عرض الدكتور زكي مبارك عند حديثه عن كتاب(قادة الفكر) لمناقشة الرأي القائل بأن(الثقافة اليونانية هي مصدر الثقافة الإنسانية، وأن الناس في الشرق والغرب وفي جميع الأجيال مدينون لثقافة اليونان) . وقد انتهى الدكتور من حديثه إلى تقرير أن (الفلسفة اليونانية منقولة عن الفلسفة المصرية) ؛ وهذه النتيجة التي انتهى إليها، وأن كانت صحيحة على وجه العموم، إلا أنها تحتاج إلى شيء من الإيضاح
أما بيان ذلك فهو أن أرسطو قد أرجع أصل الفلسفة إلى اليونان حين قرر أن طاليس هو الفيلسوف الأول الذي نشأت على يديه (في القرن السادس قبل الميلاد) أول فلسفة عرفها التاريخ؛ ولكن ذيوجانس اللائرسي - وهو من المؤرخين اليونانيين - عارض في هذا الرأي، فتحدث في مقدمة كتابه الموسوم باسم (حياة الفلاسفة) عن وجود فلسفة سابقة للفلسفة اليونانية عند الفرس والمصريين. وعلى ذلك فإن مشكلة أصل الفلسفة قد اختلف فيها من قديم الزمان، وتبعاً لذلك فقد تساءل الباحثون: هل كانت الفلسفة شيئاً استحدثه اليونان أم تراثاً انتقل إليهم من (البرابرة) ؟
بيد أن النتائج التي انتهى إليها الباحثون أخيراً قد رجحت الرأي الثاني، إذ أن الكشف عن وجود حضارات سابقة
للحضارة اليونانية، كالحضارة العراقية (فيما بين النهرين) والحضارة المصرية، والتحقق من أن مدن أيونيه - وهي مهد الفلسفة اليونانية - قد كانت على اتصال بهاتين الحضارتين؛ كل هذا قد ساعد على ترجيح الرأي القائل بأن الشرق هو أصل الحضارة اليونانية. ولا يمكن أن يكون التشابه القائم بين قول طاليس بأن الماء أصل الأشياء وبين العبارات الواردة في فاتحة (قصيدة الخلق) poem de ia creation التي كتبت في العراق قبل ذلك بقرون كثيرة، راجعاً إلى مجرد الاتفاق والصدفة. هذا إلى أن البحوث المتأخرة في الرياضيات وتاريخ نشأتها، قد تأدت بالباحثين إلى نتائج مماثلة: إذ أن جاستون مليو في كتابه: G Mihaud : (دراسات جديدة في تاريخ التفكير العلمي) قد انتهى إلى القول بأن (المواد التي استطاع الشرقيون والمصريون أن يجمعوها في الرياضيات، كانت بلا شك أكثر أهمية وأوفر غنى مما كنا نتوهم منذ نحو عشر سنين) . وفضلاً عن ذلك فإن علماء الاجتماع الذين قاموا بدراسة (العقلية البدائية) قد وجدوا في الفلسفة اليونانية آثاراً تدلنا على أن المذاهب الفلسفية الأولى لليونان لا يمكن بحال ما من الأحوال أن تكون بدائية أولية، وعلى ذلك فإنها لا بد أن تكون صورة مهذبة ناضجة لتفكير أكثر من ذلك عراقة وقدما. وإذن فإن من المرجح أن تكون الفلسفة اليونانية قد نشأت عن أصل شرقي، وأن يكون الفلاسفة اليونانيون الأولون منظمين ومعدلين، لا مخترعين ومبتدعين (1)

