جاءنا هذا الخطاب من صاحب الامضاء : قرأت وإخواتى مقالتكم الأخيرة بعنوان (( الحلف العربى )) عدد ١٣٦ ، فسررنا لكم بادىء الأمر ولمن بعثكم على طرق الموضوع ، ولكن - لسوء حظ الوحدة - ألفينا كم قد أهملتم قطرا شقيقا متيما بأخبار الحلف ، ومغرما بأحاديث الوحدة ، قطرا هو من العربية فى الصميم ، لا زال محافظا على تراثها ومجدها رغم الأعاصير العاتية التى هبت عليه ، ولو أصابت غيره لما تماسكت أجزاؤه ، ذلك لأنه أوتى كهولا وشبانا مدججين بأخلاق وعادات عربية إسلامية ، دافع بها عن كيانه ، وروى الثرى من أجلها بدمائه ، وحاول أكثر من مرة أن يتصل بالعالم الشرقى ، ولكن سوء الحظ وسياسة الاستعمار التى منى بها لم يمكناه مما أراد . وأخيرا يرى أبناؤه رجالا من خيرة رجالات العلم والأدب فى مصر زعيمة الشرق يتكلمون عن الاسلام والحلف العربى وأقطاره ، ثم يمرون بهذا القطر الشقيق مر الكرام على لغو الكلام .
هذا القطر هو طرابلس - برقة (( ليبيا )) يؤسفنا كثيرا أن تتكلم شخصية مثل الأستاذ أحمد أمين عن حاضر الشرق ومستقبله ، فيتكلم عن الجزيرة وما جاورها ومصر وتونس الخ . ثم يتناسى أو ينسى جار مصر القريب ، بدون علة ولا ضرورة نعلمها ، إن هذا لشىء عجاب ! . . . وفقنى الله وإياكم لما فيه الصالح العام . (لببى)
وجاءتنا كتب أخرى بهذا المعنى من الأديب مصطفى بعيو الطرابلسى وغيره .
كما كتب إلينا بعض شبان المغرب يعترضون على تأخير ذكرهم فى الوحدة العربية ، وجعلهم لا يدخلونها
إلا بعد تكونها ، مع أن أهل تونس والجزائر ومرا كش أقرب إلى أن يكونوا أعضاء فى الوحدة من تركيا وإيران وأفغانستان .
واعترض فريق ثالث على إهمال ذكر السودان من الحلف العربى ، مع أنه أقرب إلى الحلف من غيره .
ونحن نشكر لهؤلاء المعترضين على اعتراضهم ، فأقل ما يدل عليه غيرتهم وتنبههم وتفتح آمالهم وحياة أمانيهم .
فأما عن طرابلس فقد فاتنى ذكرها ، وليس نسيانها من قلة شأنها ، فقد برهنت بأعمالها وجهادها على أنها أمة لا يمكن أن يقضى الاستعمار عليها ؛ ولكن كم مرة عثر الكاتب على المعنى البعيد ولم يفطن المعنى القريب ، وهو أقوم من البعيد ، وكم مرة بحثت الأم عن ابنها وهو على كتفها ؟ فاليهم أقدم المعذرة .
وأما الاعتراض الثانى من أهل تونس والجزائر ومراكش فلست فى هذه المرة ناسيا ؟ ووجهة نظرى أن هذه البلاد فى وضع شائك جدا ، تقوم فى وجه مخالفها مع البلاد العربية الأخرى صعوبات لا يتغلب عليها إلا بالقوة والعنف ؛ فرايت من الخير أن يتكون الحلف العربى القريب المنال ، والذى لا يقف فى وجهه إلا اعتبارات تافهة ، يمكن التغلب عليها متى صدقت النية ، ثم إذا تكون كان انضمام غيره إليه ، وتذليل ما يستعرضه من صعوبات أيسر وأهون .
وأما السودان فرأيى فيه أن قسمه الشمالى بحكم لغته وعنصره ودينه وبئته يكون جزءا من وحدة مصر ، له ما لها وعليه ما عليها ؛ وأما قسمه الجنوبى فنتركه خارج الحلف العربى ، وندعه للسياسات الأخرى تقرر مصيره . هذا رأيى والله الموفق .
