كتب الكثيرون عن الآثر العميق الذي كان لعلماء المسلمين في تقدم العلم . وقد قرأنا للمسلمين ولغيرهم كتابات عديدة في هذا الموضوع ، غير اننا عثرنا على شهادة حديثة نشرت افتتاحية لاحد اعداد هذا العام لمجلة ( endeavour ) شهادة مشرقة قوية راينا ان نشرها مفيد في هذا الأوان الذي ينفض العرب فيه عن أنفسهم غبار الكسل والقعود ، ويتطلعون لمستقبل باهر ويتوقعون نشاطا منتجا في جميع نواحي الحياة وفي جميع البقاع التي يقطنها المسلمون ، وكذلك في هذا الوقت الذي تتحرش فيه بأمتين إسلاميتين صغيرتين دولة غربية ذاقت بالأمس القريب جدا كأس الذل وأحست مرارة الظلم والاستعباد فتناسته كما تناست ماضي المسلمين وحضارتهم وما كان لهم من فضل على أوربا وعلى العلم بوجه عام
كتب المقال الذي ننقل عنه بمناسبة زيارة ملك الإنجليز إلي مركز الثقافة الإسلامية في لندن وإطلاعه على مشروع إنشاء جامع جديد بها ينتظر ان يشرع في بنائه عقب انتهاء الحرب على قطعة ارض قدمتها الحكومة الإنجليزية ، وذكر الكاتب ان هذه الزيارة قوبلت بترحيب عظيم لاسيما في الاوساط العلمية التى تذكر انه منذ الف سنة كانت شعلة العلوم متقدة ونورها ساطعا في البلاد الإسلامية وعلى أيدي المسلمين وحدهم ، والتي يحدوها أمل مشجع انه بحلول السلم ستهب العبقرية الإسلامية من سباتها العميق وتستعيد نشاطها العلمي القديم في قوة وعزم وبصيرة نفاذة
والذي يبعث على هذا الأمل هو الاعتقاد بأن على
أمم العالم أجمع أن تساهم كل بقدر استطاعتها في بناء العلم وفي تقدم المعرفة ، ولو كانت المصادفة قد شاءت ان يكون العامل الأساسي في هذا التقدم في خلال الثلاثة او الأربعة القرون الأخيرة هو الفكر الغربي ، فإننا لا ننسي ان اساس التقدم العلمي يقوم على خصب الخيال البشري وازدهار إنتاجه . وقد صدق العالم الذي قال : " دعونا ايها السادة نتعلم كيف نحلم ونستغرق في الأحلام " فان هذه هي الطريق التى نشأت بها النظريات كبيرها وصغيرها ، ما ترتاح اليه وما لا ترتاح وعلى الرغم من ان هذه الخيالات والتصورات تزداد كما تزداد الوسائل الصارمة التي أعددناها لاختبارها فلا يجرؤ أحد أن يقرر أن الفكر الجديدة والآراء المبتكرة تفيض في الوقت الحاضر بالقدر الذي نرجو وبالكثرة الواجبة ؛ ومن هذه الناحية يصح أن يكون للنهضة العلمية الإسلامية المرتقبة نتائج غاية في العظم واثار محسوسة في زيادة ذلك الفيض المرجو من الآراء والفكر الجديدة .
والتنبؤ باحتمالات المستقبل يجب أن يقوم على ضوء ما تم في الماضي ، ومن ثم قد يكون من المناسب ان نستعرض بعض الأعمال العظيمة البالغة الأهمية التى نهض بها العلماء المسلمون في أيام عز الاسلام وسطوته . وعلى الرغم من أنه لم يكن ينتظر أن يكون في السنوات التالية لحروب دينية عظيمة المدى مجال للتشجيع على استيعاب المعلومات والتهام المعارف ، وهضمها و كذلك بثها ونشرها على نطاق واسع ، فان هذه الظاهرة التي لا يتوقعها احد كانت من الخصائص المميزة لصدر الاسلام ، فقد رأينا كثيرا من الخلفاء كهرون الرشيد وغيره يظهرون في مثل تلك الظروف العصيبة تسامحا وعطفا يستوجب الثناء نحو العلماء والدارسين من المسيحيين واليهود وغيرهم ، ويغدقون العطايا على الجامعات والمراصد والمستشفيات ، وينقبون عن المخطوطات من الكتب اليونانية القيمة لكي تترجم وتدرس ، ويبذلون كل ما في وسعهم من جهد ، ويسمعون كل وسيلة ممكنة لنشر العلم والعرفان وتأييده والعمل على نموه وازدهاره
وسرعان ما اثمرت تلك السياسة المستنيرة الرشيدة وآتت أكلها . وليس هذا مكان التفصيل والإحاطة ، فلا نملك هنا إلا اشارة عابرة لفضل الإسلام والمسلمين على الإختراعات في علم الجبر والإضافات والتوسعات في علم حساب المثلثات وإدخال العدية الهندية ) بعد ان اضافوا إليها علامة جديدة بالغة الأهمية وهي الصفر ( . ثم إن هذا التقدم الرياضى البارع قد صحبه وسايره تقدم يناظره في علوم الفلك والكيمياء والطبيعة والأقرباذين ؛ فالبتاني مثلا الذي توفي عام ٩٢٩ بعد الميلاد قد عين بالدقة مقدار زاوية مدار الشمس ) أو دائرة البروج ( وطول السنة الاستوائية ومتوسط حركة الشمس ، كما اثبت إمكان حدوث كسوف أو خسوف سنوي ، واعاد حساب قيمة مبادرة الاعتدالين ، وقد اعتمد على ارصاده عن كسوف الشمس وخسوف القمر الفلكي الإنجليزي دنثورن واستخدمها في حساباته
أما في علم الطبيعة فقد حمل لواء علماء المسلمين الحسن بن الهيثم ) ٩٦٥-١٠٣٨ أو ٣٩ ( وهو رجل عبقري قد عارض الفكرة التى تشبث بها معظم الفلاسفة الأقدمين والتي تقول بانبعاث اشعة ضوئية من العين إلي الجسم المرئي ، وقال علي عكس ذلك بأن الرؤيا ترجع إلى انبعاث صادر من الجسم المرئي نفسه . وقد كشف احد قوانين انعكاس الضوء وهو ان زاوية السقوط وزاوية الانعكاس تقعان في مستو واحد ، ودرس المرايا علي اختلاف أنواع سطوحها ، ولا تزال إحدي المسائل المتصلة بها والتي حاول حلها معروفة باسمه وهي : " إذا علم موقع نقطة تبعث الضوء وموقع العين فكيف نحدد النقطة التي يحدث عندها الانعكاس على سطح المرآة كرية كانت أو أسطوانية أو مخروطية "
وقد بحث ابن الهيثم قوس قزح والهالة والارتفاع الذي يصل اليه الهواء الجوي ، وكان أول من وصف العين بالتفصيل والدقة . وتدل دراساته على تصور عميق دقيق لكيفية تجميع الاشعة وتحديد موضع الصورة وتكبيرها وقلبها ، ولطبيعة تكون الحلقات والألوان ، وقد استخدم الخزانة المظلمة
) أول أنواع الكمرا ( لأول مرة ، ولاحظ أثناءه الشكل الذي تكون عليه صورة الشمس اثناء الكسوف ، إلى غير ذلك من الأعمال العلمية الباهرة التى تتكون منها قائمة إذا توافرت لأي شخص كان جديرا بأن يتبوأ مكانا عليا بين علماء أي عصر من العصور
والبيروني ) من ٩٧٣ إلي ١٠٤٨ ( مذكور ببراعته التجريبية في تعيين الكثافات النوعية بطريقة يرجع أساسها العلمي إلي ارخميدس ، فالارقام التي وصل إليها بلغت من الدقة حدا يثير الإعجاب . واليك بعض أرقامه عن الكثافات النوعية : الذهب ) ٠٥ ر ١٩ ( الزئبق ) ١٣,٧٤ ( النحاس ) ٨ ( الحديد ) ٧٤ ( القصدير ) ٧,١٥ ( الرصاص ) ١١.٢٩ ( وهي قريبة من قيمتها الحديثة قربا مدهشا . وقد تلت هذه الخطوة من الدقة خطوة اخري على يد الخازني الذي جاء بعد البيروني بقرن فدرس كثافة الماء بعناية عند مختلف درجات الحرارة ووصل إلي تغيراتها الصحيحة . ثم لاحظ أيضا أن الهواء يدفع الجسم الذي فيه إلي أعلي مما لابد وأن يؤثر في مقدار وزنه كما يبدو لنا وهذه حقائق تدل على صحة ما ادعاه من أنه أنشأ ميزانا دقيقا يصدق إلي ٦ . ر . من الجرام بالنسبة لثقل يبلغ ٢ ر ٢ من الكيلو جرام ، وهي دعوي تؤيدها كل الشواهد التي تدل على أن حساسية الميزان العلمي بلغت في ذلك العصر حدا مدهشا .
وأما أن الكيمياء مدينة للإسلام فهذا أمر معلوم ، اعترف الجميع به ؛ وأول كيميائي عظيم ظهر في التاريخ كان جار بن حيان الذي لا يزال كثير من كتاباته باقيا وإن كانت تفاصيل حياته غير معروفة بالتأكيد ، بل إن القرن الذي طار فيه صيته لازال موضع جدل . لكن الحقيقة التي تهمنا هي انه ادرك بوضوح وقرر في تأكيد ان الكيمياء لا يمكن ان تستغني عن التجربة " وتحوي كتبه أوصافا واضحة لبعض تجارب يتبين منها انه كان مفكرا خصبا وملاحظا دقيقا
ويأتي بعد جابر في الكيميائيين الرازي الذي وصف بأنه انبه اتباع الفلاسفة اليونانيين الذين عاشوا بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد ، واجدر هؤلاء ، الاتباع الذين ظهروا في التسعة عشر قرنا التى تلت وفاة أرسطو بالذكر ، وقد تجلى في كتاباته الكيمياوية ميل إلى الحقائق الخارجية المتصلة بالأشياء وإعراض عن وسائل السحر والتنجيم ، واعتماد قوي على ذلك النوع من الحقائق الذي يمكن البرهنة عليه عن طريق التجربة والاختبار ، ومن خدماته للكيمياء التصنيف المنظم للمواد الكيمياوية الذي اضاف إليه شرحا جليا لخواصها البارزة ، التى كانت معروفة في ذلك الوقت
وفي ميدان الكيمياء التطبيقية ، وأعني بها العمليات التي تهم الكيميائي في التعدين والصباغة والأقرباذين وما شاكل ذلك ، في هذا الميدان ايضا تدل المعلومات الكثيرة المتراكمة التي خلفها لنا المسلمون على انهم وصلوا إلي اكتشافات عديدة عظيمة جدا . ومن المحتمل ان تحضير حامض الكبريتيك والإزوتيك لأول مرة كان على يد الكيميائيين المسلمين . وفي القرن الثالث عشر كانت عمليات حرق ركاز الذهب والفضة واستخلاصهما وفصلهما واستخراج الفضة عن طريق مزجها بالزئبق والتحليل الكمي للسبائك - كل هذه وماشاكلها كانت عمليات عادية ) روتين ( تجري في دار سك النقود بالقاهرة .
كذلك علوم الجغرافيا والحياة والحيوان والتعدين والجو قد خدمها من هؤلاء الأتباع المسلمين فريق نابه موهوب ، ومن اعظم علماء الحياة في الإسلام ، ابن البيطار المتوفي سنة ١٢٤٨ ، فكتبه في علم النبات وإن ارتكزت على معارف الأقدمين تمثل في مجموعها تقدما ملحوظا
وهكذا يصح أن تستمر القصة ، فمسلمو تلك القرون الغابرة كانوا يضمون المعرفة العلمية في المكانة الاولى من الأهمية ، وقد أدى اهتمامهم بها إلي نشوء طريقتهم الخاصة
التي تتلخص في انها " عادة عقلية تتلمس الاسباب ومزاج تجريبي يميل إلي التحقيق .
إن ارتفاع مستوي النشاط الفكري والإنتاج وانخفاض هذا المستوي في الامم لا يزال ظاهرة تفتقر إلى التعليل . لكن يصح لنا أن نؤمن بأن ما قدر عليه الإنسان مرة يقدر عليه اخرى . وان جزءا كبيرا من البلاد الإسلامية لا يزال يفتقر إلى فرص تعليمية ، من الطراز الاول الذي يتهيأ في أوربا وأمريكا فاذا توافرت ضمنا لحاق الأمم الاسلامية بالقافلة العلمية الحديثة واستعادتها لمجدها العلمي التليد . ونحن موقنون بأن الاسلام في الوقت الحاضر عبارة عن خزان ملئ بالقدرة العلمية وزاخر بقدر متناسب معها من العبقرية لا يسع العالم أن يغفله لأنه في أشد الحاجة إليه
هذا ما نقوله عن الإسلام وآثاره العلمية مجلة إنجليزية . فهلا نجد فيه حافزا على العمل الجدي المنتج السريع في هذا الاتجاه ؟

