كتب الأستاذ أحمد أمين بك مقالات عنوانها " مستقبل الأدب العربي " أخذ فيها على أدبنا مآخذ ، ورأي في ماضيه آراء ، واقترح لمستقبله خططا . والاستاذ ، بارك الله فيه ، يعالج بين الحين والحين امرا خطيرا في اخلاقنا ، أو سننا الاجتماعية ، أو لغتنا وأدبنا . وهو موفق إلى الصواب في كثير من مقالاته ، مشكور عليها كلها شكر المجتهد المخلص الذي يعني نفسه ليهدي امته سبيلها ، ويدعوها إلي تقويم المعوج من أمورها .
وقد بدا لي في مقاله الأخير ، الذي تكلم فيه عن ادب العامة وادب الخاصة ، اراء اردت ان اعرضها عليه وعلى القراء . ولعل الأستاذ الفاضل لا يقول : ما بال فلان لا يكتب في مشاكلنا ولكن يعترض ، ولا يبتدي ولكن يعقب . لا يقل الأستاذ هذا ، فإني لا أجادله إلا قليلا حين لا أجد من الجدال بدا ، وربما تتوالي اعوام لا اعترض له فيها رأيا . وقد مضي علي مناقشني إياه في الأدب الجاهلي أربعة أعوام ، لم أجادله فيها .
الأستاذ يتناول في مقالاته وفي إذاعته ، وفي أحاديث مجالسه ، كثيرا من أمورنا بالنقد تأدية للأمانة التي حملها العلماء ؛ ولكن يبدو في نقده احيانا نزوع إلى الثورة الفكرية من أجل الإصلاح ، بل يعلن بها احيانا ، والثورة إذا لابست رأيا أو بحثا ، عرضته لما يكون فيها أحيانا من تعسف ومغالاة ، واضطراب الصلة بين المقدمات والنتائج ، والمسارعة إلي الرأي قبل ان يوفي حقه من النظر والتمحيص .
كتب الأستاذ مقاله الأخير في أن الأدب العربي أدب خاصة لا عامة ، وان مرجع هذا إلى سببين : غلبة الأمية ، وأن لكل أمة عربية لغتين ، لغة للكتابة ولغة للخطاب ورأي أن تزال الأمية ، ويرفع الإعراب مما يقال ويكتب للعامة الخ .
وقد بدأ الأستاذ مقاله بقوله : " يعاني الأدب العربي الآن مشكلة من أكبر المشاكل ، وهو انه ادب الخاصة ، وليس للعامة أدب " . ولست أجادل الأستاذ علي ظاهر دعواه ، فأقول إن للعامة أدبا محفوظا ومكتوبا ، منه مواويل وأزجال وقصص كتب كله باللغة العامية ، كقصص الهلالية والزير سالم وسيف بن ذي يزن ؟ ومنه قصص كتب بلغة قريبة من لغة العامة ، كقصص ألف ليلة وليلة ، وقصة عنترة . ولا يلقي من يستطيع القراءة عسرا في فهم هذا الأدب ، ولا يستعصي فهمه على من يسمعه ممن لا يقرءون ، سواء كتب بلغة عامية أم بلغة عربية صحيحة ، ولا ننسي هذه المجلات التي شاعت في هذا العصر بلغة عامية او لغة مقاربة . ثم هذه القصص التمثيلية التي يشهدها العامة والخاصة ، ويستمع إليها في المنازل العامة والخاصة كذلك .
لست أجادل الأستاذ في هذا وأفصل القول فيه ، فان مقصده بين ؛ يريد ان يقول إن العامة لا نصيب لهم مما يكتب كتابنا وينظم شعراؤنا اليوم ، ولا مما كتب كتابنا ونظم شعراؤنا في العصور الغابرة . وهذه دعوي صادقة في جملتها ؛ ولكن الاستاذ قد حاد عن القصد حين قدر العامة والخاصة وأحصى القراء في البلاد العربية بالطريقة التي قدر بها وأحصى . قال : " إن الكتاب في العالم العربي يطبع منه الألف والألفان ، والجريدة والمجلة لا تتجاوزان ستين ألفا " وقال : " ومعنى ذلك ان القراء الذين يتغذون بالكتب والمجلات والصحف لا يتجاوزون
المائتي ألف ، إذا حسبنا أن الكتاب والمجلة يقرؤها أكثر من واحد " . فإن طردنا هذا القياس في الأمم الآخرى فإن الكتاب الإنجليزي يطبع منه خمسون أو مائة ألف ، وإن المجلة او الجريدة يطبع منها ثلاثمائة ألف او نحوها . " ومعنى ذلك ان القراء الذين يتغذون بالكتب والمجلات والصحف - في إنكلترا وأمريكا وأوستراليا وسائر الأقطار التي تتكلم الإنكليزية - لا يتجاوزون مليونا ومائتي ألف " . فهل يرضي الأستاذ هذه النتيجة ؟ ألا يراها " مرعبة مفزعة " كما قال . ويتصل بهذا الإفراط والغلو في الدعوى والتقدير قوله عقب هذا : " وليس هناك أمة حية على وجه الأرض الآن تشقي نصف هذا الشقاء ولا ربعه ؟ . هل وثق أستاذنا حقا أنه إذا نظر إلي أمم الأرض كلها في المشرق والمغرب ، وأحصى القراء والأميين في شرقي أوروبا وفي إيران وتركستان والهند والصين وجواة لا يجد أمة تشقي في هذا ربع شقاء الأمة العربية ؟ اليس هذا ضربا من الإسراف في الدعوي ، وتحكيم الغضب والثورة في الرأي كما قلت آنفا ؟ ! أنا راض بما يجيب به الأستاذ الكبير . إن في كل أمة جماعات تختلف ثقافتها ونزعاتها ، ولكل كتاب قراء ؛ فليس صوابا أن يقدر قراء أمة بعدد ما يطبع من نسخ كتاب أو مجلة أو جريدة .
ثم قال الأستاذ : " سبب هذه المصيبة العظمي في الأمم العربية شيئان : الأمية الفاشية الخ " ولا يخالف احد دعوة الأستاذ إلى محو الأمية ، بل نثور معه عليها وندعو إلي محاربتها جهدنا .
وبعد أن دعا إلى الثورة على الأمية قال : " والسبب الثاني أن لكل امة عربية لغتين ، لغة للكتابة والتأليف في العلوم والآداب ، ولغة للكلام في الشارع والمنزل والتعامل . والفرق بين اللغتين كبير " . ولست أخالف
الأستاذ في أن بين الكتابة والخطاب في البلاد العربية فروقا ، ولكن لا أجيز لنفسي أن أقول إن لنا لغتين . فالعامي الأمي يفهم ما يسمع من لغة الكتابة كله أو أكثره إن كان الموضوع قريبا إليه . والقرآن والحديث وخطب الجوامع والجرائد ، تقرأ على العامة فيفهمونها ، إلا إن كان الموضوع أعلي من عقولهم وأسمى من إدراكهم . ومنشورات الحكومات العربية تكتب باللغة الفصحي ويفهمها الناس دون مشقة . والصبي حين يذهب إلي المدرسة يسمع الدرس بلغة الكتابة أو ما يقرب منها ، ويقرأ دون حاجة إلي ترجمة من لغة الكتابة إلي لغة الخطاب ، ودون حاجة إلي التفسير إلا قليلا ، إن كان يقرا فيما عرف من قبل ، أو ما هو قريب من معرفته . وأكثر التفسير لا يرجع إلي اختلاف اللغة ، ولكن إلي المعاني التي يعلمها كما يشرح للطفل الانكليزي ألفاظ الموضوعات التي يتعلمها ؟ ولكن يبقي بعد هذا كله الفروق الواضحة بين لغة الكتابة ولغة الخطاب ، وهذا لا نجادل الأستاذ فيه . ولا ريب أنه على هذه الفروق التي نعترف بها حين قال إن لكل أمة عربية لغتين . فليس يعنينا كثيرا هذا الخلاف في التعبير ، والقصد بين .
وكان يسعني أن انظر إلي مقصده لا إلي عبارته ، وأقصد إلي الكلام في هذا القصد . ولكني جعلتها فرصة لرد ما يردده بعض الناس كلما دار الحديث في اللغة العربية واللغات العامية . سمعت كثيرا من يقول إن الصبي المصري يتعلم في المدارس لغات أوربية ، ويتعلم العربية وهي لغة اخري أجنبية يعلمها الطفل كما يعلم اللغات الأجنبية الآخرى. وهذا منكر من القول وزور ، لا يحوج دحضه إلى عناء . وفي الجملة التي قدمتها غني عن الجدال فيه.
) للكلام صلة (
