أتخذت السلطات البريطانية في فلسطين أخيراً وبعد طول الانتظار،بعض اجراءات حازمة لوقف تيار الإرهاب اليهودي المنظم في فلسطين ، فألقت القبض على أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية ، واحتلت منشآئها وصادرت أوراقها ، واحتلت الأحياء اليهودية الهامة في بيت المقدس وتل أبيب ، وفرضت فيهما نظام منع التجول ، وقبضت على ألفي يهودي للتحقيق معهم وأصدر المندوب السامي البريطاني بيانا مسهبا نوه فيه بأن الحكومة البريطانية صرحت غير مرة بأن مشكلة فلسطين لا يمكن أن تحل بالإلتجاء إلي القوة ، وأنها لا يمكن ان تسمح بأي حل تحاول القوة فرضه سواء من جانب العرب أو اليهود ، وأن الجالية اليهودية قامت في المدة الأخيرة
بسلسلة من أعمال العنف ضد الأرواح والأملاك البريطانية ترتبت عليها خسائر في الأرواح والأموال ، وأن السلطات البريطانية مصممة على قمع الإرهاب والعنف وعدم السماح لأي الفريقين بإستخدام القوة ، وأنها ستقابل في المستقبل كل إخلال بالقانون والنظام بمنتهى الحزم والشدة ، حتي يستقر النظام ، ويمكن الوصول إلى حل لمشكلة فلسطين .
وأيد مستر أنلي رئيس الحكومة البريطانية أمام مجلس العموم تصرف حكومة فلسطين ، وأكد أن واجب بريطانيا كدولة منتدبة أن تحافظ على الأمن والنظام في فلسطين ، ولن تسمح بأية محاولة من اي جانب للتأثير في مصير فلسطين بطريق القوة .
وهذه الإجراءات التي ترغم السلطات البريطانية علي
اتخاذها اليوم في فلسطين بعد طول الأناة والإغضاء لم تكن مفاجأة ولم تدهش أحداً ؛ بل كان مبعث الدهشة في الواقع ما جرت عليه في المدة الأخيرة من مطاولة حركة الارهاب اليهودي والإغضاء عن أعمال العنف المتوالية التي يرتكبها أعضاء الهيئات السرية اليهودية ، في صور من العنف والجرأة تدل على مبلغ ما انتهت إليه هذه الجمعيات الارهابية من التسلح والقوة ، وما يهدد الأمن والنظام في فلسطين ، بل وفي الشرق الأوسط كله من جراء تركها تمضي في هذا العدوان المنظم الذي يستفحل خطره يوماً بعد يوم . وقد لمسنا ولمس السادة الانجليز خطورة هذا التيار الإجرامي منذ تسرب بعض أولئك الارهابين إلي مصر وقتلوا وزير الدولة البريطاني اللورد موبن في نوفمبر سنة ١٩٤٤ ، ومن ذلك الحين تتفاقم حركة الارهاب الصهيونية في فلسطين ويتسع نطاقها ، حتى لقد بلغ عدد القوات السرية المسلحة المندمجة فيها حسبما صرح رئيس الحكومة البريطانية في بيانه زهاء مائة الف ، وهذا الاحتشاد الارهابي القوي يكشف بوضوح عما ينطوي عليه من الغلبات الخطيرة البعيدة المدي .
إن الحركة الصهيونية لا تُخفي حقيقة ما ترمي إليه من حشد القوى السرية الارهابية في فلسطين وتسليحها بأحدث الأسلحة ، ودفعها إلي ارتكاب أعمال العنف المنظم ؛ فهي تجاهر في صراحة وجلاء ، أنها ترمي إلي تحقيق حلم الدولة اليهودية ، وتحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية . ولما كانت الوسائل السياسية والاقتصادية لم تنجح حتى اليوم في تحقيق هذا الحلم ، فإن الصهيونية تحاول أن تلجأ في تحقيقه إلى سلاح القوة والعنف ، وإلى وسائل التدمير والسفك؛ فلعل هذه الحركة الارهابية الذريعة تنتهي بتحطيم القوي المناوئة للصهيونية في الداخل وفي الخارج ، وحملها على الخضوع والإذعان لمشيئة
الصهيونية واليهودية الدولية .
وهذا التجني الصارخ يدلنا إلي أي حد تطورت الأطماع الصهيونية في مدى ربع قرن من الزمان ؛ فقبل أن يصدر تصريح اللورد بلفور في نوفبر سنة ١٩١٧ ، كان أقصى ما ترمي إليه أماني الصهيونية الدولية هو أن تفوز بركن متواضع في فلسطين أو غيرها ، يلجأ إليه المضطهدون من اليهود ؛ ولما صدر تصريح بلفور مقرراً " أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، على أن لا يعمل شيء بضر بالحقوق المدنية أوالدينية للطوائف الآخرى " اعتبرت الصهيونية أن أعز أمانيها قد تحقق ، وعكفت على إنشاء " الوطن القومي وتدعيمه بالهجرة والمشاريع الاقتصادية ، واعتبر العرب من جانبهم أن قيام هذا الوطن اليهودى الدخيل في بلادهم اعتداء صارخ على حقوقهم التاريخية والوطنية ، وخطر بارز على كيانهم وحياتهم ، ولم يدخروا وسعاً في مقاومته منذ الساعة الأولى ؛ وما لبث أن غدا هذا الصراع المضطرم بين اليهود والعرب مشكلة دولية شائكم حارت السياسية البريطانية - وهي المسئولة الأولى عن إثارتها - في معالجتها ؛ وتعددت لجان التحقيق والمقترحات البريطانية ،
ووضعت في سنة ١٩٣٩ تسوية جديدة للمشكلة الفلسطينية صدر بها كتاب ابيض بريطاني ، تقرر فيها أن يقفل باب الهجرة اليهودية بعد خمسة أعوام وأن تحمى أراضي العرب من التسرب بطريق البيع إلى اليهود ، وكانت هذه تسوية لا بأس بها ، وبالرغم من أنها لم تتعرض لتغيير الأمر الواقع ، فقد اعتبرت يومئذ أساساً صالحاً لحل المسألة ، والحد من طغيان الوطن القومي اليهودي وأخطاره .
ولكن السياسة الاستعمارية التي فرضت الوطن القومي اليهودي علي فلسطين ، لم ترتض ذلك الحل الذي وضعته بنفسها ، والذي ارتضاه العرب على مضض ؛ فما كادت
الحرب العالمية الثانية تنتهي حتى بدأ ضغط اليهودية الدولية مائلا في تدخل أمريكا في المسألة الفلسطينية ، وفي اقتراح الرئيس ترومان أن يصرح في الحال لمائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين ، ثم في إنتداب لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية ، وفي توصياتها التي أبدت اقتراح الرئيس ترومان ينصه وأوصت بالغاء الكتاب الأبيض وفتح باب الهجرة اليهودية إلي فلسطين على مصراعيه ، وإلغاء الحظر المتعلق ببيع الأراضي . وقد رأينا ما آثارته هذه المقترحات الجائرة في فلسطين وفي العالم العربي كله من آيات الإنكار والسخط . ومع أن توصيات اللجنة ما تزال إلي اليوم مثار خلاف بين ريطانيا وأمريكا ، فإنها تعتبر بلا ريب خطوة جديدة في تقريب آمال الصهيونية ومشاريع السياسة الاستعمارية .
لقد ظفرت الصهيونية في أواخر الحرب العالمية الأولى بتصريح بلفور وإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين ؛ وهي تحاول اليوم في اعقاب الحرب العالمية الثانية أن تظفر بتحقيق الخطوة الثانية ، وهي تحويل هذا الوطن القومي إلي دولة سياسية ؛ وقد استطاعت طيلة هذه الأعوام أن توسع نطاق الوطن بمضاعفة نشاطها الاقتصادي وبالهجرة غير المشروعة ، حتى أصبح عدد اليهود اليوم في فلسطين زهاء سبعمائة ألف مقابل مليون عربي، وهي نسبة مزعجة جداً ، ثم هي تحاول الآن بتشكيلاتها السرية ، الإرهابية أن تفرض إرادتها ، وأن تحقق مطامعها في إنشاء الدولة اليهودية بالقوة والعنف .
ولكن العنف يثير العنف ، والاعتداء يقتضي الدفاع على النفس ؛ والصهيونية تخطئ أشد الخطأ إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تصل بالقوة القاهرة إلي ما تصبو إليه ! فإن المسألة الفلسطينية لم تبق مسألة محلية ، ولم تبقى مسألة فلسطين فقط ، ولكنها غدت مسألة الشرق العربي كله . ويجب أن تذكر الصهيونية دائما أن هذا الوطن القومي
الذي تحاول إنشاءه بالقوة في ديار ليست لها ، إنما يقع في قلب العالم العربي ، ويحيط به من سائر نواحيه أمم عربية تنكر وجوده وتتحفز لمقاومته بكل ما وسعت من أسلحة سياسية واقتصادية ، بل وبالقوة والعنف إذا اقتضى الامر؛ والصهيونية لا تستطيع أن تعيش وأن تزدهر في هذا العالم الخصيم الذي يضطرم من حولها بغضا وتحفزاً للنضال ! وقد أبدت دول الجامعة العربية فيما أتخذته من قرارات مختلفة عزمها الثابت على مقاومة كل حل للمسألة الفلسطينية لا يكفل حماية فلسطين من الاعتداء الصهيوني ، وتحتفظ فيه فلسطين بكيانها العربي الصميم .
وإذا كانت السلطات البريطانية في فلسطين قد رأت بعد طول الانتظار والإغضاء أن تنشط بدورها لقمع الإرهاب الصهيوني ، وأعلنت الحكومة البريطانية أنها لن تتسامح بعد إزاء ، هذا العنف المنظم ، فإنه يجب على السياسية البريطانية من جانبها أن تفطن إلى الحقائق الواقعة ، وأن تعيد النظر في خططها إزاء المسألة الفلسطينية بعد ما تفاقمت إلى هذا الحد وظهر لها خطر المطامع الصهيونية واضحاً على الأمن والنظام في الشرق الأوسط كله ؛ ولقد كان تأثر السياسية البريطانية في الآونة الأخيرة بتوجيهات اليهودية الدولية والسياسة الامريكية عاملا ًجديداً في تعقد الموقف ، وإذكاء أطماع الصهيونية وجرأتها واستهتارها ؛ ولابد أن تتحرر السياسة البريطانية من هذه المؤثرات لكي تستطيع إعادة النظر في الموقف كله على ضوء علائقها مع دول الشرق العربي ، وعلي ضوء ، ما يمكن أن يتمخض عنه الاحتشاد
الصهيوني وعدوان الصهيونية من الأحداث الخطيرة في الشرق الأوسط ؛ وقد أضحي واضحاً أن ربط المسألة اليهودية العامة بمسألة الوطن القومي اليهودي هو من أفدح اخطاء السياسية الدولية ؛ ولو خلصت نية السياسة الدولية حقاً في محاولة حل المسألة اليهودية وإيواء اليهود المشردين بطريقة ميسورة عادلة لما قصر عبء ، هذا الحمل على فلسطين
العربية ، وقد احتملت منه أعظم نصيب ، ولبادرت الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا إلى فتح أبواب الهجرة اليهودية في أراضيها أو مستعمراتها الشاسعة ولكن السياسة الاستعمارية التي درجت على أن تحمل غيرها عبء تسوية المشكلات التي تثيرها ، لا تري بأسا من أن تقضي بالموت على أمة صغيرة عزلاء ، في سبيل إرضاء اليهودية الدولية .
إن المسألة الفلسطينية لا يمكن أن تحل حلا شريفا عادلا إلا إذا روعيت حقوق العرب القومية والتاريخية ؛ ولن تتحقق هذه التسوية العادلة إذا استمرت الحكومة البريطانية علي استعدادها للاصغاء ، لتحريضات واشنطون المفرقة ؛ وقد اثبتت الحوادث مدى الخمسة وعشرين عاما
الأخيرة أن المسألة اليهودية لا يمكن من الوجهة العملية أن تحل بطريق القهر والإرغام على حساب فلسطين والأمم العربية ؛ وقد لقى الوطن القومي اليهودي منذ وعد بلفور وبالرغم مما بذل لتدعيم أسسه وتوسيع نطاقه المادي ، مشروعا غامضا تنقصه جميع المقومات الأدبية والقومية ؛ وإذا كانت السياسة الاستعمارية لم توفق حتى اليوم إلي إيجاد حل مقبول لتلك المشكلة الشائكة التي أدرتها ، فإن الأمم العربية من جانبها ترفع دون تردد أن تخوض أي صراع يفرض عليها لمقاومة مشاريع الصهيونية الباغية والسياسة الاستعمارية التي تؤازرها .

