ذهبت لعيادة طبيب ، فإذا بعدة صحف ومجلات على منضدة صغيرة بحجرة الانتظار ، لفت نظرى بينها عدد قديم من جريدة " الأساس فتناولته . فإذا فى تضاعيفه مقال أدبى للأستاذ الكبير عباس محمود العقاد ، عنوانه " شعر العبيد " يقول فيه ما نصه :
" . وفى هذا الحبل نبغ نصيب مولى عبد العزيز ابن مروان . . وكان الشعراء الفحول فى عصره يقولون عنه إنه أشعر بنى جلدته ، لينزلوه فى منزلة دون التى يدعونها لأنفسهم ، وهى منزلة الشاعر الأول بين العرب ، فكان يقول لهم : نعم وأشعر الإنس والجن . . وهو القائل وقد أجاد :
وركب كأن الريح تطلب عندهم
لها ترة ، من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهى تلفهم
إلي شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارا يقولون : ليتها
وقد خصرت أيديهم . نار غالب
وشعره كله على هذه الطبقة من الجزالة . . الخ " وبهذا نسب الأستاذ العقاد هذه الأبيات الثلاثة إلى نصيب مولى عبد العزيز بن مروان ، غير أن المتصفح للجزء الأول من الشعر والشعراء " لابن قتيبة " تحقيق وشرح الأستاذ أحمد محمد شاكر " يجد هذا النص :
" . دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك وسليمان ولى عهد ، ونصيب عنده ؟ فقال سليمان أنشدنا يا أبا فراس ، وأراد أن ينشده بعض ما امتدحه به . فأنشده :
وركب كأن الريح تطلب منهم
لها سلبا ، من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهى تلفهم
إلي شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارا يقولون : ليتها
وقد خصرت أيديهم . نار غالب
فغضب سليمان فأقبل على نصيب فقال أنشد مولاك يا نصيب ، فأنشد
أقول لركب صادرين لقيتهم
قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبرونى عن سليمان إننى
لمعروفه من أهل ودان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال سليمان : أحسنت ، وأمر له بصلة ، ولم يصل الفرزدق ، فخرج الفرزدق وهو يقول :
وخير الشعر أكرمه رجالا
وشر الشعر ما قال العبيد
هذا ثم جاء فى " الشعر والشعراء " وقد ورد كذلك فى " الكامل " وجاء أيضا فى " اللالىء " . والأبيات الثلاثة ذكرت ضمن قطعة من ستة أبيات ، بديوان الفرزدق . .
ومن كل هذا يتضح أن الأبيات الثلاثة المذكور والتى وردت فى مقال الأستاذ العقاد ، من شعر الفرزدق لا من شعر نصيب . . إلا إذا كان عند الأستاذ الكبير رأى آخر غاب عنا . وفى هذه الحال نرجوه الإفصاح شاكرين .
( بور سعيد )
