الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337الرجوع إلى "الثقافة"

حول الكتب الحديثة :، كتاب الفن ومذاهبه، فى الشعر العربى

Share

هذا كتاب سبق لى أن حظيت بتقديمه إلى الجمهور ولم تمنعنى الصداقة التى تربطنى بمؤلفه النشيط من أن اشفع هذا التقديم ببعض ما رايته يومئذ من وجوه النقد البرىء .

أواليوم أحظى مرة أخرى بتقديم هذا الكتاب لأن مؤلفه أعاد طبعه المرة الثانية وزاد فيه فصلين جديدين أولهما عن الأدب فى الأندلس . وثانيهما عن الأدب فى مصر . لاشك أنهما فصلان ممتعان قيمان يستحقان منا كما استحق الكتاب كله من قبل تقديرا كبيرا غير أنى سأ كتفى هنا بالكلام عن الفصل الذى كتبه المؤلف فى الأدب المصرى .

- ولعل أول ما يلفت النظر من ذلك ويدعو فى الوقت نفسه إلى الإعجاب والتقدير هو رجوع المؤلف الفاضل فى هذه الطبعة الجديدة من كتابه عن رأى له فى الاقليمية

وعدوله عن فكرة كان يصدر عنها فى الطبعة الأولى من كتابه ، وهي أن التأثير الاقليمى فى الأدب العربى كان ضعيفا وغير خليق بعناية ما ،وأن الباحث فى الأدب العربى جملة مضطر إلى إغفال الحواجز الكثيرة بين الأمم التى يمثلها هذا الأدب .

- أما الآن فقد رجع المؤلف الفاضل فى الطبعة الثانية من الكتاب إلى الحق ، وآية ذلك أنه خص الأندلس بفصل وخص البلاد المصرية بفصل ، وفى ذلك ما يدل على إيمان المؤلف ( بالاقليمية فى الشعر ) وفى ذلك ما يدعو كما قلت إلى الإعجاب به والثناء على خلقه العلمى .

يقول المؤلف فى صفحة ٣٥٣ ، وقد كنا نظن أن مصر ليست ذات خطر فى تاريخ الشعر العربى . ولولا ما يميزهم ( يريد المصريين ) من تصوف وفكاهات ودعابات لأحسسنا باتساع حركة التقليد على نحو ما أحسننا بها فى الاندلس .

وآخر من دواعى الإعجاب بمؤلف هذا الكتاب أنه استوعب فى سبيل الفصل الذى كتبه عن مصر ثلاثة كتب ، هى من أهم مصادر الأدب المصرى فى القرون الوسطى ، وهي كتاب " اليتيمة " للثمالى و " الخريدة " للعماد الأصفهانى و " المغرب " لابن سعيد . ثم نظر المؤلف الفاضل إلى الأدب المصرى منذ نشأته فاسترعى نظره ازدهار هذا

الأدب فى صور ثلاثة بنوع خاص : أولها العصر الفاطمى ثم العصر الأيوبى ثم عصر المماليك .  فكأنه أراد بذلك أن يقول لنا إن الشخصية الأدبية لمصر لم يبدأ ظهورها بالفعل إلإمنذ بداية العصر الفاطمى وهو راى له احترامه ووجاهته ، ولا يطلب من رجل يكتب فصلا عن مصر الإسلامية فى كتاب عام أكثر من أن يقف وقفة خاصة أمام المعالم العامة للأدب الذى ظهر لهذه البلاد .

غير أن المؤلف الفاضل خص العصر الفاطمى بعناية عظيمة تتضاءل أمامها عنايته بالعصور الأخرى . ومرجع ذلك فى رأينا إلى شئ واحد فقط هو أنه قرأ الخريدة باهتمام واستغرقت الخريدة كل جهوده . وكتاب الخريدة يعتبر مكملا لكتاب اليتيمة ويوشك أن يكون كله مكتوبا فى شعراء القرون التى عاشت فى أثنائها الخلافة الفاطمية .

فلو قد ظفر امؤلف بكتب أخرى إلى جانب الخريدة لاستطاع أن يقسم عنايته بالعصور الأدبية تقسيما فيه شئ من العدل والانصاف . وقد اتبع المؤلف الفاضل طريقة حسنة فى هذا الفصل الذى كتبه عن مصر ، وعني منذ بداية الأمر بأن يرسم خطوطا واضحة فى بيان الشخصية العربية التى عبر عنها الأدب الذى خلفه لنا ذلك العصر ، فراعه من هذه الشخصية أنها ظهرت بوضوح فى أمور ثلاثة : أولها قدرة المصريين على وصف الأحداث السياسية التى تمر بهم . وثانيها براعتهم فى الفكاهة والدعاية بحكم ترفهم ولهوهم وانصرافهم عن الاشتغال بالفلسفة . ثالثها التصوف الذى كان له الأثر الواضح فى حياة المصريين الأدبية والاجتماعية .

ولقد نجح المؤلف نجاحا عظيما فى شرح هذه الخصائص التى امتازت بها شخصية المصريين فى الأدب ، ولكنه كما قلنا تشيع لمصر دون عصر . ولنوضح رأينا فى هذه المسألة بأيجاز فنقول : اما الشعر السياسى فلا شك أن العصر الأيوبى تفوق فيه على العصر الفاطمى . وأما التصوف فقد كان العصر الأيوبى تهافته على الجد وانصرافه إلى الحرب

أدعى لظهور التصوف وأشد ملاءمة له من العصر الفاطمى فكثر المتصوفون فى عصر بني أيوب وزادوا علي المتصوفين فى العصور السابقة  والموازنة بين ابن الكيزانى أحد متصوفى العصر الفاطمى وابن الفارض أحد متصوفى العصر الأيوبى تؤدى إلى هذه النتيجة التى أشير اليها ، لا إلى النتائج التى وصل اليها المؤلف عند كلامه عن التصوف بنوع خاص .

وأما الفكاهة فلا شك أنها أينعت فى العصر الفاطمى واختفت قليلا فى العصر الأيوبى ، ثم عادت للظهور فى عصر المماليك ، ولكن المؤلف الفاضل نسى أن هذه الفكاهة ما كانت لتفيض جملة فى عصر بنى أيوب ، ولكنها ظهرت باهتة فى الشعر واضحة وضوحا لا سبيل إلى انكاره فى النثر . وقد كتب صديقى المؤلف فى نقد كتابى " حكم قراقوش " وعرف أن السخرية كلون من ألوان الأدب كان لها وجود فى العصر الأيوبى برغم ميله إلى الجد وانصرافه إلى شئون الحرب .

( وبعد ) فنحن نعلم أن الدرس الأدبى فى مصر إلى وقت قريب جدا كان جاهليا أمويا وعباسيا ، ولم يكن قط مصر او شاميا او أندلسيا ، وبقى الحال علي ذلك حتى أنشأت الحكومة المصرية كرسيا لدراسة الأدب المصرى فى جامعة فؤاد الأول . ومنذ ذلك الوقت اتجهت العناية إلى دراسة هذا الأدب ولقى المشتغلون به شيئا غير قليل من المشقة والعنت . ومن أجل ذلك أرانى شديد الأشفاق على كل من يشتغل فى هذه المناطق المجهولة فى الأدب العربى والتى لم تفتتح بعد    وأنا فى الوقت نفسه شديد التقدير لكل من يجد فى نفسه شجاعة يقتحم بها هذا الميدان الجديد .

ذلك ما يشعر . الدكتور شوقى ضيف حين اقتنع بنظرية الاقليمية فى الشعر ، وحين رأى من الواجب عليه أن يخصص فصلا فى كتابه للأدب المصرى وآخر للأدب الأندلسى فسر نا منه ذلك ، وربحنا به جنديا ماهرا فى صفوف المشتغلين بالأدب الاقليمى .

اشترك في نشرتنا البريدية