الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 300 الرجوع إلى "الرسالة"

حول إنسانية الرسول

Share

قد قرأت ما كتب الدكتور زكي مبارك في إنسانية الرسول  في العدد 297 من الرسالة الغراء، وقرأت ما عقب به الأستاذ  عبد المتعال الصعيدي في العدد 298، فوجدت كلا منهما قد غلب  على قلمه فغالى فأخطأ. ومغالاة الأستاذ الصعيدي وخطؤه على قلته  أعجب عندي من مغالاة الدكتور زكي مبارك وخطئه على كثره.

فالدكتور لم يتضلع من علم الأزهر ولا من فقه الإسلام وإن كان  قد تقدم للعالمية المؤقتة منذ عامين. والقدر الذي عرفه في الأزهر  أيام كان أزهريّاً قد عفت عليه السنون الكثيرة التي قضاها خارج  الأزهر في جوه غير جوه الديني، بين القاهرة وباريس. ومن هنا  الغلطة التي أخذها عليه الأستاذ عبد المتعال الصعيدي من تصويره  شخصية الرسول غير مدروسة حق الدرس في البيئات الإسلامية.

ومن هنا المعاني الشاذة الأخرى التي يعرفها القارئ في لحن مقاله  مما لا يسنده فيه كتاب ولا سنة ولا عقل: من نحو أن النبوة  تكتسب، وأن وحي السماء ينزل على قلب الانسان كل آن لو وعاه كانما الوحى الذى كان ينزل على الرسول صلوات الله عليه هو من  هذا الذي يسميه الدكتور وحيا يهبط كل وقت من السماء!

هذا وأمثاله ليس غريباً أن يقع فيه مثل الدكتور زكي مبارك  لأنه لم يقل هذا لقال كما تقول جماعة المسلمين. ولكن الغريب  أن يقول الأستاذ عبد المتعال الصعيدي في خطابه: "والذي  يعرفه المسلمون جميعا أن الوحي لم يكن له مع النبي ﷺ  شأن في أمور الدنيا). هذا غريب من القول فيه غلو كبير  من غير شك، وعبارته من غير شك أعم كثيراً من المعنى الذي  إليه قصد. فتأبير النحل الذي ضربه مثلا ليس هو كل أمور  الدنيا، ولا هو مثال لأهم أمور الدنيا، وإنما هو مثال لدنيا الناس  التي يعرفونها بالتجربة من نحو حرث وزرع وسقي وصناعة، فهذه  لم يأت الدين ليعلمهم إياها وإنما وجههم إلى البحث فيها ووكلهم  في التفاصيل إلى نتائج بحثهم وتجاربهم. أما غير هذا النوع من .

أمور الدنيا فالإسلام قد هدى الإنسان فيه، وهداه فيه بالوحي،  كما يعرف الأستاذ من الآيات الكثيرة المتعلقة بالأحكام في القرآن.

فليست هناك ناحية من نواحي الحياة إلا وقد شملها الإسلام بهديه  ووحيه حتى ما يأكل الإنسان وما لا يأكل، وما يشرب وما لا  يشرب، وما يلبس وما لا يلبس، وما يبدي من جسده وزينته  وما لا يبدي، وحتى الاستئذان قبل الدخول والسلام عند الدخول  لم يهمل الإسلام تأديب الإنسان فيه. فإذا كانت هذه الأمور  وأمثالها ليست من أمور الدنيا فما هي أمور الدنيا يا ترى؟

إن الأمثلة التي ساقها الأستاذ في خطابه على أنها من أمور  الدين أكثرها من هذا القبيل كعتاب الله سبحانه لرسوله في إذنه  في غزوة تبوك لبعض من استأذنه من المنافقين في القعود، وفي  قبوله الفدية ممن قبل منهم من أسرى بدر. هذا كله من أمور  الدنيا في الصميم. وإذا لم يكن القتال وأموره من أمور الدنيا فماذا  يكون؟ طبعاً هذا كله أيضاً من أمور الدين، وهذا بالضبط هو الدليل  الذي لا ينقض على أن أمور الدنيا في الإسلام جزء من أمور الدين بقيت نقطة في خطاب الأستاذ كان يحسن أن يحتاط لها  فيستتمها ولا يتركها كما تركها. فقد قال إن أكثر العلماء جوّزوا

على النبي صلوات الله عليه الاجتهاد في أمور الدين بدون الوحي  (وجوزوا عليه الخطأ فيها أيضاً) وسكت عند هذا. ولا عند  هذا يكون السكوت، فإن إطلاق القول هكذا يوهم أن كثرة  العلماء أو قلتهم ترى أن بعض أحكام الدين التي جاءتنا عن الرسول.  يجوز أن تكون في ذاتها. هذا هو لازم القول بعدم الخطأ  على النبي في الاجتهاد من غير تنبيه إلى الحقيقة الكبرى وهي إنه  ما من خطأ اجتهادي وقع فيه النبي إلاوقد نبهه إليه الوحى وصحصحه له ومن هنا الأمثلة غير الكثيرة التي عاتب الله فيها رسوله  في القرآن. فكل ما لم يعاتب فيه النبي، وكل ما لم ينتبه هو  ﷺ الناس إلى خلافه هو من الدين طبق مراد الله سبحانه، وإلا لأرشد  سبحانه نبيه ورسوله إلى الصواب فيه

هذا ما نرى أن الأستاذ الصعيدي كان عليه أن يحتاط فيه  للناس فينبه إليه حين كتب ذلك الخطاب. والسلام على الأستاذ.

اشترك في نشرتنا البريدية