أساء الأستاذ أنور كامل فهم الروح التي أملت علي كلمتي المنشورة في العدد ٣١٦ من الرسالة تحت عنوان (فن منحط برغم ذلك) والتي أثارت الأستاذ والجماعة التي فوضت إليه أمر الكلام عنها - ومن حقي أن أعتقد أن الأستاذ على استعداد لمناقشة الآراء التي يستهدي بهديها بعد أن قال عن جماعته: (وأغراضها تنحصر في الدفاع عن حرية الفن والثقافة وفي نشر المؤلفات الحديثة وإلقاء المحاضرات. .) (الرسالة عدد ٣١٥ ص ١٤٢٦) وقد أتحت له بكلمتي هذه فرصة طيبة للإعلان عن جهود جماعته في مجلة عالية كالرسالة؛ ولكن الأستاذ تخاذل ونشر في العدد ٣١٧ من الرسالة كلمة تختلف في روحها اختلافاً كبيراً عما نشره في العدد ٣١٥، وترك الفرصة تفلت من يده لا لشيء إلا لأنه لا يمكنه الدفاع عن الفن الذي يروج له، لا عن طريق الفكر المنطقي المقنع ولا عن طريق البيان الذي يلهمه الإيمان الحار الذي يتدفق من القلب ويتصل بالقلوب مباشرة فتقنع به. ومن الراجح (كما هو ظاهر لكل قارئ) أن الرسالة لم تنشر الرد الذي بعث به إليها الأستاذ كاملاً بل حذفت منه ما لا يتفق مع أدبها
العالي ومستواها الرفيع. وأنا لا يهمني أن يسبني الأستاذ الفاضل ولن أتأثر لما ينال شخصي من الأحوال، وإني أؤكد للأستاذ ولأسرة الرسالة أني كتبت ما كتبت مؤمناً بأن الفن الحديث متاهة يضل فيها الكثيرون وأن المناقشة فيه ودرسه خير طريق لتمحيصه ومعرفة حقه من باطله فقد يدلني الأستاذ كامل على ما أجهل وقد أدله على ما يجهل. وأعيد هنا أني رأيت طرفاً مما رسمه بعض أعضاء الجماعة. وإني لأكرر بكل قواي أنه فن منحط؛ فرسومهم تستند إلى مذهب السير ريالزم Sur realismوهذه حركة فرنسية محضة باعثها الأول نظريات العالم سيجموند فرويد. وللدلالة على طبيعة اتجاه هذه الحركة نقتبس قول أحد أقطابها وهو الأديب اندريه بريتون Andre Breto
(إن نزوات الأفكار في الأشخاص المعتوهين تتفق اتفاقاً مقرراً مع بعض افتراضاتي العزيزية. إن ظاهرة الكتابة الآلية قد تأتي بنتائج مدهشة. نحن لا نعترف بشيء مطلقاً. إننا نعتقد بقدرتنا على اختزال أو التغلب على العقل والاحساسات الجميلة. نحن نحس العطف على كل الأحزاب الثورية. نحن لا نؤمن بالتقدم الإنساني. إننا نريد أن ندعم كل حركة معارضة بعنف مجازفين بأعمارنا. الزمن لا وجود له، إني أفضل أن أحطم على أن أشيد. نحن نصر على مراجعة القيم الفنية مراجعة كاملة. نحن لا نؤمن بالنبوغ الأدبي؛ والصفة الأدبيةliterary quality ليس لها إلا قيمة ثانوية. إننا ننقم على الحقيقة الحاضرة)(1)
وأظن أن الحركات الفنية لا تنقل بمثل هذه السهولة من قطر إلى آخر. . . دعك عن حديث الشخصية والإلهام. . . أما الشطر الاجتماعي من جهود الجماعة فإني أتمنى له الازدهار والأثمار المبكر وأقدم اعتذاري للأستاذ الذي ثار وهاج لأني وضعت فيه ثقتي ودعوته دعوة بريئة للحديث عن الفن.
وكان كاتب هذه المقالات قد وعد قراء (الرسالة) بسلسلة مقالات عن الفن. وقد قاربنا الانتهاء من إعداد هذه المقالات وسننشرها فى الرسالة ريبا تحت عنوان (الفن كما أومن به) وبذلك تؤدى ما نعتقد أنه واجبنا المحتوم نصرى عطا الاسوس

