الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284 الرجوع إلى "الثقافة"

حول، مستقبل الأدب العربى

Share

قال الأستاذ أحمد أمين بك بعد أن ذكر أن لكل أمة عربية لغتين " وقد انتج هذا الفرق الكبير بين العامية والعربية الفصحي نتائج سيئة جدا الخ وقد  بينت من قبل أنه ليس لكل أمة عربية لغتان وأقول اليوم إن الفارق البين بين الخاصة والعامة يرجع في حقيقته إلي الاختلاف في الفكر والثقافة ، لا إلي اختلاف في اللغة . ولن يستطاع تقريب كلام من كلام إلا بالتقريب بين النفوس المتكلمة . وهب أنك كتبت الأدب العربي بلغة العامة فكيف يقرؤه الأميون ! وهب أنهم قرأوه فكيف يدركون ما فيه من دقائق تدق عن إدراكهم ، وتبعد عن معارفهم ؟ ليس الفرق اللغوي الذي ذكره الأستاذ إلا مظهرا من مظاهر كثيرة لحقيقة واحدة هي اختلاف الثقافة اختلافا بينا . وكيف يكون التقريب بين جماعات الأمة ليفهم بعضها عن بعض الحقائق ، ويشارك بعضها بعضا في العواطف ؛ أيكون بنزول العلماء إلي جهالة الجهال أم برفع الجهال ، جهد الطاقة ، إلي ثقافة العلماء ؟ ! انتشر التعليم بوسائله المختلفة ، بالقراءة وبالسماع والمشاهدة - فليست القراءة إلا إحدي الوسائل التي تنقل بها المعارف إلي النفوس - تجد لغة الأمة قد تقاربت جوانبها ، وتدانت لهجاتها علي ألسن المتكلمين ، وعلى القراطيس ، ويبقي بعد هذا الفرق بين إدراك وإدراك وثقافة وثقافة ، ولن يزول هذا أبدا في أمة من الأمم .

إن الأستاذ يدعو إلي الثورة علي الأمية ومحاربتها . فهو داع إلي أن تكون الأمة كلها أو جمهورها الأعظم قارئين ، وان تؤتي هذه الدعوة ثمارها حتى يجيد القارئ القراءة إجادة تمكنه من الانتفاع بها . ولا بد لإجادة

القراءة والاستفادة بها من مقدار من المعارف يلم بها القارئ أو يثقفها ، بوسائل شي . فان تيسرت للامة كلها أو أكثرها هذه الدرجة من الثقافة استطاع الجمهور أن يقرأ عن المؤلفين والكتاب والشعراء وغيرهم ما يلائم إدراكه ، ويسد حاجته ، وينقع غلته ، دون ان يشعر ان للأمة لغتين

بقيت مشكلة الإعراب وصعوبته على الخاصة بله العامة " وكيف تلزمهم ان ينصبوا الجمع المؤنث السالم بالكسر ويجروا الممنوع من الصرف بالفتح ونحو ذلك ؟ " وأنا أقدم قبل المحاجة في هذا مقدمة وجيزة

لا ريب أن الإعراب من مصاعب اللغة العربية ، ولا ريب كذلك أنه من مزايا هذه اللغة ومن أمارات كمالها إن الكمال في هذا العالم قرين التركب والتشعب ، والصعوبة والمشقة ؛ تري في عالم النبات والحيوان الترقي والتكمل يندرجان من البساطة إلي التركب ومن اليسر إلي الصعوبة ، ومن القلة إلى الكثرة ؟ فأدنى النبات أقله تركبا وتشعبا ؟ وكذلك الحيوان يرتقي  من ذي الخلية الوحيدة إلي الإنسان ، والفرق بينهما في النقص والكمال كالفرق بينهما في البساطة والتركب ، أو الوضوح والخفاء

وكذلك الحضارة ، ترتقي من الخيمة إلي القصر المشيد ، ومن مضارب البدو إلي المدن الزاخرة بالعمران . والمعيشة في المدن تقتضي من الحاجبات والكماليات ، ومن النظم والقوانين والشرطة والقضاة ، ومن المعارف والصناعات ، ما لا يحس البدوي إليه حاجة ، ولا يراه إلا مشقة في الحياة وكلفة ، وللكمال الخلقي تكاليف لا يستطيعها إلا الصابرون . تلكم سنة الله في الخلق : تطور دائب إلي الكمال ، وكد متصل نحو الرقي ، ومشقة يقتضيها الترقي والتكمل

وكذلكم اللغات تري فيها الساذجة التي يتفاهم أهلها

بألفاظ قليلة يسيرة تكملها الإشارات ، ولا يتبين فيها  اسم من فعل ، ولا ماض من مستقبل . ثم تجد بعد هذا تقدما في تمايز الصيغ ، ووضوح الفروق ، وكثرة القواعد ودقة القوانين . وتستمر اللغة في تطورها فتتجاوز  حدود الضرورة والحاجة إلي الكمال والفضل ، فتضع لفروع المعنى الواحد ألفاظا مختلفة ، على حين تدل لغات اخري علي هذا المعني في جملته بلفظ واحد ؟ وتفرق بين المذكر والمؤنث ، والمعرف والمنكر ، والمؤكد وغير المؤكد ، وتضع اسماء  للزمان والمكان والآلة ، ويسير اشتقاقها على سنن صوتية دقيقة ، فيكثر فيها الإعلال والإبدال ، والزيادة والحذف ، اتباعا لهذه السنة وهلم حرا .

واللغة العربية - فيما أعلم - أوفي اللغات نصيبا من هذا الكمال ، واعظمها عناية بالتفريق بين المعاني المتقاربة ، ومن ذلك كانت صعوبتها ، وكثرة قوانينها ودقتها هي لغة اوزان ومقاييس ، تدل بألفاظها واوزانها ؟ وهي لغة اشتقاق وتصرف وإعراب ، تكاد تنطق أوزانها بمعانيها ، وتبين مقاييسها عن مراميها ، ويشف تركيبها عن مقاصدها . ولست في حاجة إلي التمثيل ، ولا المقام مواتيا للإفاضة في هذا .

وهذا الإعراب من اعاجيب هذه اللغة ؛ هل هو إلا  إحساس اللفظ بموقعه ، أو إحساس المتكلم بمكانة اللفظ  من نفسه ؟ أليس الإعراب تفريقا في الجملة بين العمدة من ألفاظها والفضلة ، وإعطاء الاول حركة قوية والثاني حركة اضعف منها ؟ ! أليس الرفع يعبر عن اقوي الأصوات والفتح بعده ثم الكسر ؟ ! والإعراب بعد هذا ضرب من الدلالة والإبانة ، ونوع من الموسيقى تختم كل كلمة بحركة  أو تنوين . أذكر كلمة في كتاب ترجمته عن التركية قبل عشرين سنة ، تصف اللغة العربية بأنها لسان رياضي وقد زادني التأمل ثقة بأن هذه اللغة تشبه قوانينها قوانين الرياضة في الدقة ، والانسجام ، والاتصال

ويقال إن من لغات الأمم لغات مرت بالإعراب ثم  ارتقت عنه ، فما هذه اللغات التي استعملت الإعراب ثم تجاوزته ؟ لا اعرف بين لغات العالم السامية وغير السامية ، القديمة والحديثة ، لغة كان لها إعراب كالعربية ولم أقرأ ولم أسمع ممن يعلمون أن لغة كان لها مثل هذه القوانين . وإنما تعرف حركات قليلة جدا في بعض اللغات السامية ، وجر المفعول في اللغة التركية ، ونحو هذا . فأين هذا من القانون المطرد المنسجم في العربية ؟ ! أقصد من هذا كله إلي أن الإعراب ليس فوضي في العربية ولا اضطرابا ، وليس نقصا فيها ولا فجاجة ؛ ولكنه كمال يكافيء صعوبته ، وبيان يوازن مشقته ، وجمال يستحق كلفته ، وأن حتما علينا أن نستمسك  به ، ولا نحيد عنه إلا ضرورة . والضرورات تقدر بقدرها ، كما يقول الفقهاء . فإن اضطرنا أمر إلي أن نغفل الإعراب فينبغي أن نجعل هذا ضرورة نسعي للخلاص منها والرجوع باللغة إلي إعرابها . ينبغي أن يكون مثلنا الأعلى اللغة المعربة ، وأن نعمل لبلوغها بوسائل شتى ، فإذا اضطرتنا ضرورة إلي تركها لم تركن إليها ولم ننس مقصدنا الأخير ومثلنا الأعلى . ينبغي أن نرفع الناس إلي هذه اللغة شيئا فشيئا ، وأن تدنو منها علي مر الأيام ، ولا نبعد عنها إلا ريثما نحتال لبلوغها .

ثم نرجع إلي موضوع الجدال ، لا يري الأستاذ أن نترك الإعراب فقد قال : " ولتبق اللغة العربية الفصحي لغة الخاصة يكتبون بها للمتخصصين ، ويقرءون بها التراث القديم ، وينتفعون به وينقلون منه ما شاءوا إلي اللغة الجديدة لنفع الجمهور " وإنما يري الأستاذ أن تقرب اللغة إلى العامة بترك الإعراب ، ويقترح اصطناع لغة عربية خالية من الإعراب وخالية من الألفاظ الضخمة ، ومستعملة للكلمات العامية التي هي ايضا عربية ومجردة  من خرفشة اللغة العامية ، وضرب مثلا بهذه الجملة " محمد شارك علي في التجارة " وقال عقب هذا : " وهذه

اللغة هي التي يجب أن نعتمد عليها في نشر التعليم بين العامة ، ويكتب بها بعض الأدباء رواياتهم ، ويؤلف بها بعض المؤلفين الكتب الشعبية "

وأنا أرد هذا الرأي من جهتين : الأولى أنه يجعل للأمة لغتين حقا ، و يبقى هذا الفرق البين بين الخاصة والعامة ، ويلزم الأديب ان يكتب مرة للعامة ومرة للخاصة ؛ ويضطر القارئ إلي الاضطراب والقلق بين هذا وذاك ؛ فليس بين العامة والخاصة حد واضح ، وكثيرا ما يشتركون في قراءة مقالات وكتب ، أتكتب الجرائد بلغة معربة أم بلغة غير معربة ، أم باللغتين معا ؟ قد توهمنا أن لنا لغتين فنفرنا من هذا ورأينا رأيا للخلاص منه فإذا هو يحقق ما توهمناه ، ويوقعنا فيما أشفقنا منه

وبعد ، فما الضرورة التي تلزمنا استعمال هذه اللغة ؟ بل ما الفائدة المرجوة منها ؟ يقصد الاستاذ بها تيسير اللغة  على العامة وإدناءها إليهم . فهل يريد أن يكتب بها العامة ويؤلفوا ، أو يريد ان يكتب بها الخاصة للعامة .

ليقربوا إليهم العلم والأدب ؟ فإنه يريد الامر الثاني لا ريب ، لأن المؤلفين والأدباء الذين يكتبون بهذه اللغة لن يكونوا من العامة . وأنا أزعم أن العامي يستوي عنده ان تكتب له الفاظا معربة أو غير معربة ما كان اللفظ معروفا عنده ، والموضوع في حدود معارفه . فإذا كتبت له : محمد شارك عليا في التجارة ، فهمها كما يفهم : محمد شارك على في التجارة . وإذا كتبت له : قابلني يوم العيد في القاهرة عند جامع المؤيد ، فهمها كما يفهم : قابلني يوم العيد في القاهرة عند جامع المؤيد . وهكذا الشرط الأول لكل إفهام أن تضبط له الكتابة ضبطا ييسر له قراءة الجملة كما أرادها الكاتب ، وسيان عنده ، بعد أن يقرأها مضبوطة صحيحة ، ان تكون معربة أو مهملة . فيجب ان تبادر إلى ضبط كتابتنا بحروفنا وشكلنا على الطريقة المثلي ، التي لا تدع لبسا ولا تعني القارئ . وهذا أمر يسير قد بينته في مقالاتي عن الخط العربي

اشترك في نشرتنا البريدية