الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316 الرجوع إلى "الثقافة"

حول الاصلاح الاجتماعى :، تثقيف الشعب ومن يتولاه

Share

ناقشت فى العدد ٣١٤ من هذه المجلة معظم آراء الأستاذ

محمد فريد أبو حديد بشأن مشروع مكحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية وذكرت فى آخر المقال أن النقطة التى تبقت مما كنت أود مناقشته هى أن المدرسة العامة لأطفال الشعب ستكون هى المركز الذي يشع منه الإصلاح فى هذه الناحية . وقلت إن ذلك يحتاج إلى تفصيل بضع الأمور فى نصابها . وهاءنا أحاول فى هذا المقال إيراد هذا التفصيل .

وأود قبل كل شىء أن أعبر عن اغتباطي بما قاله هذا الموضوع الحيوى من عناية وحسبنا دليلا على ذلك الحديث الذى جرى بين مندوب جريدة الأهرام الغراء وبين معالى وزير الشؤون الإجتماعية بشأن مشروعه لتنفيذ قانون مكافحة الأمية ذلك الحديث الذى نشرته الأهرام فى يوم الثلاثاء ٢ الجارى وقد بين فيه معالى الوزير مميزات المشروع فى الصورة التى اعتزم تنفيذه عليها وقارنه من بعض النواحى بالشروع الأصلى .

وإنا لنحمد لمعالي الوزير أن يعرض

ما ينوي تنفيذه على الجمهور ليسمع رأيه فيه ، كما نحمد لمعاليه أيضا المبادئ التى توخاها فى خطة التنفيذ كما وصفها ونرجو له التوفيق والنجاح . وكنا نود لو أن هذا الحديث قد تعرض لعلاقة مشروع تنفيذ قانون مكافحة الأمية بجهود التعليم الأولى فى وزارة المعارف ، ولكنه لم يتناوله ، وأعمل ذلك لحكمة رآها المتحدثان ربما كانت ذات صلة بأن معالى الدكتور هيكل باشا يتولى شؤون الوزارتين معا ولو أن معالى الوزير تعرض لتلك النقطة لسكفانا على الراجح أن نناقش الأستاذ أبو حديد فيها .

ولقد كنت أنتظر أن يسمعنا الأستاذ فريد رأيه فيما أوردته من آراء في مقالنا الماضى ، ولكن حضرته آثر السكوت ، ولعله ينتظر تكملة الحديث حتى يبدى رأيه فيه جملة ولهذه الأسباب أبادر بتصفية هذه النقطة الهامة وهى علاقة مشروع مكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية بالتعليم الأولى سيما واننا سمعنا بعض الناس يقول أنه ما دام المشروع تعليميا فلم لا تتولاء وزارة المعارف التى تملك

الاماكن والادوات وتسيطر على المعلمين والرؤساء وهلا يكون فى قيامها عليه إقتصاد فى الجهود والنفقات والأشراف وتوحيد للأساليب التعليمية التى تتبع للكبار وللصغار معا .

ونشير أولا إلى أن مسألة الاقتصاد فى الجهود والنفقات والأشراف مسألة وهمية فإذا كان العمل منتظما ويؤدي على الوجه الكامل فنفقاته وجهود القائمين عليه أن تتأثر بتبعيتهم لهيئة دون سواها على أن هذه مسألة ثانوية إذ الواجب أن ينظر إلى الطريقة المتجة بقطع النظر عن الإعتبارات الأخرى .

وأول ما نلاحظه هو أن تثقيف الشعب لا يمكن أن يتم على وجه مثمر إلا إذا كان عن طريق يتصل بجهوده العملية ، ويفيده فى حياته الاجتماعية ، وفى أحواله المعيشية ، ويصل بينه وبين التقدم الفكرى من جميع النواحى . ومن ثم كانت أية محاولة من النوع المدرسى العادى كالطرق العتيقة التي ألفناها فى صغرنا لتعليم القراءة والكتابة واعطاء تطبيقات عليها من ذلك النوع الجاف الذى ليس له معنى يشوق ، أية محاولة من هذا الصنف مقضى عليها بالفشل ولا تنتج الا انصراف جمهور الشعب عن مثل تلك الدراسة .

ومن ثم يخطئ الذين يظنون أن

تعليم الكبار وتثقيفهم لا يخرج عن كونه إستمرار للتعليم المدرسى العادى فلا يحتاج إلى مجهودات جديدة من نوع مختلف ولا لأسلوب مغاير لما يتبع فى التعليم الأولى للصغار فتعليم الكبار يجب أن ينظر إليه على أنه وسيلة لتحسين أحوالهم الاجتماعية ، ويجب أن تكون أساليبه متأثرة مجميع الظروف الاجتماعية التى تكشف اولئك المتعلمين ، وتتفاعل مع تلك الظروف ، ومن ثم لابد أن تتصل بجميع الجهود التى تبذل من جانب مختلف الهيئات لتحسين الأحوال الصحية والمعاشية والاجتماعية للفلاحين والعمال .

فهناك الجهود التى تبذلها وزارة الشؤون الاجتماعية للنهوض بهؤلاء من الناحية الإجتماعية والجهود التى تبذلها وزارة الزراعة للنهوض بالفلاحين من الناحية الفنية التى تؤدى إلى تحسين أساليبهم فى الزراعة وتربية الماشية وغيرها وبالتالى إلى تحسين الانتاج ، والجهود التى تبذلها وزارة التجارة لخدمة أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة ، والجهود التى تبذلها مصلحة العمل لتحسين حال العمال فى عملهم ومعاشهم ، والجهود التى تبذل فى تعليم هؤلاء جميعا فوائد التعاون وآثاره وتبصيرهم باستغلاله لمصلحتهم ، إلى غير ذلك من جهود حكومية لا تحصى .

وإلى جانب الجهود الحكومية تقوم جهود الهيئات الحرة كالإتحادات والنقابات وجمعيات التعاون وجماعات الاصلاح الاجتماعى ، وجهود أخرى يقوم بها أصحاب المصانع والمتاجر الكبرى . والتفاتيش الزراعية تقوم بها بالفعل أو يجب ان تقوم بها إذا شاءت مسايرة العصر وخدمة العمال كما ينبغى .

كل هذه الجهود يجب أن تسايرها وتتعاون معها وتتفاعل واياها عملية التثقيف . فالهيئة التى تقوم على مكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية يجب أن تكون هيئة قوية مستقلة ذات اختصاص معين وتخصص فى هذا الإتجاه ، كما يجب أن تؤسس علاقات تنسيق بها جهودها مع كل الجهود التي تبذلها الوزارات والمصالح الاخري ومنها وزارة المعارف . وذلك على نسق ما تفعل وزارة الشؤون الآن بإزاء ما تقوم به من جهود زراعية وصناعية وصحية وخيرية الخ .

ويجب أن تعمل هذه الهيئة بصفة خاصة على كسب ثقة الهيئات غير الحكومية وتعضيدها ومعاونتها وكذلك الأفراد الممتازين فى ثفاقتهم والمتحمسين لخدمة بلادهم ومواطنهم ، فلعل أساس نجاح مثيلات هذه الحركة فى البلاد الأخرى التى سبقتنا إليها كان مساهمة الهيئات الحرة والمتعلمين

الناسين فهؤلاء كانوا يقومون بالمعاونة فى رسم الخطط وعمل الكتب وإلقاء الدروس كما كانت تقوم الهيئات بإنشاء النوادي واعداد الساحات الشعبية والمكتبات العاصرة بالكتب وتنظيم الدراسات الفنية واعداد أماكنها وبالجملة تقديم أصدق المعونة وبذل أغلى التضحيات فى سبيل تلك الخدمة العامة .

على أننا يجب أن نقول هنا كلمة حق صريحة نبتغنى بها وجه الله والمصلحة العامة وحدها ألا وهى أن لدي وزارة المعارف عملا صعبا وأمامها مهمة شاقة تستنفذ كل جهودها وتستأهل أن تملك عليها كل تفكيرها ألا وهى مهمة أصلاح التعليم الأولى الذى هو الدعامة الكبرى لكل أصلاح والذي يقر الجميع بأنه قد فشل للآن فشلا ذريعا ، فما ينبغي لوزارة المعارف أن تتصدي لأي مشروع جديد ضخم كالذي نحن بصدده قبل أن تنجح فى النهوض بالتعليم الأولى أولا ثم تنصرف إلي تعميمه ثانيا فهذا هو العمل الجليل الذى فى صميم اختصاصها والذى بحق لكل مفكر أن يطالبها بتأديته قبل كل شئ آخر

ثم أليس من المصلحة أن يترك المجال لهيئات أخرى ولأساليب جديدة

في التفكير لكى تعالج هذا المشروع الجديد غير متأثرة بالاعتبارات التقليدية التى غلبت على تفكير وزارة المعارف . ومن يدرى فلعل هذه الوزارة نفسها تجد فى التجارب الجديدة وفى الأسلوب المستحدث ما تستفيد منه فى ميدانها الخاص .

هذا إلي أن تعليم الكبار على الصورة التى وصفناها سيجعلهم يتذوقون حلاوة الثقافة ويجدون فى التعلم لذة ونورا ويكونون بذلك أكبر عون على تعهد أبنانهم الذين يذهبون إلى المدارس الأولية فلا يحبسونهم عنها ويضطرون أولى الأمر إلي فرض العقوبات عليهم بل يحثونهم على الذهاب اليها ويتبعون بشغف تقدمهم فيها ويؤسسون صلات بينهم وبين القائمين على تعليم ابنائهم يكون لها أكبر الأثر فى نجاح هؤلاء الأبناء

ومادام تنفيذ المشروع سيقتضى استخدام مدرسى التعليم الأولى فسيكون فى ذلك فرصة ذهبية لهم لكي يتصلوا لا بأولياء الأمور كما قدمنا فحسب وإنما لكى يتصلوا أيضا بالرجال القائمين بختلف نواحي النشاط الاجتماعى والاقتصادى والصحي الخ الذي يقصد منه خدمة الشعب ، وسيكون لهذا الاتصال من غير شك أثر جميل في توسيع آفاق هؤلاء المعلمين

انفسهم وفى تنمية ثقافتهم وتهذيب أساليبهم ، وبالجملة سيفيدهم أكبر فائدة . وهذا لا يتسنى إلا إذا كان القائم على هذه الحركة هيئة خارجة عن محيط وزارة المعارف ومتصلة تلك الاتصالات الواسعة المدى التى أشرنا إليها

وبعد فإنى لأرجو بعد هذا التفصيل أن يوافقنى الأستاذ فريد أبو حديد على أن المدرسة الأولية أن تكون المصباح الذى تشع منه أنوار الأصل - في الوقت الحاضر على الأقل - وإنما سيتم الإصلاح إذا تحققت الصورة التى وصفتها . وإذا كان لابد من مركز يشع منه نور الاصلاح فليسمح لى صديقى بأن أقول إن هذا المركز الذى يصلح لأشعاع أنوار الاصلاح فى جميع نواحى الحياة المصرية هو الرأى العام المستنير الذى ينشأ محليا فى كل منطقة من مناطق القطر وفى كل ركن من أركان البلاد .

إذا تكون هذا الرأى العام واتخذ لتنفيذ أرادته أداة نيابية صالحة هى مجلس القرية الذى يضم طائفة من المتعلمين المتحمسين للخدمة العامة والمخلصين فى رغبتهم فى النهوض بجميع مواطنيهم من سكان القرية ، إذا اقامت مثل هذه المجالس عندنا فانها تكون خير أداة لتوجيه سياسة الأصلاح فى كل ناحية والمعاونه فى رسم السياسة

ولتوجيه المناهج التثقيفية توجيها صالحا ملائم للظروف المحلية ، وللمساهمة الفعلية فى نشر الثقافة الشعبية المناسبه والعمل على جعل برنامجها ممتعا .

فنحن نريد لهذا المنهج الثقافي دراسة ممزجة ببرامج دينية مشوقة وببرامح بريئة مسلية ، نريد أن نجد العنصر التثقيفى منبثا فى ثنايا الاجتماعات والحفلات العامة . ونطمع فى أن تكون لهذه الدراسة أذاعات خاصة وأقلام مناسبة ، وأن نجد فيها روحا ونشاطا وتجديد لا برغب فيها ويشجع على الأقبال عليها فيكون فى ذلك حافزا يغنينا عن الالتجاء للعقوبات تنزلها بالمتخلفين عن التعلم أو عن التعليم .

فهل لنا أن نأمل أن يتحقق  هذا كله .. ؟

اشترك في نشرتنا البريدية