الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 266الرجوع إلى "الثقافة"

حول الاصلاح التعليمي ، ملاحظات

Share

بدا في هذا العام نشاط غير عادي في الدوائر التعليمية يوشك ان يؤدي إلي ثورة فكرية عنيفة ايقظها بحق معالي نجيب الهلالي بإشا بتقريره الذي وضعه في الصيف الماضي وقدمه إلي البرلمان عند ابتداء الدورة الحالية فظفر بتأييد النواب والشيوخ المبادئ السامية التي قررها فيه . وبذلك شرع الوزير ومعاونوه ، في وضع التفاصيل التنفيذية لسياسة التعليم في مصر في ضوء تلك القواعد العامة التي رسمها في التقرير .

وتلا ذلك نشاط ظاهر في الدوائر التربوية فقام عميد معهد التربية المعلمين ، بوصفه رئيسا لرابطة خريجي ذلك المعهد ، يلقي محاضرتين في اسبوعين متتالين يعلن فيهما للناس رأيه في السياسة التعليمية بمصر وكان فيما ابداء أكثر تفصيلا بطبيعة الحال ، واقترح اقتراحات معينة ورسم خطة السير وطريقة صرف مال الدولة حسب أفضلية الأعمال التي يقتضيها تنفيذ السياسة التي رسمها لإصلاح التعليم في مصر

ولم يكد يمضي على المحاضرة الثانية أيام قليلة حتى أعلن للناس ان المستشار الفني لوزارة المعارف سيتكلم في نفس القاعة التي تكلم فيها عميد معهد التربية عن رايه في سياسة التعليم في مصر . والقيت المحاضرة بالفعل وحضرها عدد لم يسبق لمصر ان شهدته في الجمعية الجغرافية ، جاء يستمع المحاضرة علمية . ولا غرابه في ذلك فالموضوع على جانب عظيم من الأهمية ، والمحاضر من رجال مصر المعدودين . ومركز ، في الحكومة يزيد كلامه في هذا الموضوع أهمية ويحقق الناس علي التسابق لسماع آرائه

وهكذا بدأ الاهتمام بأمور التعليم يحتل المكان الذي هو جدير به ، وبدأت الناقشات بشأنه تتخذ صورة حية نشيطة ؛ وكل ذلك في مصلحة الاجيال المقبلة لسكان هذا القطر . وقد شعرت بعد ان اطلعت على تقرير الوزير واستمعت لمحاضرتي الاستاذ القباني ، ولمحاضرة الدكتور طه حسن بك أن على واجبا نحو قراء الثقافة أن أقول كلمة في هذا الموضوع الحيوي الهام :

لا شك أن القواعد والمبادئ التي ضمنها الوزير تقريره لا يمكن لأحد أن يعارض فيها بل يرحب بها كل الناس ، وقد رحب البرلمان بها بالفعل واقرها وشكر وزير المعارف عليها . فهي قواعد ومبادئ صالحة لان يبني عليها صرح سياسة تعليمية نافعة ، وفيها ضمان لأن يكون التطبيق أو التنفيذ عمليا ، ومفيدا وعادلا . وقد يبدو لأول وهلة القاري تقرير الوزير وسامع محاضرتي الأستاذ القبائي أن هناك خلافا كبيرا بينهما . ولكن الذي يدقق فيما قرا وسمع لا يصعب عليه أن يجد كثيرا من الآراء التي أيداها الأستاذ القباني تصلح لان تكون تطبيقا جيدا المبادئ التي قررها الوزير وإذا كانت هناك بعض النقط التي يبدو الخلاف بشأنها عظيم بين رأي الوزير ورأي العميد ، فقد جاءت محاضرة المستشار بتفسير لبعض ما أراده الوزير وببيان لما يرفع أن يتبعه من خطط وهذا البيان وذلك التفسير من شأنهما أن يوفقا بين وجهتي النظر اللتين كانتا تبدوان متباعدتين . وسترد بعض الأمثلة في الملاحظات الآتية :

أولا : فيما يتعلق بتوحيد المدرسة الأولى : فهم بعض الناس من تقرير الوزير ومن تصريحات معالية في مجلس الشيوخ ان التعليم الاولي والتعليم الابتدائي سيظل كل منهما قائما بذاته مستقلا عن الاخر تمام الاستقلال ، وان الأول سيتناوله الوزير والإصلاح الشامل ، وان الثاني سيسهله الوزير لكل راغب فيه ويفتح أبوابه للجميع

بالمجان يدخله من يشاء على أن تملأ المحلات الخالية في المدارس بالمتقدمين حسب ترتيبهم في الامتحان . ورأي بعض الناس ان ذلك قد يتنافي مع المبادىء الديقراطية ومبدأ تكافؤ الفرص لان المدارس الابتدائية لن تتسع للجميع ولأن المدرسة الأولية ستتجه اتجاها ريفيا أو صناعيا أو تجاريا او ملاحيا بحيث لن تتاح للداخلين فيها نفس الفرص التي ستتاح للآخرين

ويري أصحاب هذا الرأي أن النتيجة الطبيعية للمناداة بالديمقراطية وبمبدا تكافؤ الفرص هي توحيد المدرسة في هذه المرحلة الاولي من مراحل الدراسة ، إما يجعل المدرسة الواحدة هي المدرسة الابتدائية بشيء من التعديل كما رأي الأستاذ القباني ، وإما يجعل المدرسة الواحدة هي المدرسة الأولية كما رأي المؤتمرون عصر في سنة ١٩٢٥ لما بحثت نقابة المسلمين حينذاك هذا الموضوع ولأأصحاب الرأي الأول حجتهم القوية من ان المدرسة الجديدة يجب أن تبعد عن المدرسة الأولية الحالية التي ثبت للجميع فشلها كما يجب أن تستمد روحها من روح التعليم رياض الأطفال . ولا صحاب الرأي الثاني حجتهم القوية ايضا وهي ان مدرس التعليم الاولي الحالي يصلح بشيء من العناية والتوجيه والإرشاد لأن يضطلع بالمهمة لا سيما إذا جمل علي رأس كل مدرسة رئيس مستنير

ولعل أقوي حجة للفريق الأخير هي أن التعليم الابتداني فيه كثير من الترف إذ يتكلف التلميذ فيه نحو ٢٥ جنبها بينما يتكلف التلميذ في المدرسة الاولية أقل من جنيه واحد وتحسين المدرسة الأولية يتم إلي حد قريب مما نبتغيه إذا جعل ما يصرف على التلميذ الواحد ستة جنيهات أو سبعة ، ومثل هذا تحتمله مينزانية الدولة أسهل من احتمالها تعميم التعليم الابتدائي . هذا إلي ان جعل المدرسة الاولية هي المدرسة الواحدة يضمن اصلاح تلك المدرسة ويضمن مصلحة الطالب الفقير عما إذا انشئ نوع جديد قد يستتأثر

بالعناية وبالنفقة

وبينها الفريقان يختلفان علي أي المدرستين أولى بالتعميم إذا بالمستشار يطلع على الناس في محاضرته برأي وسط . فهو يقول بأن التعليم الأولى يجب أن يبقى قائما كتعليم صالح لعامة الشعب والجماهير ، وأن التعليم الابتدابي يجب أن يقي قائما كتعليم يؤهل من يتلقونه للدراسة الثانوية فالعالية أو الجامعية ، فهو إذن تعليم بعد القواد وذوي الرأي في البلد فلا غني لنا عنه . وإنما الذي يصح أن يقال وينفذ هو ما وعد به  وزير المعارف في مجلس الشيوخ من فتح ممرات ودهاليز ينفذ منها التلميذ من التعليم الأولى إلي الابتداني متى ثبت ان استعدادته الفكرية تؤهله للمضي في الدراسة الثانوية والعالية بنجاح . وصرح الدكتور طه بك بأن هذا الإجراء من شأنه أن يطمئن المعترضين ويبين لهم أن كل ذوي الاستعدادات والمواهب العالية ستتاح لهم فرصة استغلالها في التعليم الجامعي أو العالي . هذه خلاصة الآراء التي وردت والتي بقي أن تعرف أيهما أسهل في التطبيق وانفع للبلد وأيها أقرب لروح العصر ولمبادئ الديمقراطية ولمبدأ تكافؤ الفرص .

ثانيا : فيما يتعلق بالمجانية دافع معالي الوزير عنها دفاعا مجيدا مبنيا على أسس مثبتة ودعا إلي تعميمها في مرحلتي التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي وابان ان هذه كانت نية واضعي الدستور المصري ولكن العميد يري ان المجانية الجديرة بالتعميم والتشجيع وبأن تفرضها الدولة على نفسها هي المجانية الخاصة بالمتفوفين وحدهم أما المجانية المطلقة فلا يصح أن تقررها الوزارة إلا بعد ان توفي التعليم الاولي حقه من الإصلاح حتى يصل إلى المستوي الذي يعتبر حدا ادني لما يتفق مع الكرامة الإنسانية ومطالب الحياة الحقة . وبعد ان توفي الدولة النابغين المتفوقين حقهم في تنمية مواهبهم والوصول إلي ارقي درجات التعليم ، وبعد ان تقوم بتيسير اسباب التعليم

الثانوي والعالي علي اختلاف انواعهما للقادرين من غير المتفوفين على أن يتحملوا نفقات تعليمهم كاملة فإذا تبقي بعد ذلك فضل في المزانية صرف في تيسير اسباب هذين التعليمين لكل من يشاء من أبناء الأمة على نفقة الدولة

أما المستشار فقد رافع عن المجانية دفاع الوزير عنها ولكنه قيدها ايضا كما قيدها الوزير بأن تمنح المتقدمين حسب الكفاءة العلمية وإذا دققنا في الأمر تبين لنا أن هذا الشرط الذي اشترطاه قد ينتهي بإزالة الخلاف بين وجهتي النظر والمسألة علي كل حال جديره والبحث الدقيق مع مراعاه جميع الظروف حتي تصل فيها إلي راي يحقق العدالة الاجتماعية بغير أدنى ريب ، ويطمئن الناس هي ان ما ستصرفه الدولة في هذا السبيل سيعود بالنفع علي الأمة جميعا

ثالثة : فيما يتعلق بالمدارس الحرة يري معالي الوزير أن التعليم الحر مقيد صالح للبقاء جدير بالتشحيع وجه تام فهو قد ادي في الماضي وسيودي في المستقبل خدمات جليلة للتعليم قد تقصر الدولة عن أدائها لكن الاستاذ العميد يري أن بعض هذا المدارس من غير صالح البقاء وغير جدير بالتشجيع ، والبعض الآخر الذي يوفي شروطا غيرها يستحق كل عناية ومعاونة ليظل باقيا يؤدي رسالته أو يتطور ليؤدي رسالة اخري ومن ذلك يتبين أن بقاء المدرسة الحرة مسلم من الطرفين كما يتبين أن المدرسية الحرة قد يطلب منها في المستقبل أن تقدم وظائف آخري كاعداد تعليم ابتدأىي خاص لابناء القادرين لم تقبلهم المدرسية الابتدائية او الذين لم يجدوا في المدرسة الواحدة طلبتهم ولم تطمئن نفوسهم إليها

على أن بعض الناس يشفق من أنه قد تتاح لهذا المدارس الحرة ولا سيما الأجنبية منها فرصة لتلعب دورا خطيرا في حياتنا الاجتماعية ، فهذا الفريق يخشي إذا طبق الوزير نظريته الخاصة بتعميم المجانية علي أساس الدرجات أن

يفوز بالإمكنة الخالية معظم غير القادرين من أبناء الطبقات الفقيرة لا سيما إذا كانت أعمارهم كبير من اعمار أبناء الطبقات الأخرى وبذلك تزداد فرصهم للتفوق على زملانهم في امتحانات القبول . فإذا حدث هذا اضطر اولياء امور التلاميذ الذين لم يقبلوا بمدارس الوزارة إلي إدخال ابنائهم في المدارس من الحرة التي سيهرع الأجانب إلي فتحها وذلك نشأ في مصر طبقة من المدارس الخاصة شبيهة والتي نشأت في انجلترا ودارت في الأيام الأخيرة مناقشات حامية هناك بشأن بقائها أو عدمه . تلك المناقشات التي فصلها معالي الوزير في تقريري فاذا كان وجود تلك المدارس القومية إلتى أسدت أجلي الخدمات للاميراطورية البريطانية محل تناول فان احتمال نشوء مثل تلك المدارس كصر تحت اشراف أجنبي ناصر يدعو الي التنبه والدرس والخذر من سوء نتائجه

رابعا وأخيرا فيما يتعلق بالدراسات البداجوجية والسيكولوجية

لا شك في أن معالي الوزير يقدر هذه الدراسات حق قدرها بدليل أنه ضمن تقريره وبني كثيرا من أرائه على نتائج بحوث رجالها في الخلترا وأمريكا . والاستاذ العميد بطبيعها الحال يضعها في المكان الأول . ولكن الدكتور ماء بك اتخذ في هذا الشأن موقفا قد يبدو غريبا ، فهو قد صرح بأنه لا يؤمن بالبداجوجيا ولا والسيكولوجيا بل بالغ فقرر إنه من خصومها ، ولكن المدقق يخلص من كلامة إلي أنه كان بداعب بكلماته هذه الأستاذ العميد ورجال التربية ، ولم يكن يقصد بجد ما قاله في هذا الصدد إذ لا يعقل أن يكون المستشار الفني بوزارة المعارف خصها للتربية وعلم النفس ، و وزارة المعارف ليس فيها من الشئون الفنية سوي البحوث التربوية والنفسية . وكل نظام يصح ان يوضع المستقبل يجب ان يقوم علي الاسس التي يقررها علماء التربية والنفس . وأقصد بهؤلا ، علماء التربية والنفس العصر أولئك الذين يحاولون درس العقلية المصرية دراسة

وافية ولا يكتفون بنقل نتائج دراسات علماء أمريكا وانكلترا وتلك مسألة معقدة تحتاج ايضا لدرس من مستفيض وللتغلب علي صعوبات قوية

وبعد ، فماذا تخلص من هذا كله ) إنا لنري أنه من حظ هذا البلد ان تقوم هذه الحركة التعليمية وان يتسع نطاق الجدل فيها وتتشب البحوث فهي أذن حركة موفقة مباركة نرجوا ان تتطور إلي ثورة فكرية لاشك في أنها ستؤدي إلي احسن التنائج وسيكون لها أجل الأثر في توجية التعليم مصر وجهة صحيحة صالحة تجملنا تطمئن إلي مستقبل القش وحسن إعداد الأجيال القادمة للاضطلاع باعباء الحياة

ولكنا تهمس في آذان الجميع أن المسألة ليست مسألة انجيازا إلي رأي ولا يحزب لفكرة ، وأنها ليست بالسهولة التي يراها البعض ، وان من الخير ان يتبادل الناس الآراء فيها ، وان من المصلحة ان يختلفوا وان من الواجب ان

تشجع الوزارة رجالها على المساهمة في هذه البحوث وإبداء أرائهم . ولعل من الخير أن تنظم الوسائل التي بها يشترك الجميع في الدرس والبحث والتفكير والتعبير عن ارائهم

بل إنما تذهب إلي مدي ابعد من هذا فنقول بانه يحسن ان يشترك جميع الفكرين في البلد في تبادل تلك الآراء ولعله من الخير ايضا ان يعقد مؤتمر ومؤتمرات لهذا الغرض تبحث فيها المشاكل العديدة التي ستنشأ عند التنفية . إذا كانت الوزارة مشغولة عن الدعوة إلي مثل المؤتمرات فعندنا هيئات كثيرة يصح ان تبحث هذه المشاكل ويدعو إلي مؤتمرات لتبادل الراي فيها ، واعني بها هيئات لجمعية العلمين ولجنة التأليف والترجمة والنشر ورابطة التربية الحديثة وجماعة دار العلوم وخريجي معهد التربية وغيرها من الهيئات العلمية القائمة بمصر . ولعل تنبيها كهذا يكون له صداء وتبلغ الصيحة الأذان وتتسع دائرة البحث وتقوم الثورة الفكرية التعليمة التي ترجو من ورائها الخير الكثير

اشترك في نشرتنا البريدية