منذ سنين اعتدت أن أسمع من الدكتور عزيز سوريال عطية ، استاذ تاريخ العصور الوسطى الأوربية بجامعة فاروق الأول ، وعدا بأنه سينشر كتابا عربيا يأخذ فيه بأصول النشر العلمية كما وضعها الألمان أنفسهم أخذا دقيقا يجب أن يحتذي ؛ ولهذا نشطت همتي إلي الاطلاع على كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي الوزير الأيوبي المتوفي سنة 606 هـ 1206 م ، وقد نشرة أخيرا الأستاذ الفاضل ، وطبعته الجمعية الزراعية الملكية بإشارة صاحب السمو المغفور له الأمير عمر طوسون .
وإنه وإن كان يحلو لي أن أمتدح كل جهد ، وبخاصة جهدا يبذل في النشر الذي أعلم ما فيه من مشقة لا يقدرها جمهور المثقفين قدرها الحق ، إلا أنني لا أستطيع أن أقر الدكتور سوريال على المبادئ التي صدر عنها ، وكنت أتوقع منه أكثر مما يعرض علينا اليوم . ولما كانت قواعد النشر من المسائل الجوهرية في حياتنا العلمية الراهنة ، ونحن على أبواب نهضة إحدي دعائمها الأساسية نشر تراثنا العربي القديم ، فإنني لا أري بدا من مناقشة هذه المبادئ على نحو مفصل ، حتى نستقر على ما يجب أن نأخذ به فيما نريد نشره
اعتمد الدكتور سوريال في نشر الكتاب على أمرين : ) 1( المصادر المباشرة ، وهي مخطوطات الكتاب ، وقد أخبرنا في مقدمته بما جمع منها ) 2( المصادر غير المباشرة ، وهي الفقرات التي أخذها المؤلفون اللاحقون عن ابن مماتي
وأوردوها في كتبهم في معرض الاستشهاد أو الاستدلال وهذه المصادر لم يدرسها الناشر في مقدمته ولا حدد قيمتها ، ولكنه انتفع بها فعلا في بعض هوامشه ، وإن يكن انتفاعا ناقصا كما سنري .
إلي هنا نقر الناشر ، إذ من البديهي أننا لا نملك غير هذين المصدرين للنشر ، وذلك مع التحفظ الذي أوردناه من عدم دراسته المصادر غير المباشرة دراسة عامة في مقدمته . ولكننا نخالفه في طريقة انتفاعه بهذين المصدرين ، ومن ثم نخالفه في كل شىء ؛ ولتوضيح هذا الخلاف نتحدث عن كل مصدر .
المصادر المباشرة وأنواعها :
ليس من شك في أن أول عمل للناشر هو جمع المخطوطات المختلفة ، وهذه عملية مادية تنتهي بحيازة تلك المخطوطات أو استنساخها أو تصويرها ، وبعد ذلك تبدأ عملية " تسلسل المخطوطات " ) ?(?? - وهذه العملية هي الأساس الأول لكل نشر علمي صحيح ، وذلك لأنه من واجب الناشر أن يميز بين ثلاثة أنواع من المخطوطات ؛
1- تحريرات الكتاب المختلفة )versions ( ، وذلك لما هو معروف من أن كثيرا من المؤلفين يعودون إلي كتبهم بالتعديل والتنقيح ، والزيادة والنقص ، فمن واجب الناشر أن يميز بين التحريرات المختلفة للكتاب الواحد ، وأن يسلسلها سلسلة زمنية ما استطاع إلي ذلك سبيلا وفي اللغة الفرنسية مثل رائع لمثل هذا العمل العلمي الجليل ، وهو ما فعله الأستاذ فيلي villey في نشره لمقالات الفيلسوف الفرنسي مونتين montaigne
2- مجموعات الكتاب المختلفة ) recension( ونعني بها تلك الحالات التي لا يصل إلينا فيها الكتاب كما حرره مؤلفه ، إما لأنه لم يكتبه هو بنفسه بل ألفه شفويا ، وهذه حالة الملاحم القديمة : كملاحم هوميروس التي لم تدون إلا بعد
موت الشاعر بقرون ، وحالة الشعر العربي القديم كالمعلقات وغيرها ؛ وإما لأن الكتاب لم تصلنا منه إلا مختصرات يتفاوت بعضها عن بعض طولا وقصرا . وفي هذه الحالات من واجب الناشر أن يميز بين كل مجموعة
3- النسخ المختلفة )copies ( وهذه من الواجب أن نميز بين ما هو بخط المؤلف وما هو بخط الناسخ ، ومن بين نسخ النساخ نميز ما هو نسخ من التحريرات والمجموعات المختلفة وبين ما هو نسخ من نسخ واحدة ، ثم نسلسلها تاريخيا ما استطعنا
والدكتور سوريال قد كانت لديه كل الوسائل ليقيم " تسلسل المخطوطات " على أصح نحو ؛ ولقد فطن إلي شىء يشبه هذا التسلسل ، ولكنه استخدمه استخداما غريبا . فهو يقسم مخطوطاته إلي ثلاثة أقسام : يضع في القسم الأول منها مخطوطات مكاتب غوطة ، وإستانبول ، والقاهرة ؛ وفي الثاني مخطوطي باريس ، ولندرة ؛ وفي الثالث مخطوطى الأزهر ، ومعهد دمياط . وهو ينبهنا إلي أن " نسخ القسم الأول ترجع إلي أصل اقدم من الأصل الذي أخذ منه ناسخو المجموعة الثانية ، بدليل ما ورد في مقدمة نصوص القسم الأول من الإشارة إلي - الدولة الملكية الناصرية السلطانية الصلاحية ؛ بينما يشير الكاتب في نسخة لندرة إلي - الدولة العزيزية وإذن فأصل القسم الأول من عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي ) 564-509 هـ- 1169-1193م ( ، وأصل القسم الثاني جاء في عهد خليفته الملك العزيز عماد الدين . " )م 1193-1198 589-595 هـ(
وهذه النصوص قاطعة في أن ابن مماتي قد حرر كتابه مرتين : مرة لصلاح الدين ، ومرة للعزيز عماد الدين . ونستطيع أن نضيف إليها نصوصا أخرى تقطع بنفس الحقيقة ، منها أن المؤلف في طبعة الدكتور سوريال يقول ص 345متحدثا عن صلاح الدين : ) ورد علي كتاب كريم ناصري بأن... أفعل كذا وكذا ( ، بينما يقول
في نفس العدد في طبعة الوطن ) ? ( : " فإنه كان ورد على كتاب كريم من السلطان رضي الله عنه ، وسقي عهده ، وروض لحده - بأن أفعل كذا وكذا " ، وهذا يدل كما هو واضح على أن ابن مماتي قد حرر كتابه كما قلنا مرتين ؛ مرة وصلاح الدين حي ، ومرة بعد موته ؛ كما يدل على أن طبعة الوطن مأخودة عن نسخة من القسم الثاني أو ما يماثلها .
وإذن فمن المؤكد أن كتاب " قوانين الدواوين " قد حرر مرتين ، وفي هذه الحالة ما هو التحرير الذي يجب على الناشر أن يعتمد عليه أولا ؟ أليس من البديهي أن يكون اعتماده على التحرير الأخير الذي نقحة المؤلف كما يري ، أو على الأقل أما يجب على الناشر ألا يغفل هذا التحرير إذا فضل التحرير الأول وبصرنا بأسباب هذا التفضيل ؟ ! ومع ذلك يخبرنا الدكتور سوريال أنه قد اعتمد بنوع خاص على نسخة من مكتبة غوطة ، لأنها - فيما يرجح - " أقدم عهدا من بقية المخطوطات الأخرى ؛ وهذا سبب عجيب للتفضيل ، فالقدم في النسخ يأخذ به العلماء عندما تكون تلك النسخ عن تحرير واحد للكتاب ، وأما عند ما تكون لدينا نسخ عن تحريرين مختلفين . فمن الواجب ، كما يجمع العلماء ، أن نأخذ بالنسخ المخطوطة عن التحرير الأخير ، أو على الأقل أن نجمع بينهما كما قلنا . ولقد كان لتصرفات الناشر على هذا النحو غير المقبول نتائج خطيرة على النص ، ولو أنه اهتم بمخطوطات القسم الثاني اهتمامه بمخطوط غوطة لتجنب تلك النتائج التي يؤسف لها . بل لقد كان باستطاعته أن يتدارك كل شىء لو أنه لم يحتقر طبعة الوطن المأخوذة عن القسم الثاني كما قلنا ، ولم يحاول أن يزري بها كما فعل في مقدمته ، وإليك مثالين لما نشير إليه ؛
المستخدمون وعددهم:
في الباب الثالث من طبعة الوطن ) ص 10( يتحدث المؤلف عن المستخدمين من حملة الأقلام ، فيذكر أن عددهم ثمانية عشر ، واما في طبعة الدكتور سوريال فيقول نفس المؤلف في الباب الثامن ) ص 298( المقابل للباب الثالث في الطبعة السابقة ؛ إن " المستخدمين من حملة الأقلام لا يتجاوزون سبعة عشر رجلا ، ومع أن الدكتور سوريال قد أخبرنا في مقدمته أنه قد " أثبت في الحواشي جميع الاختلافات " ) ص 41( ، ومع أنه قد أثقل حواشيه بأشياء كثيرة تافهة لا نري ضرورة لها ، إلا أنه لم يثبت هذا الاختلاف الخطير ، مع أن طبعة الوطن قد أوردت بالفعل اسم المستخدم الثامن عشر ، وهو الضامن وعرفته في خمسة أسطر بآخر الفصل ) ص 10(
جراج البهنة :
يستطيع القارئ إن يراجع ما ورد في طبعة الوطن ( ص 17 ) عن هذا الحراج وما ورد عنه في طبعة الدكتور سوريال ( ص 245 ) ، ليرى أن نص الطبعة الأولى أطول بعدة أسطر عن نص الطبعة الثانية ، ومع ذلك لم يثبت الناشر الحديث هذا الاختلاف الجوهري في حواشيه ، مع أنه أثبت مالا يحصى مما يسميه العلماء " محار النساخ " ( Coquiles des copistes ) ويهملونه بالإجماع .
هذان مثالان كبيران لما ينشأ عن عدم الدقة في إقامة تسلسل المخطوطات وتقديرها حق قدرها ، وهو عيب لاريب جد خطير .
ونحن بعد لا نريد أن نسهب في التفاصيل ، مكتفين بأن نتخذ مما فعله الدكتور سوريال مثلا نضعه أمام الناشرين ، معتقدين أنهم سيقروننا جميعا على أهمية ما سميناه كما يسميه علماء الغرب "تسلسل المخطوطات" ووضعها في مواضعها تبعا للنظام الذي بسطناه ، فهذا العمل هو مفتاح النشر ، وهو السبيل الوحيدة لتجنب ما أشرنا إليه من خطر على ما ننشر
المصادر غير المباشرة:
قلنا إن الدكتور سوريال قد استخدم المصادر غير المباشرة في بعض حواشيه ، وإن لم يدرسها في مقدمته كما كنا نتوقع ؛ ومع ذلك فقد كان من واجبه أن يستخدم تلك المصادر في تصحيح النص استخداما أوسع وأكمل مما فعل ، فمن المعروف أن المقريزي والقلقشندي قد أخذا الكثير عن كتاب " قوانين الدواوين لابن مماتي " ولما كانت مخطوطات ابن مماتي مضطربة في غير موضع كما يقول الناشر ، فقد كان حتما عليه أن يجهد نفسه في البحث عن جميع ما نقله هذان المؤلفان عن ابن مماتي ليكون عمله عملا علميا بمعنى الكلمة ، وله في علماء الغرب ، بل والشرق ، أسوة حسنة ، ولو أنه فعل لما رأيناه يكتفى بنسخ بعض الفقرات في طبعته ويتركها كما هي غير مفهومة ولا قابلة للفهم ، مع أن عمل الناشر الأول هو أن يقدم إلينا نصا يمكن فهمه ، وبهذا فقط يتميز الناشر عن الناسخ . خذ لذلك مثلا في ص 82: ) قال : وأمرت غلاما لي ، أحضر لي من فكاهين ) كذا ( القاهرة الورد ، والنرجس والبنفسج ، والياسمين ، والحرير ، ) كذا ( الذي يسمي المنثور ، والمرسين ، والريحان ، والسوسان ، والطلع . والبلح ، والجمار ، والخيار ، والبطيخ الأخضر ، والباقلا والتفاح ، والفقوس ، والأترنج ، والنارنج ، والأسيا ، والليمون إلخ " ولو أنه رجع إلي صبح الأعشي : ) جـ3 ص 309( لاستغني عن " كذا " أو اثنين مما يورد هنا ، والكتاب كله ملىء بـ) كذا ( والحمد لله كما سنري ؛ فقد قال صاحب الصبح : " قال المهذب ابن مماتي في قوانين الدواوين : بعثت غلاما لي ليحضر من فكاهي القاهرة ما وجد بها من أنواع الفاكهة والرياحين ، فأحضر لى منها الورد ، والنرجس ، والبنفسج ، والياسمين ، والمنثور والمارسين . . إلخ " ومع ذلك لم يشر الناشر إلي هذا النص لا في المتن ولا في الهوامش
من هنا نري أن الناشر الفاضل لم يبذل ما كنا ننتظره منه من جهد في خدمة النص بفضل المصادر غير المباشرة ، وإذا أضفنا هذا التقصير إلي ما رأينا في حديثنا عن المصادر المباشرة ، أدركنا أن طبعة الدكتور سوريال لا تزال في الواقع محتاجة إلي نشر جديد أصح من نشرها الحالي
وكل هذا بفرض ان الناشر قد بذل ما يجب من جهد في قراءة النص قراءة صحيحة ، حتى يعتبر عمله نشرا لا نسخا ، ولكن كيف يكون الحكم إذا لاحظنا أن الناشر الفاضل قد انتهج في نشره خطة لم نسمع أن أحدا قال بها ، فترك النص كما هو ، وذلك فيما يقول " محافظة منه على أسلوبه الأثري " وهذا قول لا نقبله أصلا : ولا بد لإيضاحه من مقال آخر

