الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 270الرجوع إلى "الرسالة"

حول الطريقة التجانية

Share

قرأت في العدد   (٢٦٦)  من مجلة الرسالة أسئلة من ألبانيا  إلى الأستاذ الحجوي وهذا نصر السؤال:

(أن الطريقة التجانية المنتشرة في أكثر البلاد حتى البلاد  الأرناؤودية ولا سيما بلدتنا أشقودرة هل المندمج فيها غير مناف  للشريعة الغراء؟ ومنتسبو تلك الطريقة يدعون أفضلية قراء    (صلاة الفاتح)  لما أغلق على تلاوة القرآن ستة آلاف مرة وهو  أكبر الأذكياء متأولين بأن ذلك بالنسبة لمن لم يتأدب بآداب  القرآن كما فصله في كتاب جواهر المعاني المنسوب إلى التجانية،  وأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الصلاة الخاصة  إنما يترتب عليها الثواب إذا أعتقد أنها من كلام الله القديم من  قوله عليه السلام   (من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشراً) ،  وأن تلك الصلاة مع فضيلتها بتلك المثابة لم يعلمها النبي عليه السلام  لأحد إلا لمؤسس تلك الطريقة. وفي ذلك مالا يخفى من لزوم  الكتمان ومنافاته للتبليغ المأمور به عليه السلام؟ وأن مؤسس تلك  الطريقة أفضل الأولياء مع أن الإجماع هو أن الأفضل بعد نبينا  محمد عليه السلام، الخلفاء الأربعة على الترتيب المعلوم، وأن من  انتسب إلى تلك الطريقة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب وتغفر  ذنوبه الكبار والصغار حتى التبعات وغير ذلك مما هو مبسوط  في الكتب التجانية)

وحيث أننا - أهل هذه الطريقة أحق الناس ببيان ما نحن  عليه - وكان في تلك الأسئلة تحريف عن الحقيقة التي عرفناها  ونقلناها عن شيوخنا قاطبة، فإنني أعلن بلسان كل من ينتسب  إلى هذه الطريقة أن من يعتقد أن صلاة الفاتح أو غيرها من  الصلوات أفضل من القرآن فهو ضال مضل ما عرف الإسلام؛  وليس هناك في طريقتنا من يعتقد تلك العقيدة الزائفة، وقد قال  شيخ الطريقة الأكبر في جواهر المعاني:

أما تفضيل القرآن على جميع الكلام من الأذكار والصلاة  على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الكلام فأمر أوضح من  الشمس كما هو معلوم في استقراءات الشرع وأصوله شهدت به  الآثار الصحيحة

أما الذي نقول به فهو أن من لم يحسن أدب تلاوة الكتاب  الواجبة، فلأن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل له من  أن يتلو القرآن وهو مخل بشروط تلاوته. فالمقارنة في حال التالي  لا في المتلو فأنه لا خلاف في أفضلية القرآن. فأي شيء في ذلك  وهو الذي يقول به العلماء؟

على أنه لا حرج في رجاء الإثابة على العمل القليل بالجزاء  الكثير، وإن كان العامل لا يستحقه ولا العمل، والفضل الإلهي  يتسع لإثابة المؤمن على تسبيحة واحدة بجزاء عمل كثير من محض  الفضل الإلهي بغير استحقاق. وقد صح في التأمين والتسبيح  والذكر شيء من ذلك. وليس هذا من باب تفضيل غير القرآن  على القرآن بأي وجه من الوجوه. ولا يذكر هذا ليتكل عليه  المؤمنون فالمؤمن يعمل ويخاف ويرجو - وعدم الأمن أصل في  العمل بالطريق - ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون -  ولا بيأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وإن من مكارم  الأخلاق حسن الظن بالله وحسن الظن بعباد الله

وليس هناك في طريقتنا من يعتقد أن الشيخ أفضل من  أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعم السائل وقد صرح في جواهر المعاني أنهم أفضل ممن بعدهم مستدلا  بما روى عنه صلى الله عليه وسلم:   (إن الله أصطفى أصحابي على  العالمين سوى النبيين والمرسلين)  وقال: أعمالنا معهم كسير النملة  مع سرعة طيران القطاة. وذكر أن أعمال من بعدهم في صحيفتهم.  أما دعوى تفضيله على النبيين فهي دعوى لا تستحق أن يلتفت  إليها لوضوح بطلانها

أما صلاة الفاتح ودعوى أن أهل الطريقة يقولون إن النبي  صلى الله عليه وسلم كتمها عن أصحابه وأعطاها للشيخ وكونها  من كلام الله القديم، فهذه الصلاة موجودة قبل الشيخ، وهي  منسوبة لسيدي محمد البكري وهو موجود قبل ولاة الشيخ بزمن

طويل، فكيف تكون مكتومة؟ ومن نسب الكتمان له صلى الله  عليه وسلم فيما أمر بتبليغه فهو كافر مرتد. وكذلك من اعتقد  أنها من أي نوع من أنواع وحي النبوة. ولم يقل أحد عندنا إنها  من الأحاديث القدسية. والذي حققه حجة هذه الطريقة سيدي  العربي بن السائح في كتابه   (بغية المستفيد)  أنها يصح أن تكون  من الإلهام الذي يجوز للأولياء

قال صلى الله عليه وسلم: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.  قالوا وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد  الصالح أو ترى له)

والرؤيا ليست بقاصرة على ما يراه المرء في نومه كما هو  معروف في اللغة. وذكر الحافظ بن حجر في شرح حديث أبن  عباس هي رؤيا عين أريها صلى الله عليه وسلم الخ في البخاري  فيصح أن تشمل ما هو معروف بالإلهام والمشاعر والوقائع  والتحديث ونحوه مما حقق العلماء أنه جائز أن يكون نصيب الولي  من ميراث النبوة. ويجب عرض ذلك على الشريعة فما وافقها أخذ به  ومالا فلا؛ وقد يكون له تأويل كالرؤيا المناسبة سواء بسواء. وصح  عنه صلى الله عليه وسلم:   (أنه كان فيمن قبلكم رجال يكلمون من  غير أن يكونوا أنبياء)

وأهل هذه الطريقة قاطبة في أنحاء المعمورة فيهم واحد  على غير مذاهب أهل السنة والجماعة، فهم حنفية أو مالكية  أو شافعية أو حنابلة. ومعتقدهم معتقد أهل السنة الذي عليه  الفقهاء والمحدثين والأصوليون والصوفية. وقد بلغ فيهم الكثيرون  الإمامة في عصرهم في أقطارهم كسيدي إبراهيم الرياحي شيخ  الإسلام بتونس، وسيدي أحمد كلانباني شيخ الجماعة بفاس،  والفقيه جنون، وسيدي علي بن عبد الرحمن مفتي وهران، وسيدي  محمد الحافظ العلوي الشنقيطي

وكل ما يوهم في كتبنا غير هذه العقيدة فقد تصدى علماء  الطريق لبيان المراد منه وحمله على الوجه الذي يوافق ما عليه الجماعة  ولنا أسوة بمن سبقنا من العلماء. أما ما نسب للشيخ رضي الله  عنه مما لا يمكن تأويله ولا يمكن حمله على وجه صالح فنحن نراه

كذبا عليه ونرده. وقد سئل:   (أيكذب عليك؟. قال نعم - إذا  سمعتم عني شيئاً فزنوه بميزان الشرع) وقد كذب على الله والرسول والصالحين فأي حرج أن  يكذب عليه؟

وإن الواقع هو أوضح دليل على براءة الشيخ وطريقته من  هذه الأكاذيب المفتراة أو التي ولدها فهم في كلامه لا نقول به  يحسب صريحا وهو عندنا مؤول يحرم الأخذ بظاهرة. ذلك الواقع  أننا نجد أصحابه لا يقولون بها. وقد أطبق علماء الطريق من عصر  الشيخ على إعلان البراءة منها صريحا وبيان أن من يعتقدها  ليس في الطريق في شيء. ومعلوم أن أتباع كل امرئ أخبر الناس  بما هو عليه. وصريح كلامه الذي لا إبهام فيه ولا غموض هو المرجع الصحيح، وقد تبرأ من كل قول يخالف الشرع ولم يجعل  ميزاناً بينه وبين أتباعه غيره

وإذا فليس في هذه الأمور معضلة من معضلات العصر، ولكن  المعضل حقيقة هو النزاع فيما بيننا معشر المسلمين؛ ولا شك أن  لأعداء الإسلام المصلحة في التفرقة

ولا أدري ألم يحن الوقت الذي يترك فيه نزاع الطوائف  الإسلامية ويوضح سلاح الافتراء والتحريف وسوء الظن الذي  يتحاربون به؟ وهلا ييسر لهم من يسعى في التفاهم على أساس  حسن الظن بينهم وجمع كلمتهم والتماس المعاذير لمن لعل له العذر منهم؟ وليس هذا كل ما يقال عن الطريق فقد ذهب نزاع الطوائف  إلى حمل كل موهم في كتبنا على أسوأ الوجوه مما لا يخطر على بال  أحد منا ولم نسمعه إلا من خصوم الطريق، وإلى أبعد من هذا، إلى  التدليس كما يقال: فويل للمصلين - ويترك الذين هم عن صلاتهم  ساهون، وإلى الاختلاق والكذب على التاريخ وعلى الأحياء من  العلماء، ووصل حتى إلى الأمور الشخصية، وسأقدم للعالم الإسلامي  مثيلين واقعين من ذلك الافتراء:

فها هو ذا جواب العلامة المحدث السيد عبد الحي الكتاني  أطال الله حياته على سؤال رفعته إليه عن دعوى رجل زعم أن  جواهر المعاني ألفه بعض المستشرقين الفرنسيين وزعم أن الأصل  موجود في مكتبة السيد

وزعم قوم أن قبر أوريلي الفرنسية زوجة سيدي أحمد عمار  حفيد الشيخ الأكبر جعلت عليه قبة ورسم عليها صليب. والحقيقة  أنها ماتت مسلمة وثبت لدى الحكومة الفرنسية ودفنت  بالفعل في مقابر المسلمين وليس على قبرها أثر لقبة ولا لصليب.  وها هي ذي صورة قبرها بكوردان التابعة للأغواط في صحراء  الجزائر. وترى قبور مجاورة سيدي أحمد عمار، وقبر  أوريلي هو الثالث الملاصق للجدار في فضاء حديقة القصر ليس  فوقه إلا السماء، وقد وضع رجل يده على حجر قائم عليه يقابله  حجر آحر عليه تاريخ وفاتها، وأنها ماتت مسلمة بشهادة عدول  مسلمين

ولست بعد ذلك بصدد التعرض لجواب الأستاذ الحجوي  لأن هذا هو الذي لدينا ونبرأ من كل ما يخالف شرع الله وشرع  رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصحاب هذه الطريق ولله الحمد من  أشد الناس قياماً بالقرآن تلاوة ومدارسة، وبالسنة علماً وعملاً،  وأساسها تصحيح العقيدة، والقيام بالواجبات، والانتهاء عن  المحرمات جميعها، والتقرب إلى الله بالنوافل على حسب الاستطاعة  مع عدم الأمن - ولا واجب عندنا إلا ما أوجبه الشارع ومنه  وفاء المكلف بنذره بشرطه المعروف في الفقه، ولا مندوب إلا  ما ندب إليه، ولا حكم إلا لله

وليكتب خصوم الطريق   (قائمة)  بكل ما يخالف الكتاب  والسنة من العقائد فنكتب تحتها: هذا باطل لا نقول به، ونستطيع  أن نريهم من كلام الشيخ نفسه ما يرده. والفقهاء فيها ممن لهم  الباع الطائل في الأصول والفقه كثيرون ولله الحمد، وكلهم أهل  سنة واستقامة، وقد بينوا ذلك وشرحوه

وقد عاشرت كثيراً ممن بالمشرق والمغرب من السادة  التجانيين فما وجدت أحدا منهم يعتقد شيئا مما يتهم به أهل  الطريق مما يخالف الكتاب والسنة. وعلى فرض أن جاهلا  اعتقد ذلك فليس منا لمخالفته اعتقادنا، ونحن من اعتقاده بريئون

وإذن فذلك الإنكار المتفرع على تلك العقائد الزائفة لا يصلنا  منه شيء، فهو موجه إلى غيرنا ممن يعتقدها. والطريقة وشيخها  وأتباعه يبرءون من كل ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وليس  لديهم إلا ما عليه أهل السنة والجماعة (الزاوية التجانية بالقاهرة)

وهو بحث التجارب النفسية والفكرية؛ فمن الأدباء من يبحثها  على طريقه المعري، ومنهم من يبحثها على طريقة شكسبير،  ومنهم من يبحثها على طريقة أدباء الرمزية. . . الخ. وكما أنه ليس  من الحق أن يحكم الأستاذ حكماً عامّاً على أدباء المذهب القديم    (وبينهم تفاوت في الروح) ، ولا من الحق أن يحكم حكماً عاماً  على أدباء الأدب الجديد، فليس من الحق أن يحكم حكماً عاماً  على الشاعر أو الأديب الواحد، فإن الشاعر نفس وللنفس مظاهر  مختلفة تقتضي تفصيل الحكم عليها ما دام لا يحكم على قول أو عمل  واحد، أو عليها في حالة أو زمن خاص وليس من الحق أيضاً أن  يُغْفِل الأستاذ أثر حرية القول في الأدب العربي الذي شرحناه  في أول هذا المقال، ولا من الحق ألا يرى أن حرية القول  الناشئة من إطلاق الشاعر نفسه من القيود أثناء البحث شططا  منه لم يأت بأشنع من الأمثلة التي ذكرناها للأستاذ من الأدب  العربي، بل لعلها أقل شناعة؛ وهي على أي حال ليست من لوازم أي  مذهب، فمثلها في آداب العصور والأمم موجود، وواجب الناقد أن  يميز بينها وبين الصالح من قول الأديب أو الشاعر. ومما يدل  الأستاذ على أن الأدب المصري الحديث خليط من القديم والجديد  أن أحدهما يلقى زميله فيسأله هل أنت من أنصار المذهب القديم  أم من أنصار المذهب الجديد؟. كأن الحكم ليس لما يؤلفه الأديب  من شعر أو نثر، وكأنما يصح أن يكتب الأديب على طريقة المذهب  الجديد ويختار أن يعد من أنصار القديم أو العكس. لكن هذا  السؤال له معنى وقيمة؛ إذ هو دليل على الحيرة من أجل أن أدب  كل أديب خليط من مؤثرات الأدب العربي في عصوره المختلفة  والأدب الأوربي أيضاً؛ وإنما هذا الخليط عند كل واحد  باختلاف مقادير عناصره. ومن الأسباب التي تدعو إلى سوء الظن  بالأديب الجديد علاوة على ما ذكرنا، ما يقرأ منه أحياناً من سخر  وتشاؤم، وقد يكون فيهما شطط، وقد يحسبان من قلة الإيمان،  ولكنهم قد يكونان من الإيمان الحائر في وجوه الكون والحياة  الذي لم يوهب نعمة الأستقرار، وهي حالة تعرض لكثير من النفوس  فلا يستطيع تجنب وصفها كل التجنب. وإذا نظر الأستاذ إلى  ما ينشر في الصحف والمجلات والكتب في جميع الأقطار العربية  من شعر ونثر وجد في تباين أبواب القول الذي يترك جانباً من  النفس والحياة لم يحاول نعته، ما يدل الأستاذ على أن هذا التنوع هو  خصيصة الأدب الحديث، وهو يشمل ما يشكو منه الأستاذ، ولكنه  أعم مما يشكو منه، وقد صار هذا التنوع في الأدب وشموله بحث

نزعات النفس وجوانب الحياة قاعدة عامة في آداب العالم كله؛ ولا يمكن  إعادة عقارب ساعة الزمن إلى ما كانت عليه في الماضي للقضاء على  ما يشكو منه الأستاذ. فإذا أراد أن يظفر بتطهير الأدب كان الأحجى  به ألا يتعصب لقديم ولا لجديد، وأن يأخذ من الجديد على تنوع  أغراضه وأبوابه ما لابد لإشباع مطالب النفس والفكر في  عصر تعددت فيه مطالبهما وأصبحت كمد النهر في فيضانه، وألا  ينتقد هذا الأدب الجديد بالجلة كي يصيب سامعاً مجيباً إذا هو  قصر نقده على ما في هذا الأدب الجديد من شطط، وأن يتخذ في نقده هذا الشطط طريقة التحليل النفسي والإلمام بأسبابه ونتائجه  وشواهده على طريقة الطبيب المداوي بالتحليل النفسي، وألا  يقصر نقده على شطط الجديد من غير نظر إلى شطط القديم،  وقد أوضحنا أن حرية القول في الأدب الجديد تمت بسبب إلى  الأدب القديم سواء أكان ذلك في الغزل والأمور النفسية أم في  الأمور الفكرية، وليطهر كتب الأدب القديم وعاداته المألوفة  من مجون وشطط فكري كما بينا

وإني لأربأ ببصيرة الأستاذ وعقله أن يظن كما يظن بعض  الناس أن إسقاط أديب أو أكثر من أديب من أدباء المذهب  الجديد يقضي على هذا المذهب. ولو كان من المستطاع القضاء على  كل ما قاله أدباء المذهب الجديد من شعر أو نثر - الجيد منهما  وغير الجيد والمقبول، وغير المقبول - فان القضاء على ما قاله  المعاصرون لا يقضي على الأدب الجديد، لأن أسبابه أعم وأكبر  من أن تحسب من ابتكار أديب أو أكثر من أديب. وربما كان  من الحكمة أيضاً ألا ينسى الأستاذ وهو الخبير بالنفس الإنسانية  أن بعض العداء الذي لاقاه المذهب الجديد من غير المبرزين  الفطاحل كان بسبب الإجادة المحمودة المأثورة المحسودة في بعض  هذا الأدب الجديد، وإن كان عداء المبرزين الأفاضل أمثال الرافعي  بسبب اختلاف حقيقي في الرأي والروح

اشترك في نشرتنا البريدية