الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 56الرجوع إلى "الثقافة"

حول إنصاف الفلاح ايضا

Share

أثار ما نشرته " الثقافة " حول إنصاف الفلاح ، اهتماما في بعض الدوائر . وأدي هذا الاهتمام إلي مناقشة دعتني إلي كتابة هذه الكلمة تنويرا للبحث والحديث في هذا الموضوع الخطير.

أما المناقشة فتناولت النفط الثلاث الآتية : أولا - أن وضع حد أعلي لايجار الأراضي الزراعية على أساس التقدير الرسمي للقيمة الإيجارية لهذه الأراضي ، يؤدي إلي مباشرة الملاك الزراعة رأسا دون التأجير . وبذا تلحق الضرر بصغار الزراع من حيث أردنا بهم النفع ، فالمالك إنما يؤجر لأن فيات الإيجار المرتفعة تغرية

ثانيا ان هذا التحديد يضر بالفلاح المستأجر في حالة حصول ضرر بالغ من فيضان مكتسح أو جفاف يؤدي إلي الجدب ويضر بالملاك إذا ارتفعت قيمة الحاصلات الزراعية ، لظروف طارئة ، ارتفاعا عظيما كما حصل في بعض السنين .

ثالثا أن تحديد حد أعلى للإيجار ، يؤدي إلي التوازن الداخلي . ولكن تبقى الحاصلات الزراعية منخفضة القيمة ، فتباع بثمن بخس ويبقي الزراع والمستأجرون عبيدا للمستهلكين وخصوصا لرأس المال الأجنبي ، وهو المسيطر علي السوق المصرية .

علاج الحاله الاولي وهي الزراعية رأسا :

هذه في الواقع ليست مسألة . فحلها الطبيعى وضع حد أدنى لأجور عمال الزراعة ، تتفق وحاجة الإنسان المصري الضرورية ، وهذا الحد الأدني يجب أن يحاط بما

يمنع الاتفاق الصوري للهرب من تطبيقه . وقد حددت الأمم الغربية من قبل أجور العمال على نفس الأسس . فمن السهل الاسترشاد عما فعلوا مع مراعاة اختلاف نفقات العيش . وإذا ما تحقق هذا واستخدم المستأجرون عمال زراعة ، وهو ما لابد منه ، تحقق الغرض الأصلي وهو حصول سواد سكان مصر علي ما يكفي العيش اللائق بالإنسان في هذا العصر . وسواء عندنا أتحقق القصد عن طريق وضع حد اعلي لأجور الأراضي الزراعية ، أم عن طريق وضع حد أدنى لأجور عمال الزراعة . والمبرر الاجتماعي والإنساني واحد في الحالتين ، فمن حق كل مواطن على الجماعة أن يجد في نظامها ما يكفل له العيش الكفاف للائق بالإنسان ، بشرط أن يعمل له .

ومع هذا فان ما يخشاه أصحاب الرأي الذي نناقشه وهم فمن الثابت أن كثيرا من كبار الملاك لا يستطيعون زراعة أملاكهم بالذات والزراعة بالواسطة تكلف اكثر ونقل اقل من الزراعة بالذات ، للأسراف من جهة وللضياع من جهة أخري . ولا يصح أن نسقط من حسابنا قلة الدرايه وقلة المران ، واشتغال كثير من الملاك تنهن أخري غير الزراعة.

ومن الأمثلة على صحة هذا القول ما نقله مصلحة الأملاك ووزارة الأوقاف ، فالمطلع على ميزانية الدولة موازنا بين نفقات مصلحة الاملاك وإيراداتها ، مع حذف الاصلاح ، يدرك بسهولة ما أقرر .

وأعرف أن ماليا كبيرا موفقا في أعماله ، اشتري أرضا وباشر زراعتها . وقد أخبرني المباشر لعمله أن

المنصرف أكثر من الإيراد باستمرار . فاضطر هذا المباشر إلي تأجير ما يمكن تأجيره وعمل على اجتذاب كثير من عائلات المنوفية إلي البحيرة ليستأجروا بأجور دون القيمة الإيجارية في تلك المنطقة.

علاج الحاله الثانيه :

وأما الحالة الثانية ، وهي ضرر التحديد في حالات الغرق أو الشرق أو ارتفاع الأثمان ارتفاعا غير عادي في ظروف طارئة ، فيمكن علاجها بأن يضع الشارع بعض التحفظات ، فيمكن مثلا النص على أنه في حالات الغرق والشرق كبير الأثر في كمية المحصول ، يخفض مقدار من الإيجار إذا تجاوز الضرر حد معينا ، كذلك يمكن النص على انه في حالة زيادة اثمان المحاصيل الرئيسية ، في ظروف استثنائية ، فوق حد معين ، يشترك المالك والمستأجر في الربح العرضي علي أساس يحدد .

علاج الحالة الثالثه

أما علاج الحالة الثالثة وهي هبوط قيم الحاصلات الزراعية في ذاتها وبالمقارنه إلي المبادلات مع الخارج ، فمسألة مهمة يقتضي علاجها عناية كبري . نعم إن هبوط أثمان كثير من الحاصلات الزراعية وكثير من منتجات الصناعة مسألة المسائل في هذا العصر . ونقطة الضعف هذه هي النقطة التي يهاجم منها الاشتراكيون النظام الراسمالي السائد في هذا العصر الحديث . فنظام يجوع فيه عدد كبير من الناس لعدم القدرة على الشراء ، وتعدم فيه كميات من إنتاج البشر ، لعدم وجود الثمن المناسب ولتقليل العرض - هذا النظام لا يخلو من عيب .

لكن الذي يشاهد بمصر أن هبوط الحاصلات الزراعية ذو أثر يوشك أن يكون مدمرا لسببين : الأول أن التمويل

في مصر في يد الأجنبي الذي يشتري ما تنتج ، وفي نفس الوقت يبيع ما تستهلك ، وهو الذي يقوم بالوساطة وينقل الحاصلات ويملك جل شركات التأمين . أما السبب الثاني فهو عدم تنويع الحاصلات تنويعا يمنع الضرر أو يقلله لأن التنويع يساعد على التوازن فيسد رواج بعض الحاصلات كساد البعض الآخر

إن المسألة بمصر يمكن أن تحل كما حلت الدانمرك مشكلة مماثلة . إن القطن عندنا هو المحصول الرئيسي ، كما كان محصول القمح المحصول الرئيسي بالدانمرك من قبل وقد حصل بتلك البلاد في أواخر القرن الماضي أن هبطت أثمان محصولها الرئيسي وهو القمح ، فكانت أثمانه في الموانيء الدانمركية أعلى من أثمان القمح الأجنبي بنفس الموانيء فسارعت إلي تحويل حقول القمح إلي مراع ، ومارست تربية الماشية والدواجن ، وربحت من بيع الزبد والجبن والبيض واللحوم ونحوها ، اكثر مما كانت تربح من القمح في أحسن مواسمه غلة ورواجا ، ولكن يجب أن تذكر أن اهم عوامل النجاح عندها قيام الإنتاج ، وما يلزم من الاستهلاك في سبيل الإنتاج ، على أسس تعاونية سليمة قوية.

والذي نجح به غيرنا يمكن أن ننجح باتباعه ، فلننوع الحاصلات معتمدين على ما لا يتعرض للصعود والهبوط الكثيرين وهو قوت الإنسان . وبلدنا زراعي يساعد على هذا ، وموقعنا الجغرافي يهون امر التصريف ، ولنمارس الصناعة ، والزراعية منها خاصة ، جنبا إلي جنب مع الزراعة ، فالزراعة وحدها لا تكفي شعبا يريد أن يتحرر من معيشة العبيد . ولكي نستفيد الفائدة الكاملة يجب أن تملك رأس المال وأدوات الانتاج والنقل ، وان نلغي أو نقلل إلي أقصى حد هذه الوساطة

فبامتلاك رأس المال نوفر الفائدة . وبامتلاك أدوات

الانتاج وأدوات النقل نزيد في الأرباح . وبتقليل الوساطة نضيف كثيرا من الثمن إلي جيب المنتج . وكل هذا ممكن تحقيقه بالتدبير الحكيم والأستمرار والصبر ، إذا عممنا نظام التعاون وتعهدناء بالدعاية الصالحة والإرشاد والتقويم ، واتخذناه أساسا للاقتصاد المصري

ولما كانت تجربة التعاون عندنا ، من سنة ١٩٠٨ للان غير ناجحة ، فإني سأحاول فيما يلى بيان اسباب العلة ووصف العلاج الشافي . وسيري القارئ أنه قريب المنال بالعزم والحزم ورعاية المصلحة العامة قبل غيرها .

لماذا فشل التعاون في مصر الان

بدأت الحركة التعاونية في مصر من سنة ١٩٠٨ لكنها للآن لم تخط خطوة تذكر . ومن أسباب البطء جهل الكافة ، وإهمال الخاصة ، وضعف الخلق بوجه عام . على أن السبب الأصلي هو أن الحركة التعاونية عندنا لا تزال في الغالب رسمية يعمل لها الموظفون ، والموظفون بوجه عام لا يقومون بواجبهم على ما ينبغي

ولا أمل في نجاح التعاون عندنا النجاح المرجو ما لم يقم من خاصتنا وكبار رجالنا المفكرين الأحرار تفر يدعون إليه متطوعين روادا يطوفون جميع أنحاء البلاد . أما ترك الأمر كله لعمال الحكومة وحدهم يكتفون بأداء واجبائهم بصفة شكلية وبغير روح ، ويتعرضون لبطء الإجرات الحكومية تارة ولجمودها تارة اخري فلا يغني ولا يقدم .

إن سوء استخدام القروض التعاونية الزراعية وسوء توزيعها وصعوبة وبطء تحصيلها ، لا ترجع إلي جهل الفلاح بقدر ما ترجع إلي ضعف الإشراف والإرشاد ، لأنهما في وقتنا هذا - خارجيان لا ذاتيان . ودليلنا على هذا نجاح بعض الجمعيات التعاونية ، لا لأن الوسط أرقي ، ولكن لأن بعض الأعضاء أشربوا روح التعاون فيثوها في الهيئة فاستمدت منها الحياة والرشاد .

وفوق هذا فان صعوبة التمويل ، لفقر السواد الأعظم من القرويين وتزوج معظم كبار الملاك بعيدين عن أملا كهم غير مهتمين بقراهم ، غلت أيدي انصار التعاون المخلصين من رجال الحكومة وعطلت جهودهم ، لأن هذه الجهود لا تقابل بروح تعاونية كالتي أوحت بها ، ولكن ببطء الإجراءآت الحكومية وجمودها ؛ فالعمدة علي التمويل مركزة تقريبا في الحكومة ؛ وهذه نقلت الوساطة بينها وبين الأهالي من بنك مصر إلي بنك التسليف الزراعي ؛ وهذا الأخير مؤسسة شبه حكومية ؛ وهي على كل حال مؤسسة رأسمالية

فربط مصير التعاون بهذه الهيئة الراسمالية هو التناقض بعينه ؛ هذا إلي أن المال المخصص أقل من اللازم .

من هذا الاستعراض السريع يظهر للقارئ أن علة ركود حركة التعاون عندنا ناشئة أولا عن ان الاهتمام به مقصور على رجال الحكومة . وثانيا عن ضعف وسائل التمويل ومناقضة نظمه للنظم التعاونية وأسسها ووسائلها

ولا سبيل إلي القضاء على السبب الأول إلا باهتمام الزراع الكبار والمستدبرين من أهل القري .

أما الأمر الثاني فنعالجه فيما يلي :

صعوبة التمويل وكيف تعالج :

ولكي يكون مقصدي جليا أسارع إلي القول بأن التمويل الذي أشير إليه لا يمكن أن يكفيه نصف المليون جنيه المخصص لهذا الغرض من جانب الخزانة العامة ، يضاف إليه مثله قيمة الاكتتابات التي يدفعها أعضاء الجمعيات التعاونية التي تسجل ؛ فعدم توزيع الثروة بمصر ، وفقر صغار الزراع فقرأ مدفعا يجعلهم يعيشون عيشة الحرمان ، وكون السوق المصرية مفتقرة إلي المال الأجنبي لكي تدب فيها الحياة - كل أولئك - يدعو إلي بذل

عناية خاصة لتمويل التعاون . فالتعاون الذي يستطيع في نهاية مرحلته ، امتلاك أدوات الزراعة المصرية ومعامل الصناعات الزراعية ومعامل الأسمدة ووسائل النقل في الداخل وإلى الخارج ومخازن الايداع ونحو ذلك - هذا التعاون - يجب أن تدعمه مالية قوية ثابتة فكيف تدبر هذا المال ؟

في أوائل سنة ١٩٣٤ شكلت لجنة اشترك فيها المالي والتعاوني والصحافي وعضو مجلس النواب ، وقررت ضرورة إنشاء بنك تعاوني . وأقرنها الحكومة ؛ لكنها اعتذرت بأن الظروف وقتئذ لا تسمح . وكرت السنين وكرت والحالة تزداد إلحاحا في ضرورة إنشاء البنك التعاوني . ولابد أن يكون جوانب السلطات المالية في الحكومة أن الحالة لا نسمح . ولهذا فاني اقترح ما يأتي لتمويل البنك التعاوني :

أولا - أن يعود رسم القطن الصادر ، ويخصص لصندوق التعاون ؛ ذلك أن الحكومة الغته معتقدة أنه يعود إلي الفلاح في النهاية . ولكن ما حصل بالضبط هو أن أسعار العقود ارتفعت ، لحد ما ، وبقيت العلاوة منخفضة إلي حد غير عادي . ومعنى هذا ان العشرة القروش ذهبت للتاجر او بالأحري للمصدر ، ولم يغنتفع بها الزارع . فاسترداد عشرة القروش وتخصيصها لصندوق تعاون زراعي ، يمد الصندوق سنويا بمبلغ ثمانمائة ألف جنيه تقريبا . وفي عشر سنين يكون التجمع من هذا المورد وحده حوالى ثمانية ملايين من الجنيهات ؛ وليس هذا بالبلغ اليسير . ولا تعني ان نبقى جامدين طوال هذه السنين ، بل نظل نعمل مع توسيع نطاق الاقراض والدعاية للتعاون الاهلي دعاية يقوم بها رواد أحرار لا موظفون فقط . ومن الآن إلي أن تنقضي السنون العشر يمكن تطور التعاون تطورا يحرره من جمود مكاتب الحكومة وقيودها لحد كبير .

ثانيا - يضاف إلي هذا المورد الرئيسي المهم مورد آخر لا يقل شأنا وإن قل مقدارا ، أعني بهذا إنشاء اكتتاب إجباري تشترك فيه جميع طبقات الامة القادرة على الدفع ، فتحصل مثلا عشرة مليمات تخصص لصندوق التعاون ، عن كل إيصال تحرره المصالح العامة أو الشركات ذات الدفاتر المنظمة بسداد ) ١ ( اجور المياه والنور والغاز متى زادت على عشرة قروش في الشهر ) ب ( اجور المساكن والمتاجر والمكاتب متي زادت قيمة الأيصال على جنيه واحد في الشهر ) ج ( أجور الأراضي الزراعية متي زادت على عشرة جنيهات في العام ، ) د ( عوائد الآملاك المبنية والأرصفة ) ه ( أقساط التأمينات بكافة أنواعها ، ويستمر هذا لمدة عشر سنين .

ثالثا يحصل بصفة مستمرة لمدة عشر سنين أيضا عشرة في المائة من مرتب الموظف الشهري يقسم على عشرة أشهر ، أو يحصل مرة واحدة ، بشرط مراعاة التوحيد ليسهل الحساب والمراجعة .

يمثل هذه الوسائل يمكن تدبير المال اللازم لعمل عظيم مثل تدعيم التعاون ؛ فالتعاون هو الدعامة التي لا بد منها إذا أردنا أن نتحرر من نير استعباد رأس المال الأجنبي .

هذا التدبير أوردته على سبيل المثال ، لا علي سبيل الحصر ، وهو تدبير لا يرهق أحدا ، بل لا يكاد يحس به أحد ، ولو التجأنا إلي شئ من هذا منذ فكرنا في التعاون سنة ١٩٠٨ ، أو على الأقل بعد أن أعلن استقلال البلاد سنة ١٩٢٢ ، لكان بصندوق التعاون الآن اكثر من عشرين مليونا من الجنيهات .

إن الأنهر الزاخرة تتجمع من قطرات المطر . ويتجمع بالمثل المبلغ الجسيم من تحصيل مبالغ جزئية في مثابرة واستمرار ، فتمد التعاون الزراعي المصري بما يكفل امتلاك جماعات الزراع واتحادات هذه الجماعات ) البقية على صفحة ٤٤ (

اشترك في نشرتنا البريدية