سيدي الأستاذ العقاد قرأت معجباً ما خطه يراعك الكريم عن شعر ابن الرومي، فنال مني الدهشُ لتعصّيك لهذا الشاعر، ولعل هذا راجع إلى أن الأستاذ قد صاحب (ابن الرومي) أكثر مما كان ينبغي لمصاحبته. لهذا كان طبيعّياً أن يخلع عليه أستاذنا الجليل لقب (شاعر العالم) غير منازع؛ وأن يقول: إن شعره ليس فيه مغمز لغامز، وإن إحساسه مرهفٌ غاية الإحساس، وتصويره آية في الإبداع
فما رأي سيدي الأستاذ في بيتين مشهورين لابن الرومي قالهما في روض سقته السُّحب أو أرضعته فأنبتت ألفي رضيع من بني النضر حيث قال: سقتْه ثُديّ السُّحْب من مُرْضعاتها ... أفانينَ مما لم تُقَطِّرْهُ مُرْضعُ!
كألْفَيْ رضيعٍ من (بني النَّضْرِ) ضُمِّنُوا ... مَحَاسن هذا الكون، والكونُ أجمعُ. . .
فأي تصوير هذا يا أستاذنا العزيز؟ وأي استيعاب فني فيه قد أحس به الشاعر عندما خالجه هذا المعنى؟
ألا ترى معي أن من شعراء العبقرية المخَّلدين في بطون الكتب وسجلّ الأزمان من أسفَّ أحياناً وسجل له تاريخ الأدب ذلك؟. . . هذا ما أردت أن أذكر به الأستاذ واضعاً بين يديه هذين البيتين إجابتاً لرغبته التي رغب فيها إلى القراء أن يذكروه بما شاءوا من شعره ليدلهم على موضع الحسن فيه؛ فرجاوتي أن ينجز الأستاذ ما وعد، وأن يبين لنا موضع التصوير الفني في هذين البيتين، مشكوراً من الشعر والأدب

