كتبت كلمة نقد لكتاب أبي هريرة سلكت فيها جادة الإنصاف، ووضعت توجيهاً جديداً لدراسة أبي هريرة دراسة عادلة، ولكن هذا لم يعجب صاحب الكتاب، ولم يعجب بعض إخواننا من الشيعة، فحملوا عليّ في بعض جرائدهم حملة ظالمة، وقد رد علي صاحب الكتاب بكلمة في الرسالة لم يأت فيها بشيء نحو ذلك التوجيه الجديد في دراسة أبي هريرة، ولم يجد فيما يأخذه عليّ إلا إسناد حديث دخول أبي هريرة على رقية إلى محمد بن خالد بن عثمان، وقد كنت ذكرت معه بعض أسماء من كان يضع الأحاديث على أبي هريرة، فسقط في الطبع بعض هذه الأسماء، وترتب على هذا إسناد ذلك الحديث إلى محمد بن خالد. والحقيقة إنه من وضع غيره لا من وضعه، وقد ورد هذا الحديث بروايتين في مستدرك الحاكم، جاء في إحداهما محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، وهو من الضعفاء، والمطلب بن عبد الله، وهو من الضعفاء أيضا، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد ضعفه النسائي والبخاري.
وجاء في الرواية الثانية عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، وهو قصاص لا يعتمد عليه، وقد ذكر أحمد بن حنبل إنه كان يكذب على وهب بن منبه، وذكر البخاري أنه ذاهب الحديث فلم يبق إلا تصحيح الحاكم لسند هذا الحديث، ولا شك أن تصحيحه له يشمل أبا هريرة أيضا، فلا يصح لصاحب كتاب أبي هريرة أن يعتمد عليه في رأيه فيه، وقد قال الحاكم عقب هذا الحديث: ولا أشك أن أبا هريرة رحمه الله تعالى روى هذا الحديث عن متقدم من الصحابة أنه دخل على رقية رضي الله عنها، لكني قد طلبته جهدي فلم أجده في الوقت، وهذا هو الإنصاف الذي يجب أن يدرس به أبو هريرة وغيره.
وقد جاءني من حضرة الفاضل الشيخ عبد الرحمن الجمجموني إنه وجد هذا الحديث في كتاب التاريخ الصغير للبخاري (١٠٠) وأنه ذكر إسناده إلى المطلب بن عبد الله عن أبي هريرة، ثم قال: ولا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة، ولا تقوم به الحجة، فأعَّله بالانقطاع. وقد ذكر هذا الأستاذ الفاضل أن الحاكم يروي في كتبه ما لا يعقل، وقد طعن في بعض أحاديثه الإمام السيوطي في كتابه (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وكذلك طعن فيه صاحب كتاب (الصارم المنكى) . وذكر الشيخ عبد العزيز الخولي في كتابه (مفتاح السنة) أن في المستدرك للحاكم كثيرا من الموضوعات، وطعن فيه صاحب المنار في المجلد السادس منها، والشيخ طاهر الجزائري في كتابه (توجيه النظر إلى أصول الأثر) وما كان أحرى صاحب كتاب أبي هريرة أن يتناول دراسته بهذا التوسع الذي يجده في دراسة هذا الحديث، ويثبت منه أنه موضوع على أبي هريرة، لا إن أبا هريرة هو الذي وضعه على النبي صلى الله عليه وسلم.

