كانت أسرة وسطا ، لم يفسدها الفقر ، ولم يبطرها الغني ؛ تتمثل فيها الإنسانية بصنوفها ، فأب وأم وابن وبنت ؛ كان الأبوان من الجيل الماضي بأخلاقه وميوله ، وتقاليده وعقائده ، يكرهان البهرجة والرياء ، ويغاران على سمعتهما كل الغيرة ، ويحرمان على انفسهما اللذائذ إلا ما أحل الله ، ويديران مالهما على قدر مطالب الحياة ، ولا يسمحان لأنفسهما أن يقترضا لأي سبب وفي أى ظرف .
حتى شب الابن وشبت البنت في ظروف غير ظروفهما ، وحياة غير حياتهما ، وجيل غير جيلهما - نشآ بين أغاني الراديو ومناظر السينما ومشاهد التمثيل ، وفي بحبوحة الحرية وبهرجة السفور والاعتداد بالشخصية ، ونظرا إلي أبويهما نظرهما إلي التاريخ القديم وآثار القرون الوسطى ، تحترم لقدمها لا لصلاحيتها ، وتبجل لدلاتها على ازمتها لا لرقيها . ونظر الأبوان إليهما نظر الآمل ضاع أمله ، والسلطان خرج الأمر من يده ، والمربي فشل في تربيته ؛ فهم إن جمعتهم أسرة فأهواؤهم متفرقة وقلوبهم موزعة وآراؤهم متباينة ، وإن ضمهم بيت واحد فلضرورة الحياة لا وحدة المشرب .
كانت ليلة سعيدة تلك التي اجتمعوا فيها على مائدة المنزل يتصالحون بعد خصام ، ويتعاتبون بعد نفار ، ويتصارحون بعد الكتمان ، وحضر وليمة الصلح قريب للأسرة يحترمه الجميع لسعة عقله وصدق نظره وحسن حديثه ، قد منحته الطبيعة ما منحت البلسم لمداواة الجروح وما منحت الدواء لشفاء الداء ، متقدم في السن ،
ولكن عقله من عقول المستقبل لا الماضي ولا الحاضر , خبير بالماضي بما قرأ وبالحاضر بما شاهد وبالمستقبل بما استنتج ، له جاهه في المنصب وجاهه في المال وجاهه في العلم وجاهه في الخلق ، فاذا تكلم أنصت الجميع وأطاع الجميع ، رأيه الحق وقوله الفصل .
قال الأب لابنه : كم تعبت في تربيتك ، وعانيت الأمرين في العناية بك ، وسهرت الليالي لمرضك ، وهجرت راحتي لراحتك ، وضيقت على نفسي في الانفاق لأوسع عليك ، وحرمت نفسي من اللذائذ لأوفرها لك ، فإذا جاء زمن تعليمك في المدرسة فكم بذلت جهدي لتنجح ، وأنفقت مالي لتكون رجلا ، وترقبت النتيجة كل عام في وجل من رسوبك ؛ وعلى الجملة إن تعد نعمي عليك لا تحصيها ، فقد ضحيت كل شئ لي في سبيلك ، وأغمضت عيني عن كل شئ وراء هذه الدار لأجلك أفحين شاب رأسى وضعفت قوتي ، وحين صرت رجلا تهدر كل هذه التضحيات ، وتكافئ الجميل بالقبيح ، والاحسان بالجحود ؟
قال الابن : لقد أكثرت يا أبي من ذكر التضحية والاحسان ، والجميل والمعروف ، فهل فعلت شيئا اكثر عما يجب عليك وعلى كل اب ان يفعله ؟ إنك تفسد ما أديت من واجب بالمن به , وتذهب جمال التضحية بذكر اسمها - إنك تريدني أن أكون ذيلا لك اتبعك في حركاتك وسكونك وميولك ، فهل هذا يتفق والطبيعة ؟ إن زمني غير زمنك ، وآمالي غير آمالك ، ونظرتي إلي الحياة غير نظرتك ، إن الثمرة إذا نضجت فارقت شجرتها ، إنني شاب أخضع لقوانين الشباب ويجري في دم الحياة ، وتملؤني الآمال وتستهويني المغامرات ، فمحال ان تخضع إرادتي لارادتك ، وليس لك مني إلا احترامك وإجلالك . لا بد لي أن أعيش حسب طبيعتي وشخصيتي وزمني وأملى ، حتى أحقق غرضي أنا في الحياة لا غرضك لي .
ولأن أشكرك على أن أبحت لي حرية العمل خير من أن اشكرك على أن تعاملني معاملة طفل كبير يحتاج إلى الرعاية دائما ، بل إن تركت لي الحرية فأنا أشكرك وعملي الحر الطليق يشكرك ، ويعترف لك بفضل انك نزلت عن استبدادك وسلطانك وسابرت الزمن في تغيره الطبيعي وتقدمه المستمر ، ثم لا تخش من خطئى إن أخطأت ، فسأتعلم من خطئي أكثر مما اتعلم من تحذيرك ، واستفيد من فشلي اكثر مما استفيد من نصائحك ، ولأن اكون رجلا يخطئ خير من أن أكون حجرا لا يخطئ وليس أضيع من ابن سلب إرادته ، ولو كان السالب لها أباه ، ولا أفشل من إنسان أحيط بالرعاية التامة فمنعته العناية به من أن يجرب بنفسه الحياة . دعنى أتعلم السياحة في بحر الحياة ، ولا بأس إن غرقت ، فسأغرق حتما إن لم أتعلم العوم ، وسأغرق احتمالا إن تعلمته
دهش الأب من هذا الحديث الصريح الجرىء ، وأطال التفكير .
فانتهزت الأم فرصة هذا السكوت وخاطبت ابنتها : - إن موقفى معك موقف أبيك من أخيك . . لقد وقفت حياتى على العناية بك ، وكم خفق قلبى حزنا لألمك وسرورا لسرورك ، وعددتك صورة مني ، واتخذتك في الحياة أملى ، وأنست بك أكثر من أنسي بأخيك ، لأنك من جنسي ، أعرف شعورك كما اعرف شعوري ، وتدور برأسك الأفكار التي كانت تدور برأسي وتتحركين بالعواطف التي كانت تحركني ، وقد اختصصتك بأسراري وآمالي وآلامى ، وحرمت نفسي من الخير لخيرك ، وتحملت الآلام لراحتك ونعيمك ، والآن وقد صرت شابة لم أر قلبك يتناغم مع دقات قلبي ، ولا عطفك يساير عطفي ، وأري شخصك في البيت وأحلامك وآمالك خارج البيت ، وأري حبا مني لا يقابل بحب منك ، وحناني لا يجازي بحنانك
قالت البنت ؛ أصارحك يا أمى أني أحترمك أما ، ولكن لا تنتظري أن تكوني معقد أملي ومجال حبي ، إنك إن تطلبي ذلك تطلبي محالا في الطبيعة ، إن كان الحب أنواعا فنوع منه أساسه الاحترام والاعتراف بالجميل ، وهذا لك مني ، ولكن هناك نوع آخر من الحب أسمي وأرقي وأصفي ، وهذا أمنحه لمن يكون زوجي ، إن الرابطة بيني وبينك رابطة الدم ، والرابطة بيني وبينه رابطة الروح ؛ إني الجأ إليك حتى ينضج هذا الحب ، كما تبقى الثمرة على شجرتها حتى تنضج، وألجأ إليك - لا قدر الله - إذا فشل هذا الحب ، ففيك العزاء - سأحافظ على شرفي من أجلي وأجلك وأجل أبي ، وسأحافظ على الوفاء لك لمعروفك عندي ، ولكن ليس من حقك ان تطلبى مني الحب الروحي الخالص الذي لم تعده الطبيعة إلا للأليف . إذا طلبت إجلالا واحتراما فهذا حق لك جزاء تضحيتك ، وإذا طلبت حبا ساميا خالصا روحيا ، فليس ذلك لك ولا تجابين إليه ؛ لأنك إذ ذاك لا تتكلمين باسم التضحية ولكن باسم الأنانية .
دهشت الام كما دهش الأب من قبل ، وساد الجميع سكون عميق
ثم بدأت الزوجة تقول لزوجها : ما دمنا وصلنا إلي هذه الدرجة من الصراحة ومن العتاب ، فلأصارحك بما في نفسي . لقد أصبحت حياتي معك عناء في عناء ، حرمت متاع الدنيا لإدارة البيت ومطالبك ومطالب أولادك ، وأصبت بالأمراض ، والحمل لم يخف عنى ، وأنا طول النهار موزعة بين نظافة البيت وإعداد الأكل ، إلى ما لا يحصى من مطالب ، فلا يجيء وقت النوم إلا وقد دار رأسي ، وفتر جسمى وكل عقلي ؛ وقد اصبح البيت سجنا أبديا مظلما ، ليس له نافذة إلى العالم - ومع هذا كله لا أري منك اعترافا بحسن صنيع ولا إقرارا بجميل ، ولا مظهرا لحب ، ولا تقديرا لقديم ؛ وأصبحت المعيشة
كآلة تدور بلا زيت ، وزيت الحياة هو العطف والحب ، وقد فقدا ، فلست اسمع إلا أوامر جافة ، ونواهي حازمة قاسية ، متى يأتي الموت ففيه راحتي ؟
قال الزوج : وهل أنا أقل منك في حمل الأعباء واحتمال الرزايا ؟ فلا أزال أسعي وأكد سدادا لمطالبكم ، وحرصا على راحتكم ، وليس لي نصيب مما أجمع إلا أقل من نصيب أحدكم ؛ ولو كنت وحدي لكنت سعيدا ، أنعم بملذات الحياة ولا أحمل عبء الواجب ، وأعيش كالفراشة تنتقل من زهرة إلي زهرة - ثم تتطلبين أن أظهر لك بمظهر الحب كأيامنا الأولى ، ونسيت أن الزمن له حكمه ، فالحب إن لم ينطفئ هدأ ، والنار تشتعل ثم تكون رمادا ، وطول العشرة يذهب الكلفة ويذهب بالتصنع ، وأنت تغارين أن أضحك مع الضيوف ولا أضحك معك ، وأمزح مع الأصدقاء ولا أمزح معك ، وتحاسبيننى على أني أتكلم في التليفون برقة لا تبدو في خطابي معك ؛ وفاتك أن التصنع عب ثقيل يتكلفه المرء مع الغريب ، وثوب مصطنع مع الناس ؛ فكيف تكافينني أن أتصنع دائما وأراثي دائما ؟ ألا ترينني أتجمل في ملبسي إذا خرجت وأتبذل إذا رجعت ؟ أتريديننى مرائيا حتى في البيت ، ومتصنعا حتى معك ؛ فأين إذا تكون سعادة المعيشة على الفطرة - ثم لا تكثري من ذكر التضحية ، فتضحيتك لا تساوي شيئا بجانب تضحيتي ، ومتاعبك تافهة بجانب متاعبى - أين عمل اليد من عمل العقل ، وأين مطالب الأولاد من مطالب الرؤساء ، وأين تعب الإنفاق من تعب الكسب ؟
ساد الجمع سكون رهيب ، وانتهي الأكل ولم يشعروا انهم اكلوا ، وانتهت الأصناف ولو سألتهم ما دروا ماذا طعموا ، لان الحديث التهم عقولهم وافكارهم ، وتسلط على كل حواسهم ، ثم انتقلوا إلي
حجرة أخري وانتظروا كلام الشيخ الحكيم بدأ الشيخ يقول :
- لعل أسرتكم هذه من خير الأسر شعورا بالتبعة وأداء للواجب ، وإن متاعبكم التي سمعت الليلة بعضها ليست شيئا بجانب ما أعلم من أسر تحطمت ، وبيوت خربت ، وأمراض فتكت حتى استعصت ، وكانت أمراضها أشكالا وألوانا : هذه مرضها في ربها ، سكر وقامر حتي خر البيت على رأسه ، وهذه مرضها في ربتها ، أسرفت في ملذاتها وملاهيها حتى انهار البنيان عليها ، وهذه مرضها في ابنائها وبناتها ، اسرفوا على انفسهم وجرفهم تيار المدنية حتى اصبح البيت شعلة من نار لا يستقر لأهله قرار .
أما أنتم فمرضكم علي هامش الأسرة لا في صميمها ، والأعراض قريبة العلاج سهلة الدواء ، ويخيل إلي أنها ترجع إلي سببين : أولهما - أن الأبوين لم يدخلا في حسابهما عامل الزمان ، فلكل زمن تقاليده ، ولكل جيل مطالبه ؛ ومحال أن تتجاهلوا فعل الزمن وتغير الأحداث وتطور الناشئة ، فمنشأ كثير من النزاع تحجر عقول الآباء وقلة مرونتها ، ومحاولتها إخضاع الحاضر الماضى ، وهو ما تأباه الطبيعة ، إن أبناءكم مخلوقون لزمن غير زمانكم ، فإما أن تحسبوا في سلوككم حساب زمانهم ، وإما أن يثوروا عليكم - ألا ترون أن أثاث البيت من عشرين عاما لا يصلح أن يكون أثاث بيت اليوم ، وأن البدع في ملابس أمس غير البدع في ملابس اليوم ، وأن طراز البيوت منذ أعوام غير طرازها الآن ، وأن التربية والتعليم ومناهجهما ونظمهما منذ عهد قريب غيرهما في عهدنا ؟ فلماذا تؤمنون بهذا كله ولا تؤمنون بتغير طباع الأولاد وعاداتهم وتقاليدهم ، وتودون أن تسلكوا معهم سلوك آبائكم معكم ، على أن الفرق كبير بينكم وبين آبائكم وبينكم وبين أبنائكم ؟ فقد
حدثت في العالم ثورة قلبت الأوضاع وكسرت الحدود ، ولا أمل في المسالمة وحسن العلاقة بينكم وبين أبنائكم إلا أن تفهموا الواقع وتسايروا الزمان ؛ نعم إن الأبناء يجب أن يعذروكم في نظرتكم ويقدروا حسن نيتكم ولكن من العسير أن يفهموا ذلك ولما تنضج عقولهم وتكتمل مشاعرهم .
وثاني الأمرين أني لمست في حديث كل منكم طغيان الشعور ب " أنا " وضعف الشعور ب " نحن " ، إن " أنا " مبعث الاحتكاك والنزاع والخصام ، فمتى برزت " أنا " في الميدان قابلتها " أنوات " اخري تعاكسها وتحاربها . أما " نحن " فليس لها محارب ، لأنها تعبير عن الجميع . إذا قلت : أنا ضحيت ، قال الآخر : أنا ضحيت . وإذا قلت : أنا فعلت ، قال الآخر : انا فعلت . ولكن إن قلتم جميعا " نحن " لم تكونوا في
حاجة إلي " نحن " أخري تعارضها
إنكم في أسرتكم كالهواء في منزلكم ، وأشعة الشمس تغمر حجركم ، والروحانية ترفرف عليكم . إنها تسعكم جميعا من غير نزاع ، فكونوا كالهواء سعة ، وأشعة الشمس امتدادا ، والروحانية شمولا ، تضمر " أنا " فيضمر النزاع ، ويضمر المن بالتضحية ، إن " أنا " مظلمة ظلمة السجن ، ضيقة ضيق القبر ، و " نحن " شاملة شمول الشمس ، منعشة إنعاش النسيم ، سمحة سماح الكريم
نزل كلام الشيخ برداً وسلاماً على الجميع ، وودعوه كما استقبلوه بالتبجيل والتعظيم ؛ وعاد كل إلى مأواه يفسر كلام الشيخ بما يهواه . وكل يغني على ليلاه
