تطورت أساليب التربية مع الزمن تبعا لتطور المثل العليا التى تسود كل عصر من العصور ؛ فلما كانت القوة الجثمانية خير غاية للانسان ، أقيم صرح التربية على هذا الأساس ، وعني بتقوية الجسم وتمرينه علي أنواع الرياضة وضروب الفروسية . ولما اتجه الفلاسفة نحو العناية بالقدرة الكلامية ، وقرع الحجة بالحجة ، تسيطرت هذه الفكرة على القائمين بتربية النشء .
ثم استولي على الانسان الاعتقاد بأن أسمى الغايات هي أن يحصل المرء من العلم والمعرفة أكبر قسط . وعندئذ أخذت السلطات التعليمية تتنافس في تزويد الناشئين بالمعلومات علهم يحيطون بعلم الأقدمين والمحدثين . فتزايدت ساعات العمل الدراسي وتضاعفت المناهج ، وازداد الحمل على التلميذ المسكين .
ثم وضعت السلطات التعليمية نظما عتيقة بغيضة ، واطلقوا عليها اسم الامتحانات ، واحاطوها بجو رهيب مصطنع لا يقيس في التلميذ سوي ذلك القدر الذي استظهره من تلك المواد التي تعلمها . واصطبغ التعليم بصبغة ميكانيكية . وانتشر هذا التعليم ، وكثر عدد الخريجين وامتلأ بهم السوق . وإذا بأكثرهم بمعجز عن المقامرة في الحياة وعن النجاح في أعماله . وعندئد أخذ كثير من المربين يتساءلون : هل هذا النوع من التعليم هو خير الأنواع ؟ وهل هو عدة مناسبة للنشء في الحياة ؟
وفيما كان رجال التربية يراجعون أنفسهم في اغراضها وأساليبها كان علم النفس يتقدم بخطوات واسعة ، وتتطور بحوثه ، وتصطبغ بالصبغة العملية التجريبية ، فدرست
الطفولة في مختلف مراحلها ، وانتهي علماء النفس فى القرن العشرين إلي مباديء عامة أهمها :
أولا - أن لكل مرحلة من مراحل نمو الانسان جسميا وعقليا خصائص ومميزات ؛ فالدور الأول من الطفولة مثلا أهم مميزاته اللعب ، وما يتجلي فيه من نشاط وما يبدو فيه من خيال واسع .
ثانيا - أن لكل فرد مميزات واتجاهات خاصة تتكون منها فيما بعد شخصيته ، وأن نشاط الطفل الحر يكشف عن استعداداته الخاصة ومواهبه الكامنة .
ثالثا - أنه يجب للاعتبارين السابقين أن تكون دراسة الطفل والاهتمام بألعابه وميوله والحياة الخاصة التي يحياها مع رفاقه هي الأساس الذي تبنى عليه أساليب التربية . فالطفل إذاَ يجب أن يكون هو المركز الذي يدور حوله تفكير المربين .
وظهر من علماء التربية فريق يدعو إلي تطور أساليبها تبعا للاعتبارات السابقة ، وبجهود هؤلاء المربين ظهرت في ربع القرن الأخير طرق جديدة طبقت في مدارس خاصة . نتكلم الآن عن أهم مميزاتـهـا :
كان الطفل في نظر المربين فيما مضي كائنا وديعا مستقيلا . وكانوا يشبهون عقله بلوح تنطبع عليه نتائج التعليم انطباعات ثابتة ، ويصورونه وهو جالس منصت كقطعة من الطين يشكلها المعلم كيفما شاء . وهذه الحقائق فيها كثير من الصحة ، ولكنها تهمل عنصراَ أساسياَ ، هو أن الطفل كائن حي ينمو بنشاطه الذاتي ويتفاعل مع الوسط والبيئة التي يعيش فيها والحياة الزاخرة بالنشاط التي يحياها .
ولكي يستغل نشاط التلميذ الذاتي أو فاعليته (his activity) يجب أن يجد الطفل من نفسه باعثاَ داخليا يستثير فيه هذا النشاط ؛ وخير وسيلة لذلك إثارة المشاكل
أمامه او عرض المشاهد والموضوعات بصورة يجد فيها التلميذ مسائل تتطلب الحل . وصعوبات يستشعر رغبة في التغلب عليها .
فالمشكلة هي الحافز على النشاط العقلي استجابة لميول حية في نفس الطفل . وذلك النشاط يمده بالمعلومات التي يجد لمدة كبرى في الحصول عليها ، والتي تنطبع في نفسه ثابتة لا تمحي ، والتي تتفاعل مع معلوماته السابقة ، وذلك على عكس الحقائق التي كان يتلقاها التلميذ من مدرسه فتملأ ذا كرته دون ان يكون لها اثر ثابت أو تفاعل محسوس مع ماسبقها من معلومات ؛ ولكل واحد من كبار المربين طريقته الخاصة في تحقيق ذلك الغرض .
فد كرولي له طريقته ، ومونتسوري لها طريقتها ، وهيلين براك هيرست لها طريقتها المعروفة بطريقة دولتن ,وكلياترك له طريقته المعروفة بطريقة المشروعات ، وهكذا .
هذا إلي أن المدرسة الحديثة قد اتخذت صورة مجتمع حتى يعيش فيه الأطفال على النسق الذي سيعيشونه في المستقبل كافراد في مجتمع إنساني يتعاونون على تحقيق أغراض وضعوها نصب أعينهم . فهم يجتمعون فيما بينهم وينتخبون ممثليهم لإدارة شئونهم ومحاسبة المقصرين
أو المذنبين منهم ، ويرسمون الخطط لتنفيذ ما يتراءي لهم القيام به من أعمال ويقوم كل بقسطه بأمانة وحماسة . وهذه كلها الأسس التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية الصحيحة والتعاون الفعال بين المواطنين على اختلاف استعداداتـهم وطبقاتـهم ووظائفهم في الحياة ، تبذر بذورها كلها في الطفل وهو في المدرسة ؛ فنحن هناك نعده للحياة بواسطة الحياة نفسها .
وكان من اثر الاهتمام بالنشاط الذاتي للطفل أن تغيرت معالم المدرسة تغيرا اساسيا ، فبعد ان كانت مجرد فصول تشتغل كلا منها فرقة من الفرق ويتناوب عليها المعلمون بالتوالي ، أصبح يخصص في كثير من المدارس فرقة لكل
مادة يطلق عليها اسم المعمل ، وتحتوي الأجهزة والكتب والمراجع والأدوات اللازمة لدراسة هذه المادة دراسة عملية ، يقوم بها التلميذ معتمدا علي نفسه تحت اشراف المعلم وبتوجيهه توجيها غير محسوس .
وفي كل مدرسة ورش للأشغال اليدوية يصرف الطالب فيها وقتا طويلا لتدريب يده وتعويدها الدقة والمهارة . واعطيت للتلميذ حرية واسعة في التصرف في كثير من ساعات الدراسة يشغلها بالدرس أو العمل اليدوي بالكيفية التي يراها .
وتطورت دراسة العلوم تطورا محسوسا ، بحيث أصبحت تؤدي إلي غرس الروح العلمية الحقيقية في التلاميذ ، تلك الروح التي تحملهم على تفهم الظواهر وإدراك مسبباتـها ، والمناقشة في كل رأي ، فلا يسلمون بصحته إلا من عقيدة واطمئنان بعد إجراء التجارب اللازمة للتأكد من اتفاق ذلك الرأي والقوانين الطبيعية المعروفة وانسجامه معها .
وأما بقية المواد فقد عني في دراستها بالكيف لا بالكم ، فمقدار المعلومات التي يحصلها التلميذ لا أهمية له ، وإنما المهم هو العناية بترقية أسلوبه في التفكير ، وبتعويده طرائق البحث ، فيكفي في التاريخ مثلا أن يدرس التلميذ بنفسه أي عصر من العصور ( بمناسبة حافزة كتمثيل رواية ) يدرسه دراسة مستنيرة عميقة ،
بعناية واهتمام وتحمس ، تحت إرشاد المعلم ؛ فإذا احتاج في المستقبل إلي دراسة عصر آخر استطاع أن يدرسه بنفسه ، معتمداَ على خبرته السابقة .
والتربية البدنية وما تحتاج إليه من أفنية وملاعب وتنظيمات ، تنال أكبر قسط من العناية ، لأنها مجال فسيح لترويض النفس وتهذيب الخلق وتمرين الطالب على حسن المعاملة والتعاون بمعناه الكامل الصحيح ,
هذا إلي فوائدها المعروفة كسلامة الجسم وصفاء الذهن وهدوء الطبع .
وأخيراَ نشير إلي أنه يبدو على تلاميذ المدرسة الحديثة اشارات تنم عن السرور والمرح والسعادة ، واشارات أخرى تنم عن الرجولة وقوة الشخصية والاعتزاز بالنفس . كما أن تصرفاتهم تكشف عن بعد في الآفق ، وسعة في الحيلة وسرعة في البديهة ، ومرونة تعينهم على إحسان التصرف في كل موقف ، والتخلص من كل مأزق . هذا إلى أنهم يكونون أغزر مادة في كل العلوم ،
لأن ما حصلوه منها قد استقر في ذهنهم للحافز الذي حملهم على تحصيله واللذة التي وجدوها فيه .
ولعل خير ما تختتم به هذه الفقرة ذكر الغرض الذي وضعته نصب عينها الهيئة الدولية المعروفة " برابطة التربية الحديثة " . وهو نشر الاصلاح التعليمي ، وترقيته بحيث يستطيع كل طفل أن يتلقي التربية الكفيلة بإظهار شخصيته الكاملة ، وتنميتها نموا متزنَا ، وإعداده لادراك التبعات الاجتماعية الملقاة على عاتقه ، واضطلاعه بها على خير وجه .

