتها الإقليمية والإدارية ، والمحافظة على مبدأ الفرص المتساوية فى التجارة والصناعة لجميع الأمم فى الصين ، وعدم انتهاز الدول الموقعة فرص الأحوال فى الصين للحصول منها على حقوق وامتيازات خاصة .

وقد شجعت ظروف أوربا المضطربة اليابان على المضى فى غزوها الاستعمارى للصين ، متحدية بذلك جميع الدول الغربية ، وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا العظمى ، بل لقد وقع الصدام بالفعل بين اليابان وبريطانيا ، ولم تحجم اليابان عن محاصرة منطقة الامتياز البريطانية فى تيانتين ، ولم تر بريطانيا من جانبها بدأ من الإغضاء عن هذا التحدى لسيادتها ومصالحها ومحاولة التفاهم مع اليابان بالمفاوضة ، ولم تخف اليابان أنها ترمي بهذه الحركة إلى غاية بعيدة المدى هى إرغام الدول الغربية على الاعتراف بالحالة الواقعة فى الصين ومحاربة امتيازات الدول الغربية فيها تمهيداً للإلغائها. وتشعر الدول الغربية الثلاث ذوات المصالح الكبرى

فى الصين ، وهي بريطانيا العظمي وفرنسا وأمريكا ، بخطورة هذه الحركة ، ولكنها ثم تستطع حتي اليوم ان تتفق فيما بينها على خطة موحدة للعمل ، ويبدو من خطط اليابان العسكرية واحتلالها لجميع الشواطىء والجزر الصينية أنها قد تذهب بعيداً فى مطامعها الاستعمارية ، وقد تقدم على آنست سنوح الفرصة على تهديد أملاك الدول الغربية فى الشرق الأقصى ومياه المحيط الهادى . فالهند البريطانية والهند الفرنسية ، وماليزيا ، وجزائر الهند الشرقية ، وجزائر الفليبين ، واستراليا ، قد تصبح كلها تحت رحمة الغزو الياباني ، إذا لم تبادر بريطانيا وفرنسا وأمريكا إلى الاتفاق على خطة ناجحة لمقاومة اليابان وردها إلى صوابها .

وفى اعتقادنا أن فترة التردد والانتظار لن تطول بالدول الثلاث ، فهي سوف ترغم عاجلا أو آجلا إلى مواجهة الخطر اليابانى على سيادتها وأملاكها ، وسوف

تكون إلي جانبها روسيا السوفيتية التى تنفرد اليوم بمقاومة اليابان مقاومة فعالة ، على أن تنظيم هذه المقاومة يتوقف على سير الحوادث الأوربية ، فإذا هدأت العاصفة التى تهدد سلم أوربا ، واستطاعت بريطانيا العظمي وفرنسا أن تطمئنا إلى وقف اعتداآت محور برلين رومة ، فقد تستطيعان عندئذ بالاتفاق مع أمريكا بذل مجهود جدى لمواجهة الخطر الياباني ، وحماية الحقوق المصالح الغربية فى الصين من عواقبه ، وربما لجأنا عندئد إلى مساعدة الصين مساعدة فعالة على مقاومة الغزو الياباني ، وإنهاك قوى اليابان بالمعارك المستمرة ؛ أما إذا استمر الموقف الأوربى على دقته وخطورته ، فإن الفرصة تبقي سانحة امام اليابان لإتمام مشاريعها الاستعمارية ، وتوطيد قدمها فى الصين ، وإضعاف مركز الدول الغربية فى الشرق الأقصى .                                                     (***)

اشترك في نشرتنا البريدية