إتماماً لكلمتي المنشورة في (الجزء ٣٣١ من الرسالة الغراء) وتأييداً لما ذهب إليه الدكتور عبد الوهاب عزام في (الجزء ٣٣٠) حيث قال: (لا أجد ما يحملني على تكذيب ابن بطوطة في أمر يدعي أنه رآه وسمعه) ، أنقل ما أورده العلامة النقاد ابن خلدون في مقدمته (في الصفحة ٨٩ من طبعة بولاق) :
واعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستطرفة، وذلك أنه ورد المغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة، كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند ودخل مدينة دهلي حاضرة (عاصمة) ملك الهند، وهو السلطان محمد شاه، واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه، وكان له منه مكان، واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله؛ ثم انقلب إلى المغرب واتصل بالسلطان أبي عنان. وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض، وأكثر ما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون. . . وأمثال هذه الحكايات، فتناجي الناس بتكذيبه. ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه؛ فقال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن، وذلك أن وزيراً اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربى فيها ابنه في ذلك المحبس، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان
يتغذى بها؛ فقال له أبوه: هذا لحم الغنم، فقال: وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول: يا أبت تراها مثل الفأر؟ فينكر عليه ويقول: أين الغنم من الفأر؟ وكذا في لحم الإبل والبقر، إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر. وهذا كثيراً ما يعتري الناس في الأخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الإغراب. . . إلى آخر ما أورده ابن خلدون.

