الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 393الرجوع إلى "الثقافة"

حوادث فلسطين

Share

أتخذت السلطات البريطانية في فلسطين أخيراً وبعد طول الانتظار،بعض اجراءات حازمة لوقف تيار الإرهاب اليهودي المنظم في فلسطين ، فألقت القبض على أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية ، واحتلت منشآئها وصادرت أوراقها ، واحتلت الأحياء اليهودية الهامة في بيت المقدس وتل أبيب ، وفرضت فيهما نظام منع التجول ، وقبضت على ألفي يهودي للتحقيق معهم وأصدر المندوب السامي البريطاني بيانا مسهبا نوه فيه بأن الحكومة البريطانية صرحت غير مرة بأن مشكلة فلسطين لا يمكن أن تحل بالإلتجاء إلي القوة ، وأنها لا يمكن ان تسمح بأي حل تحاول القوة فرضه سواء من جانب العرب أو اليهود ، وأن الجالية اليهودية قامت في المدة الأخيرة

بسلسلة من أعمال العنف ضد الأرواح والأملاك البريطانية ترتبت عليها خسائر في الأرواح والأموال ، وأن السلطات البريطانية مصممة على قمع الإرهاب والعنف وعدم السماح لأي الفريقين بإستخدام القوة ، وأنها ستقابل في المستقبل كل إخلال بالقانون والنظام بمنتهى الحزم والشدة ، حتي يستقر النظام ، ويمكن الوصول إلى حل لمشكلة فلسطين .

وأيد مستر أنلي رئيس الحكومة البريطانية أمام مجلس العموم تصرف حكومة فلسطين ، وأكد أن واجب بريطانيا كدولة منتدبة أن تحافظ على الأمن والنظام في فلسطين ، ولن تسمح بأية محاولة من اي جانب للتأثير في مصير فلسطين بطريق القوة .

وهذه الإجراءات التي ترغم السلطات البريطانية علي

اتخاذها اليوم في فلسطين بعد طول الأناة والإغضاء لم تكن مفاجأة ولم تدهش أحداً ؛ بل كان مبعث الدهشة في الواقع ما جرت عليه في المدة الأخيرة من مطاولة حركة الارهاب اليهودي والإغضاء عن أعمال العنف المتوالية التي يرتكبها أعضاء الهيئات السرية اليهودية ، في صور من العنف والجرأة تدل على مبلغ ما انتهت إليه هذه الجمعيات الارهابية من التسلح والقوة ، وما يهدد الأمن والنظام في فلسطين ، بل وفي الشرق الأوسط كله من جراء تركها تمضي في هذا العدوان المنظم الذي يستفحل خطره يوماً بعد يوم . وقد لمسنا ولمس السادة الانجليز خطورة هذا التيار الإجرامي منذ تسرب بعض أولئك الارهابين إلي مصر وقتلوا وزير الدولة البريطاني اللورد موبن في نوفمبر سنة ١٩٤٤ ، ومن ذلك الحين تتفاقم حركة الارهاب الصهيونية في فلسطين ويتسع نطاقها ، حتى لقد بلغ عدد القوات السرية المسلحة المندمجة فيها حسبما صرح رئيس الحكومة البريطانية في بيانه زهاء مائة الف ، وهذا الاحتشاد الارهابي القوي يكشف بوضوح عما ينطوي عليه من الغلبات الخطيرة البعيدة المدي .

إن الحركة الصهيونية لا تُخفي حقيقة ما ترمي إليه من حشد القوى السرية الارهابية في فلسطين وتسليحها بأحدث الأسلحة ، ودفعها إلي ارتكاب أعمال العنف المنظم ؛ فهي تجاهر في صراحة وجلاء ، أنها ترمي إلي تحقيق حلم الدولة اليهودية ، وتحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية . ولما كانت الوسائل السياسية والاقتصادية لم تنجح حتى اليوم في تحقيق هذا الحلم ، فإن الصهيونية تحاول أن تلجأ في تحقيقه إلى سلاح القوة والعنف ، وإلى وسائل التدمير والسفك؛ فلعل هذه الحركة الارهابية الذريعة تنتهي بتحطيم القوي المناوئة للصهيونية في الداخل وفي الخارج ، وحملها على الخضوع والإذعان لمشيئة

الصهيونية واليهودية الدولية .

وهذا التجني الصارخ يدلنا إلي أي حد تطورت الأطماع الصهيونية في مدى ربع قرن من الزمان ؛ فقبل أن يصدر تصريح اللورد بلفور في نوفبر سنة ١٩١٧ ، كان أقصى ما ترمي إليه أماني الصهيونية الدولية هو أن تفوز بركن متواضع في فلسطين أو غيرها ، يلجأ إليه المضطهدون من اليهود ؛ ولما صدر تصريح بلفور مقرراً " أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، على أن لا يعمل شيء بضر بالحقوق المدنية أوالدينية للطوائف الآخرى " اعتبرت الصهيونية أن أعز أمانيها قد تحقق ، وعكفت على إنشاء " الوطن القومي وتدعيمه بالهجرة والمشاريع الاقتصادية ، واعتبر العرب من جانبهم أن قيام هذا الوطن اليهودى الدخيل في بلادهم اعتداء صارخ على حقوقهم التاريخية والوطنية ، وخطر بارز على كيانهم وحياتهم ، ولم يدخروا وسعاً في مقاومته منذ الساعة الأولى ؛ وما لبث أن غدا هذا الصراع المضطرم بين اليهود والعرب مشكلة دولية شائكم حارت السياسية البريطانية - وهي المسئولة الأولى عن إثارتها - في معالجتها ؛ وتعددت لجان التحقيق والمقترحات البريطانية ،

ووضعت في سنة ١٩٣٩ تسوية جديدة للمشكلة الفلسطينية صدر بها كتاب ابيض بريطاني ، تقرر فيها أن يقفل باب الهجرة اليهودية بعد خمسة أعوام وأن تحمى أراضي العرب من التسرب بطريق البيع إلى اليهود ، وكانت هذه تسوية لا بأس بها ، وبالرغم من أنها لم تتعرض لتغيير الأمر الواقع ، فقد اعتبرت يومئذ أساساً صالحاً لحل المسألة ، والحد من طغيان الوطن القومي اليهودي وأخطاره .

ولكن السياسة الاستعمارية التي فرضت الوطن القومي اليهودي علي فلسطين ، لم ترتض ذلك الحل الذي وضعته بنفسها ، والذي ارتضاه العرب على مضض ؛ فما كادت

الحرب العالمية الثانية تنتهي حتى بدأ ضغط اليهودية الدولية مائلا في تدخل أمريكا في المسألة الفلسطينية ، وفي اقتراح الرئيس ترومان أن يصرح في الحال لمائة ألف يهودي بالهجرة إلى فلسطين ، ثم في إنتداب لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية ، وفي توصياتها التي أبدت اقتراح الرئيس ترومان ينصه وأوصت بالغاء الكتاب الأبيض وفتح باب الهجرة اليهودية إلي فلسطين على مصراعيه ، وإلغاء الحظر المتعلق ببيع الأراضي . وقد رأينا ما آثارته هذه المقترحات الجائرة في فلسطين وفي العالم العربي كله من آيات الإنكار والسخط . ومع أن توصيات اللجنة ما تزال إلي اليوم مثار خلاف بين ريطانيا وأمريكا ، فإنها تعتبر بلا ريب خطوة جديدة في تقريب آمال الصهيونية ومشاريع السياسة الاستعمارية .

لقد ظفرت الصهيونية في أواخر الحرب العالمية الأولى بتصريح بلفور وإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين ؛ وهي تحاول اليوم في اعقاب الحرب العالمية الثانية أن تظفر بتحقيق الخطوة الثانية ، وهي تحويل هذا الوطن القومي إلي دولة سياسية ؛ وقد استطاعت طيلة هذه الأعوام أن توسع نطاق الوطن بمضاعفة نشاطها الاقتصادي وبالهجرة غير المشروعة ، حتى أصبح عدد اليهود اليوم في فلسطين زهاء سبعمائة ألف مقابل مليون عربي، وهي نسبة مزعجة جداً ، ثم هي تحاول الآن بتشكيلاتها السرية ، الإرهابية أن تفرض إرادتها ، وأن تحقق مطامعها في إنشاء الدولة اليهودية بالقوة والعنف .

ولكن العنف يثير العنف ، والاعتداء يقتضي الدفاع على النفس ؛ والصهيونية تخطئ أشد الخطأ إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تصل بالقوة القاهرة إلي ما تصبو إليه ! فإن المسألة الفلسطينية لم تبق مسألة محلية ، ولم تبقى مسألة فلسطين فقط ، ولكنها غدت مسألة الشرق العربي كله . ويجب أن تذكر الصهيونية دائما أن هذا الوطن القومي

الذي تحاول إنشاءه بالقوة في ديار ليست لها ، إنما يقع في قلب العالم العربي ، ويحيط به من سائر نواحيه أمم عربية تنكر وجوده وتتحفز لمقاومته بكل ما وسعت من أسلحة سياسية واقتصادية ، بل وبالقوة والعنف إذا اقتضى الامر؛ والصهيونية لا تستطيع أن تعيش وأن تزدهر في هذا العالم الخصيم الذي يضطرم من حولها بغضا وتحفزاً للنضال ! وقد أبدت دول الجامعة العربية فيما أتخذته من قرارات مختلفة عزمها الثابت على مقاومة كل حل للمسألة الفلسطينية لا يكفل حماية فلسطين من الاعتداء الصهيوني ، وتحتفظ فيه فلسطين بكيانها العربي الصميم .

وإذا كانت السلطات البريطانية في فلسطين قد رأت بعد طول الانتظار والإغضاء أن تنشط بدورها لقمع الإرهاب الصهيوني ، وأعلنت الحكومة البريطانية أنها لن تتسامح بعد إزاء ، هذا العنف المنظم ، فإنه يجب على السياسية البريطانية من جانبها أن تفطن إلى الحقائق الواقعة ، وأن تعيد النظر في خططها إزاء المسألة الفلسطينية بعد ما تفاقمت إلى هذا الحد وظهر لها خطر المطامع الصهيونية واضحاً على الأمن والنظام في الشرق الأوسط كله ؛ ولقد كان تأثر السياسية البريطانية في الآونة الأخيرة بتوجيهات اليهودية الدولية والسياسة الامريكية عاملا ًجديداً في تعقد الموقف ، وإذكاء أطماع الصهيونية وجرأتها واستهتارها ؛ ولابد أن تتحرر السياسة البريطانية من هذه المؤثرات لكي تستطيع إعادة النظر في الموقف كله على ضوء علائقها مع دول الشرق العربي ، وعلي ضوء ، ما يمكن أن يتمخض عنه الاحتشاد

الصهيوني وعدوان الصهيونية من الأحداث الخطيرة في الشرق الأوسط ؛ وقد أضحي واضحاً أن ربط المسألة اليهودية العامة بمسألة الوطن القومي اليهودي هو من أفدح اخطاء السياسية الدولية ؛ ولو خلصت نية السياسة الدولية حقاً في محاولة حل المسألة اليهودية وإيواء اليهود المشردين بطريقة ميسورة عادلة لما قصر عبء ، هذا الحمل على فلسطين

العربية ، وقد احتملت منه أعظم نصيب ، ولبادرت الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا إلى فتح أبواب الهجرة اليهودية في أراضيها أو مستعمراتها الشاسعة  ولكن السياسة الاستعمارية التي درجت على أن تحمل غيرها عبء تسوية المشكلات التي تثيرها ، لا تري بأسا من أن تقضي بالموت على أمة صغيرة عزلاء ، في سبيل إرضاء اليهودية الدولية .

إن المسألة الفلسطينية لا يمكن أن تحل حلا شريفا عادلا إلا إذا روعيت حقوق العرب القومية والتاريخية ؛ ولن تتحقق هذه التسوية العادلة إذا استمرت الحكومة البريطانية علي استعدادها للاصغاء ، لتحريضات واشنطون المفرقة ؛ وقد اثبتت الحوادث مدى الخمسة وعشرين عاما

الأخيرة أن المسألة اليهودية لا يمكن من الوجهة العملية أن تحل بطريق القهر والإرغام على حساب فلسطين والأمم العربية ؛ وقد لقى الوطن القومي اليهودي منذ وعد بلفور وبالرغم مما بذل لتدعيم أسسه وتوسيع نطاقه المادي ، مشروعا غامضا تنقصه جميع المقومات الأدبية والقومية ؛ وإذا كانت السياسة الاستعمارية لم توفق حتى اليوم إلي إيجاد حل مقبول لتلك المشكلة الشائكة التي أدرتها ، فإن الأمم العربية من جانبها ترفع دون تردد أن تخوض أي صراع يفرض عليها لمقاومة مشاريع الصهيونية الباغية والسياسة الاستعمارية التي تؤازرها .

اشترك في نشرتنا البريدية