تمتاز المكتبة العربية بكونها غنية فى كتب التراجم والطبقات ، وإذا استتبنا كتابى " إرشاد الأريب " لياقوت الحموى ، و " وفيات الأعيان " لابن خلكان ، فإن كتب التراجم بعد ذلك أخذت تتجه إلى تراجم الرجال عصراً فعصراً ، أى أن رجال كل قرن يجمعهم كتاب واحد ، على الضد من " وفيات الأعيان " مثلا الذى يجمع بين دفتيه مئات من الرجال عاشوا فى مختلف العصور حتى القرن الذى عاش فيه المؤلف . وهو القرن السابع ، أو على وجه الدقة فى سنة ٦٥٤ ه . وهى السنة التى رتب فيها أبو العباس بن خلكان معجمه الجليل فى تراجم الرجال .
ولقد ظهر كتاب " الدرر الكامنة " لشهاب الدين ابن حجر العسقلانى مترجماً للرجال الذين عاشوا فى القرن الثامن . وهو أول كتاب يترجم لرجال القرن الواحد . ويجمعهم فى محيط واحد ، على قدر ما نعرف ، ومن بعده أخذت كتب " التراجم الفرنسية " تتوالى على مر العصور فهناك كتاب " الضوء اللامع " لمؤرخ الناقد شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي ، وفيه يترجم لرجال المائة التاسعة ، وهناك كتاب " الكواكب السائرة " للغزى . وهو فى تراجم رجال القرن العاشر الهجرى ، وكتاب " خلاصة الاثر " لمحى وهو فى تراجم رجال القرن الحادى عشر ، وكتاب " سلك الدرر " للمرادى ، وهو فى تراجم رجال القرن الثانى عشر ، ولا ننسى فى هذه المناسبة كتاب " تراجم أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر " للمغفور له أحمد تيمور باشا ، وقد ترجم فيه لأربعة وعشرين من أعيان القرنين ، فأطال فى بعض التراجم - كترجمته للأديب الشاعر محمد أكمل - وأوجز
فى بعضها - كترجمته للشيخ أحمد وهبى المحرر بالوقائع المصرية فى بضعة سطور .
ولكل مؤلف فى تراجم الرجال خطته ومنهجه ، وقد يعلن المؤلف خطته فى مقدمة كتابه وقد يترك ذلك ويدع طريقته فى الترجمة تتحدث عن نفسها من خلال الكتاب وإذا رجعنا إلى ابن خلكان فى كتابه " وفيات الأعيان " وجدنا أنه يوجز خطته فى خطبة الكتاب إيجازاً ، فيشير أول الأمر إلى ترتيبه وفق أسماء المترجم لهم ، بدلا من ترتيبه حسب السنين كما هو الشأن فى كتب التاريخ الإسلامى ، وراعى فى الترتيب الهجائى أول الحروف أولا فإذا استوت أوائل الحروف رتب الأسماء حسب الحرف الثانى ، فإذا استوى الحرفان الأول والثانى رتب الكلمة وفق الحرف الثالث " وهكذا " ويعترف ابن خلكان بأن ترتيب المترجم لهم على حسب الحروف الهجائية يقضى إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر فى العصر ، فيجئ رجل من رجال القرن الخامس مثلا بجوار رجل من رجال القرن الأول . . ولكنه يسلم بأن المصلحة أحوجت إلى هذا الترتيب .
وعيب طريقة الترتيب على حروف المعجم أنها تقتضى معرفة الباحث أو القارئ لاسم المترجم له ، أما الكنية أو اللقب فإنها لا تفيد شيئاً فى البحث عن الترجمة . فالبحث عن ترجمة الشاعر أبى تمام يقتضى معرفة اسمه وهو " حبيب " البحث عنه فى حرف الحاء والبحث عن ترجمة " الجرمى " العالم النحوى يقتضى معرفة اسمه ، وهو " صالح " ليبحث عنه فى حرف الصاد ، والبحث عن ترجمة الشاعر المتنبى
يقتضى معرفة اسمه ، وهو " أحمد " ليبحث عنه فى حرف الهمزة ، وهكذا .
وإذا عدونا طريقة الترتيب إلى طريقة التأليف والترجمة رأينا ابن خلكان لم يقصر كتابه على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء ( بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأثبت من أحواله بما وقفت عليه مع الإعجار كيلا يطول الكتاب ، وأثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه . ورفعت نسبه على ما ظفرت به . وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه ، وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة ليتفكه به متأمله ) .
فالمؤلف هنا : أولاً لا يجعل الكتاب خاصاً بأهل قرن حينه ، وإنما يجمع به الرجال فى عدة قرون ، ثانياً ليس الكتاب فى طبقات معينة من الرجال ، كالمحدثين والمفسرين والوزراء ، ولكنه عام يشمل ألواناً من الناس يرعوا فى ألوان من العلوم والآداب ، ثالثاً التزم المؤلف الإيجاز فى أكثر مواطن الكتاب حتى لا يطول ، ومع هذا فقد طالت بعض التراجم بالنسبة إلى البعض الآخر ، كترجمة " الحلاج " وترجمة " جعفر البرمكى " وقصرت بعض التراجم قصراً كثيراً ، كترجمة " ابن نافع الفقيه المالكى المصرى " و " ابن القطان البغدادى الفقيه الشافعى " رابعاً يعنى ابن خلكان بإثبات تاريخ وفاة المترجم له وتاريخ مولده إن قدر على ذلك ؛ والحق أنه بذل فى ذلك جهداً جعل كتاب " وفيات الأعيان " مرجعاً لتحقيق الوفيات والواليد على السواء . خامساً يحقق المؤلف أنساب المترجم لهم ، ويردها إلى أصولها ، سواء أكانت عن طريق الولاء أم طريق النسب ، فيقول مثلا فى ترجمة حمزة القارئ " المشهور : ( أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفى المعروف بالزيات مولى آل عكرمة بن ربعى التميمى . سادساً يضبط الألفاظ التى لا يؤمن تصحيفها بالحروف لا بالشكل ، فيقول مثلا فى ترجمة الكايبة " فخر النساء شهدة بنت أبى نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبرمى الكاتبة الدينورية " : ( والإبرى بكسر الهمزة وفتح الباء للوحدة ، وبعد الراء باء مثناة من تحتها ، هذه النسبة إلى الإبر التي هى جمع إبرة
التى يخاط بها وكان المنسوب إليها يعملها أو يبيعها . . . والدينورية بكسر الدال المهملة ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وفتح النون والوار وفى آخرها راء ، هذه النسبة إلى الدينور ، وهى بلدة من بلاد الجبل بنسب إليها جماعة من العلماء ) .
ويقول ابن خلكان بعدك ذلك فى مقدمة كتاب : ( إنى بذلت الجهد فى التقاطه من مظان الصحة ؛ ولم أتساهل فى نقله ممن لا يوثق به , بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه ) ويؤخذ من هذا الكلام القليل الوجيز أن ابن خلكان . أولاً : يبذل الجهد فى الرجوع إلى المظان الصحيحة ليأخذ عنها تراجم الرجال وأخبارهم ، ثانياً : أنه تحاشى المصادر غير الموثوق بها ولم يتساهل فى هذه الناحية ، ثالثاً : أنه قصد وجه التحرى فى كتابة التراجم وفق ما أسعفته قدرته وساعدته همته .
وهذا المنهج فى مجموعه منهج سليم من ناحية تحرى الحقائق والتأكد من الوقائع ، وأخذ النفس بالشدة والتصعب حتى لا يتسرب إلى الحقائق المراد إثباتها ما لا تطمئن النفس إلي صحته . ولا يرتاح القلب إلي سلامته .
وإذا كان ابن خلكان قد ترجم لمثلث من الرجال ممن لم يعاصرهم ولا سمع القريب من أخبارهم ، ولا سمع عن المتصلين بهم ، كما ترجم فى الوقت نفسه لجماعة من معاصرية ، فإنه فى الحالين لم يحد عن المنهج الدقيق المتواضع الذى أخذ به نفسه فى خطبة كتابه ، وهو بالطبع حين يترجم لأعيان ستة من القرون قبل عصره فإنه يرجع إلى المؤرخين " كتاب التراجم والأخبار والنوادر من قبله . فيرجع إلى ابن قتيبة وإلى التعالى فى " اليتيمة " وإلى ابن الجوزى فى كتبه وخاصة فى " التنظيم " و " صفة الصفوة أو صفوة الصفوة " و " شذور العقود " وإلى القضاعى فى كتابه عن " خطط مصر " وإلى كثير من المؤلفين المسلمين ولقد ضاع كثير من الكتب التى رجع إليها ابن خلكان واستمد منها مادته فى كتابه ، ومن هنا يعد كتاب " وفيات الأعيان " فوق قيمته فى التراجم وعاء لكثير من الكتب التى أضاعها الزمان ، وبعثرتها يد الحدثان .
وحين يذكر ابن خلكان حكاية أو رواية عن أحد الشخصيات المعاصرة له أو القريبة من عصره فإنه يذكر اسم زاويها أو حاكيها . والكتاب مملوء يمثل هذا إلا أن الاستشهاد بطرف هنا يمثل هذه النادرة عن الشاعرة الشامية " تقية بنت أبى الفرج " قال ابن خلكان : ( وحكى لى الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم المنذرى رحمه الله أن نفية الذكورة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر تقى الدين عمر ابن أخى السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى وكانت القصيدة خمرية ، ووصفت آلة المجلس وما يتعلق بالخمر . فاذا وقف عليها قال : الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها !! فبلغها ذلك ، فنظمت قصيدة أخرى حربية ، ووصفت الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف ، ثم
سيرت إليه تقول علمى بهذا كعلمى بهذا ... وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه ) .
وحين يقف ابن خلكان عند كلام لم يتحقق لديه ولم تثبت عنده صحته فإنه يشير إلى ذلك . كقوله فى ترجمته للشيخ الرئيس ابن سينا بعد أن أورد قصيدته فى النفس :
( ومن المنسوب إليه أيضاً - ولا أتحققه - قوله :
اجعل غذاءك كل يوم مرة
واحذر طعاماً قبل هضم طعام )
وليس بعد هذا الاحتراس مزيد حين يروى الراوون ، ويترجم المترجمون .

