منذ اختراع المنظار الفلكي ، وباستمرار التقدم في صناعته والزيادة في قوته ازدادت معرفتنا بالعالم الذي نعيش فيه والكون الذى يحيط بنا ، دقة ووضوحاً حتى أصبح في مقدور العلماء اليوم أن يصوروا السماء وما فيها ، وصاروا لا يتحدثون عن السيارات وأقدارها وأبعادها فحسب، بل أيضاً من النجوم والسدائم وكثافتها والعناصر التي تتركب منها ، ونسبة كل منها في بناء النجم أو السديم ؛ وذلك كله بناء على قوانين معروفة ومشاهدات تتكرر كل يوم في مراصد العالم .
ولا نريد أن نعيد هنا على القارئ ما يراه مفصلا تفصيلا شائقاً في الكتب الفلكية ، ولاسيما المبسطة منها : وإنما نريد أن نذكر بعض الأمثلة العملية التي يلجأ إليها علماء الفلك في تقريب تلك المسائل إلى أذهان القراء ؛ وذلك لأن الأرقام التي يعبرون بها عما يرد في تلك المباحث من الأبعاد مثلا - تلك الأرقام هى من العظم بحيث يقصر من إدراكها على حقيقتها العقل ، وبعجز من تصورها الفكر. ومن ثم كان لا بد من توضيحها وإظهار دلالتها بقوة بواسطة تلك الأمثلة التي ستورد طرفاً منها هنا : -
فشكل (1) يمثل الشمس في أعلاه والسيارات في أسفله مرسومة بمقياس واحد . وقد رتبت السيارات تبعاً لبعدها عن الشمس ، ومن الصورة يتبين كيف تزداد أقدار تلك السيارات حتى المشترى ، ثم تتناقص . ولم يحاول واضع الرسم أن يمثل المسافات كما مثل الأقدار بمقياس رسم واحد ؛ ولو أنه حاول ذلك لوجب عليه أن
يجعل الأرض على بعد نحو عشرة أمتار من الشمس ، بينما يكون بعد بلوتو عنها نحو ٤٠٠ متر .
وفي الجزء العلوى من هذا الشكل نفسه قد وضح معنى آخر، هو نسبة قدر الشمس إلى قدر الأرض ؛ فالمعلوم أن قطر الشمس يساوى قطر الأرض مائة مرة وتسع مرات ، ومن ثم يكون حجم الشمس قدر حجم الأرض نحو مليون وثلك مليون من المرات. ولما كانت الكرة الكبرى تمثل الشمس ، وكانت كل كرة من السكرات الصغيرة التي
بداخلها تمثل الأرض بنفس النسبة ، فالشكل يوضح لك كيف أن الكرة الكبرى تحتاج لاكثر من مليون من هذه الكرات الصغيرة لكى تملأها
ويقول سير جيمس جينز (۱) إننا لن نستطيع أن مثل المجموعة الشمسية بعربات تدور حول تمثال مقام في وسط ميدان كبير ، فإن التمثال يكون أكبر كثيراً من أن يمثل الشمس ، والعربات أعظم كثيراً من أن تمثل السيارات ولو أردنا أن تجعل ميداناً مثل ميدان لاظوغلى مثلا يتسع النموذج دقيق المجموعة الشمسية طبقاً لمقياس رسم صحيح لوجب أن تمثل الشمس بجسم صغير كالقولة أو الحصة ، ومثل السيارات ببذور صغيرة وحبات من الرمل وذرات من الغراب. ومن تصور هذه الحبات والذرات في الميدان تستطيع أن تدرك دون عناء أن المجموعة الشمسية فضاء واسع لا يكاد يكون فيه شيء ، وتستطيع أن نفهم لماذا تبدو السيارات فى السماء ذلك الصغر الذي تبدو به .
ومع ذلك فالمجموعة الشمسية مزدحمة جداً إذا قورنت بالفضاء الذي حولها ، فإذا كانت القولة وتسعة أجسام أصغر منها تمثل الشمس وسياراتها في ميدان لاظوغلى ، فان أقرب النجوم إلينا تمثله حينئذ ذرة بالقرب من (شربين) إذا كان الفراغ بين المكانين خالياً لا شيء فيه . وبذلك نرى مقدار انعزال المجموعة الشمسية في الفضاء.
والآن تنتقل من المجموعة الشمسية ( تلك المستعمرة المنعزلة) إلى أقرب النجوم إلينا ، فنجد أن بعده عنا قدر بعد الشمس نحو ٢٧٠,٠٠٠ مرة ، أي نحو ٢٥ مليون مليون ميلا ومن هذا يتبين أن الوحدات المألوفة ، وهى الكيلومتر والميل تقصر من إعطائنا فكرة الأبعاد الهائلة ؛ ولذلك اتخذت التعبير عن الأبعاد الفلكية
وحدات من نوع اخر :
لنفرض أن قطاراً سريعاً يقطع ۷۰ ميلا في الساعة فيقطع المسافة بين القاهرة والاسكندرية في أقل من ساعتين) ، هذا القطار لو سار حول الأرض (كافي شكل (٢) ليلاً ونهاراً من غير توقف ، فإنه يحتاج إلى سنة عشر يوما ليتم دورة كاملة حول الأرض ، وعندئذ يكون قد قطع مسافة تقرب من ۲۵۰۰۰ ميل .
فاذا استمر هذا القطار في دورانه ، وأتم سبع دورات ونصف دورة أو أقل قليلا ( كما في شكل (۳) فانه يكون قد قطع مسافة ١٨٦٠٠٠ ميل ، وعندئذ يكون قد مضى
عليه في هذه الرحلة نحو ثلاثة أشهر. وهذه المسافة الهائلة يقطعها الضوء فى ثانية واحدة فقط. وقد سميت هذه المسافة ( ١٨٦٠٠٠ ميل) ثانية ضوئية . واتخذها الفلكيون وحدة لقياس المسافات الفلكية الصغيرة . ثم اشتقوا منها وحدة أخرى للمسافات البعيدة ، وهي السنة الضوئية، أى المسافة التي يقطعها الضوء في عام كامل، وتبلغ نحو 6 ملايين مليون ميل .
وباستعمال هذه الوحدات ينتج أن المسافة بين الأرض والقمر تزيد على ثانية ضوئية وتقل عن ثانية ونصف ثانية، والمسافة بين الأرض والشمس قدر هذه المسافة بين الأرض والقمر ٤٠٠ مرة ، أى أن أشعة الشمس تحتاج إلى نحو ثماني دقائق للوصول من مصدرها إلى أعيننا . وأقصى الكواكب وهو پلوتو يبعد عن الأرض بنحو خمس ساعات ضوئية ونصف ساعة
وإذا تركنا المجموعة الشمسية ودخلنا في الفضاء الذى بعدها ، فإن أسطع نجوم السماء وهو الشعرى اليمانية لا يحتاج الضوء للوصول منه إلى أعيننا إلى ساعات أو أيام أو شهور ، بل إلى تسع سنين كاملة . وهو مع ذلك أقرب النجوم إلينا ( شكل ٤ )
ونورد هنا للقارىء تقديراً آخر لهذه المسافة الهائلة : تعلم أن أمواج اللاسلكي تسير بسرعة الضوء، ففي عام ۱۹۲۷ نقلت هذه الأمواج إلى العالم أن لتدبرج قد عبر المحيط الاطلانطي على متن طائرته ، ومع ذلك لم يصل هذا الخبر إلى الشعرى اليمانية هذه إلا عام ١٩٣٦ أى بعد تسع سنوات من وقوع الحادث.
وإذا أخذنا أقرب نجم في كوكبة الدب الأكبر وجدنا عنا نحو ثمانين سنة ضوئية. أما كوكبة الجبار (وترى في شكل : أيضاً ) فلا يصل إلينا الضوء منها في
أقل من ٥٠٠ سنة ضوئية ، أى أن الضوء الواصل إلينا منها الآن قد بدأ سيره منها قبل اكتشاف أمريكا بنحو 150 سنة
ومن أجمل المناظر التي ترى في السماء نهر المجرة أو سكة التبانة ، وهى مجموعة مركبة من ملايين من النجوم ، وليست الشمس إلا قطرة من ذلك البحر الخضم من النجوم المبعثرة التي تبدو متراصة . وبعض مجموعات النجوم في الحجرة تبعد عنا نحو ألف سنة ضوئية ، أى أن الضوء الواصل إلى أعيننا الآن قد ترك هذه النجوم قبل ميلاد المسيح عليه السلام .
والآن ما هو شكل هذه المجرة ؟ إن وجودنا داخلها يحول دون تصويرنا لها كما ينبغى ، ولكن الفلكيين قد استطاعوا أن يكونوا فكرة عن شكلها ، ووصفوها بأنها تشبه عدسة هائلة يبلغ قطرها نحو ۱۰۰,۰۰۰ سنة ضوئية. وهذا العدد الهائل من النجوم في المجرة
يسبح جميعه في الفضاء بسرعة كبيرة خاضع لقوانين ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل .
ومع ذلك فعلى الرغم من هذا العدد العظيم ، ومن تلك السرعات الكبيرة ، فانه لا خوف من وقوع الاصطدام بين هذه النجوم ، وذلك لأن المسافات التي تفصل بعضها من بعض هائلة ، حتى لكأنما كل نجم منها يقع وحده في فراغ تام . وتدرك هذه الحقيقة بشكل أوضح إذا تذكرت ما قلناه سابقا من أنه إذا كان أحدها يمثل بذرة في ميدان لاظوغلى فإن الآخر يمثل بذرة أخرى واقعة عند الاسكندرية مثلا . ومن ذلك كله يتضح أن احتمال وقوع التصادم بين أى اثنين من هذه النجوم التي في المجرة
يماثل احتمال وقوع التصادم بين قاربين صغيرين قد دفعا في المحيط : أحدهما من شمال امريكا ، والآخر من جنوب أفريقا .
وليست هذه نهاية القصة ، فقد بلغ الفلكيون إلي ابعد من هذا . فهناك حول المجرة توجد مجموعات من النجوم يبلغ بعدها عنا محو 100.000سنة ضوئية ، ومع ذلك فلا يزال يليها سحب اخري من النجوم هي مجرات اخرى ، بعدها عنا يصل إلى نحو مليون من السنين الضوئية ، وكل مجرة من هذه المجرات بها ملايين الملايين من النجوم ! .

