الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

حول الشعر المهموس

Share

كان جميلا من الأستاذ محمد مندور أن يختار قصيدة ميخائيل نعيمة اخي ليتخذها مثالا للشعر المهموس ، وكان جميلا منه أيضا هذا التحليل الموفق لمظاهر الفن فيها . وكنا نرجو وقد أراد المفى في تقديم امثلة اخرى أن يلازمه التوفيق في اختياره ، فيقدم لنا نماذج صالحة لهذا الأدب الرفيع ؛ ولكنه قدم لنا في هذه المرة قصيدة لنسبب عريضه لا تمت إلي الشعر المهموس بسبب ، وراح يصفها بأنها من اروع الشعر ؟ وشتان بين همس مبعثه الشجى وآخر مصدره الضعف ، وفرق بين اهة الحزين وأنات المحتضر

ومن العجيب أن يتخذ الأستاذ من هذه القصيدة مثالا لتجديد شعراء الهجر في موسيقي الشعر العربي ، وان يرمي أن مصدر هذا التجديد هو اتخاذ المقطوعة وحدة للقصيدة بدل البيت ، فان هذا شيء قديم نجده كثيرا في الموشحات ، وقد نظم فيه كثير من شعرائنا المعاصرين ، ولو اردنا ان نقدم الأمثلة لضاق بنا المقام . ولكن هل أصبحت المقطوعة حقا وحدة هذه القصيدة ؟ إن في آخر كل شطر منها سكونا بفيضا يقطع عليك انفاسك وأنت تريد أن تمدها لتنم المعني والموسيقي ، فالشاعر لم يدع لك الحرية في أن تلحق شطرا بشطر كما تستطيع ان تفعل في الشعر التقليدي ، فليست الوحدة إذا هنا من ثماني تفعيلات كما يقول الأستاذ ، وإنما هي من اثنتين اثنين فحسب .

والأستاذ مفتون بدقة إحساس الشاعر التي هدته إلي مجزوء الكامل ليصوغ فيه قصيدته ، لانه لا يدخل فيه من الزحاف ما ينقص شيئا من لم التفعيلية ، وهو لا يري فرقا بين (متفاعلن)و ( مستعملن ) ، وهذا شيء مجيب !

فإنفا (متفا ) غير(مس تف)، فتلك درجة واحدة وهذه درجتان وإن تساوي طول المقطعين . وهو يذكر أن الإطراد في الكامل والهزج ( يخلط الأستاذ في التسمية بين الهزج والوافر) هو سر الجمال في هذه القصيدة ، لأنه يلائم الإضاء والحيرة . ومن الغريب أن يري الكاتب في اتساق الموسيقي وسلامتها التامة مظهرا للجمال ، وهو قد عاب أسلوب الأستاذ الريات بمحافظته الشديدة علي الموسيقى وحرصه علي المزاوجة التي لا خلل فيها بين أجزاء الكلام ! وكأني به إذا لا يعجبه إلا نقرات الطبل وإيقاع الزنوج ، لأن أفلت الكمان فيها الطويل والقصير وفيها الحاد والغليظ ، فهي لا تمثل الإقصاء والحيرة ! إن هذا يسوقنا إلي الحديث بوجه عام عن مذهب الأستاذ في موسيقى الشعر وبحور العروض ، فهذه الأوزان كقواعد الضرب على الآلات الموسيقية لا يصح أن تتخذ مقياسا لبراعة الفنان حقا أن بعض البحور يلائم بعض الأغراض ، ولكن مجال الاختيار في ذلك ضيق محدود ، وليس من الصعوبة بحيث يتخذ دليلا علي تفاوت العبقريات . على أنه من العسير أن نزعم أن وزنا من أوزان الشعر لا يلائم إلا غرضا واحدا ، فالشاعر قد يبدأ حزينا بائسا ، ثم لا يزال الأمل يتمشي في قصيدته حتى ينتهي بها مرحة راقصة ، والبحر في كل ذلك لا يعجز عن تصوير كل هذه الحالات . وقد يكون اختيار البحر ألزم في الشعر المسرحي لما يتطلبه من إلقاء خاص وتوزيع للكلام في الحوار .

ولكن مجال العبقرية الحق ليس في هذه التفعيلات المحدودة المعروفة ، وإنما هو في الموسيقى الخفية التي تنساب في الشعر فنحسها دون ان تحددها . هي موسيقى من الحروف والألفاظ والعبارات والمعاني ايضا في كثير من الأحيان ، واستمع إلي قول الشاعر :

محجوبة سمعت صوتي فأرقها

في آخر الليل حتي شقها السهر

تدني علي جيدها تنتي معصفرة

والحلي منها على إبنائها خصر

لم يحجب الصوت أجراس ولا غلق .

فدمعها لطروق الصوت منحدر

لو خليت نشت نحوي علي قدم

تكاد من رقة المشي تنفطر

ثم استمع بعد ذلك إلي قول البوصيري :

والنفس كالطفل إن تهمله شب علي

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه

إن الهوي ما تولي يضم أو يصم

وخالف النفس والشيطان واعصهما

وإن هما محضاك النصح فانههم

فالقطوعتان من البسيط ، ولكن انظر كيف تكاد الأولى تدفعك دفعا إلي أن نتغني بها وكيف نحس فيها موسيقى خفية جميلة غير موسيقى الوزن والتفصيلات ، بينما تتعثر الكلمات بين شفتيك عند قراءة المقطوعة الثانية فليس الأمر إذا امر بحور و عروض، وإنما هي روح الشاعر ومقدرته على الملائمة بين الحروف والكلمات والعبارات والأفكار ، وبراعته في إيراد المعاني التي تثير النفس وتجعلها على استعداد للاحساس لما يصاحب هذه المعاني من موسيقي وإيقاع ولنمض بعد في تحليل جزئيات القصيدة لتري هل وفق الشاعر إلي اختيار الألفاظ والعبارات الموحية الحاملة لشحنة من العاطفة كما يقول الكاتب . فهو يقول في المقطوعة الثالثة :(فما سور جسمي بالمتين " وهذه عبارة أحس الابتذال فيها إحساسا قويا إضافة السور إلي الجسم ، ولو قال مثلا : " ما جسمي

بالسور المتين " لسكانت أقل ابتذالا وأخف موقعا

على أننا نختلف مع الأستاذ في أمر الألفاظ وقدرتها على الإيحاء ، ولا شك أن كلمة " سياج " توحي للقاريء بمعاني الأغلاق والقوة أضعاف ما توحي به كلمة " السور " . ولا بد أن تقدر اطلاع الأديب في هذا المقام حق قدره ، فان قرآانه للنصوص الأدبية تحدد لديه مدلولات الألفاظ وتكسبها إيحاآت ذهنية تفوق بكثير إيحاآت الألفاظ التى يسمعها كل يوم في حياته العادية . فالكلمات اليومية تكاد في اغلب الأحيان تفقد قدرتها على الإيحاء ، لكثرة مرورها على الذهن في غير مناسبة عاطفية أو خيالية . أما الألفاظ في الأدب فإنها تنتقل إلي القارئ بما يلابسها من عواطف الشاعر وخياله فتستقر في الذهن وإيحاؤها يكاد يكون جزءا منها .

ويقول الشاعر

يا نفس مالك في اضطراب

كفريسة بين الذئاب

هلا رجعت إلي الصواب

وبدلت ريبك باليقين

فانظر كيف صور في البيت الأول الاضطراب بصورة بالغة القوة والتأثير ، ثم انظر بعد كيف ضعف ضعفا بينا في البيت الثاني ، فالشطر الأول منه أسلوب منثور يوحى إليك بقولهم " الرجوع إلي الحق فضيلة " ثم ما محل الصواب هنا وهو إنما يريد الرجوع إلي الأمن والسكينة والسلام ؟ وفي الشطر الثاني غلط لغوي في " بدلت " وصوابها بالهمز أو التضعيف . ويقول :

أحمامة بين الرياح

قد ساقها القدر المتاح

فابتل بالمطر الجناح

يا نفس مالك ترجفين

والرياح توحي بالزوابع والعواصف ، والقدر المتاح يصور الهلاك والدمار ، والرجفة تبين عن الخوف والفزع ، فأين موقع الشطر الثالث من هذا كله " فابتل بالمطر الجناح " أهذا كل ما استطاعت ان تصنعه الرياح والقدر المتاح بالطائر

الضعيف ؟ ثم انظر إلي كلمة المطر كيف تبدو ضعيفة نابية في مكانها ، ولو قال ( قد هيض بالوبل الجناح " لوافق ذلك في القوة سائر المقطوعة ، ويقول في القطعة التالية

أو ما لحزنك من براح

حتى ولو أزف الصباح

ولا شك أن الركاكة والعامية تبدوان بوضوح في " حتى ولو وما باله يقول : " أزف الصباح " وأزف معناها دنا وقرب ، افما كان الأجدر ان يضع مكانها " طلع " فذاك ادعي لراحة النفس وطمأنينتها ، والنفس المضطربة المنتظرة تكون في أقصى قلقها عند اللحظات الأخيرة من الانتظار .

ولست أدري ما علاقة الأرواح بالقتام ، وكيف تستطيع هذه الأرواح أن تسمي نفس شاعر من خلال الغبار " أسبتك أرواح القتام " أفما وجد الشاعر لأرواحه ستارا غير التراب المتطاير في غير موجب ولا طائل ؟

ثم تأتي بعد ذلك سلسلة الفروض التي تنترع من الكاتب إعجابا لا حد له ، والتي تذكره بنغمات أفلاطون الشعرية الجميلة يوم حدثنا عن هبوط النفس من عالم المثل ولكن أيكون مجرد هذه الذكري باعثا للشعور بالجمال والفن في الشعر ؟ الآن الشاعر ساءل نفسه هل شاقها الزجوع إلي عالم المثل، فقد اتي بما يستحق عليه الثناء ، كذلك قالوا عن أبي تمام إنه فيلسوف او درس الفلسفة لأنه وصف الخمر فقال :

جهمية الأوصاف إلا أنهم

قد لقبوها جوهر الأشياء

وهذا مذهب خاطئ تخيل الأستاذ أن يأخذ به وبغض النظر عن صياغة الفكرة وتصورها . وهذه التصورات العقلية التي يعجب بها الكاتب ليس فيها أثر للعاطفة أو الانفعال ، وكلها فروض قد يعجبك منها خيالها ، ولكنها لن تلمس من نفسك ما يثيرها  على ان الشاعر يضطرب في آخرها وتختلط عليه فكرته فلا يحسن التعبير عنها . فهر يقول إن نفسه قد حطت رحلها عند آل وهذا معناه أن النفس قد حسبت ذلك الآل غايتها فخطت رحلها عنده ،

وإن خيب أملها فيما بعد . فكيف يعود فيقول :

فنسبت قصدك والطلاب

ووقفت يذهلك السراب

أليس هذا السراب الذي تخيلته ماء هو غايتها ؟ أليست قد قدرت فيه الري الذي تنشده فخطت رحالها عنده ؟ فما وجه الذهول في هذا المكان والنفس قد هراقت ما في السقاء لاعتقادها انها بلغت المورد الروي ؟ ثم يأتي البيت الأخير :

فحنيت رأسك كالنعام

في رمل قلبي تحفرين

والكاتب ينبهنا إلي جمال( رمال القلب " المحطم ، ولو أنصف لقال المطحون ! واي قلب هذا الذي يستحيل إلي رمال إلا ان يكون قد قد من صخور الجبال . وأية صورة مضحكة هذه التي يرسمها الشاعر لنفسه ، النعامة وهي تدس رأسها بين رمال قلبه

وبعد . فهذه جزئيات من القصيدة لا تكاد تصور بعدها عن الروعة والجمال ، وإنما هو يحس إحساسا في موسيقاها ومعانيها وعواطفها . وحسبك انك لن تخرج منها إلا بمجموعة من الصور صاغها الخيال لا نصيب لها مما وعته قصيدة ميخائيل نعيمة من الهمس الشجى البليغ

مكتبة الجامعة

اشترك في نشرتنا البريدية