كنت قد كتبت في عدد سابق من الثقافة كلمة حول التعاون الثقافي العربي اقترحت فيها على معالي وزير المعارف المصرية ان يدعو الحكومات العربية إلي مؤتمر تعليمي تبحث فيه الإصلاحات الى درسها في تقريره عن التعليم في مصر ، ويدرس فيه ما يقبل من هذه الإصلاحات التي اتفقت على مبادئها ١ كثر الأمم الديموقراطية لان يعتمد ويسمم في جميع البلاد العربية .
وقد وجه إلى لوم من بعض إخواني ابناء الغرب ، على أنني اختصصت بالذكر في كلمتي البلاد العربية الشرقية : ولم أشر بشيء إلى البلاد العربية الغربية ، واعتبروا ذلك سي ، كما هو من اكثر المعنبين بالشؤون العربية ، تقصيرا في حق وطنهم الغربي .
وليس من شك في أن إخواني المغارية علي حق فيما ذهبوا إليه من لوم . وانهم لا يؤدون واجبهم نحو وطنهم المغربي حين ينبهوننا نحن ابناء الشرق إلي ما نقع فيه من اهمال لهذا الجزء العزيز من الوطن العربي فحسب ، وإنما هو يؤدون واجبا ثقافيا وقوميا نحو الثقافة العربية والقضية العربية التي ينبغي التطلع إلي كل منهما على انها وحدة لا تتجزأ في المشرق والمغرب .
والعذر الوحيد الذي اتقدم إليهم به - إن كان ينفع العذر - هو اني اقتصرت في اقتراحي على ذكر دوائر المعارف العربية في سوريا وابنان والعراق والحجاز واليمن لاعتقادي انها تتبع حكومات عربية مستقلة تستطيع ان تلبي دعوة الوزير بصورة رسمية حكومية إلي المؤتمر حين تعزم مصر أن تدعو إليه
وليس معني ذلك أنني أري حرمان البلاد العربية التي
لم تستقل بعد ، سواء كانت شرقية أوغربية ، من الاشتراك في المجهود الذي يبذل في سبيل توحيد الثقافة العربية أو في سبيل الوحدة العربية بصورة عامة .
إن هذا ما لا يمكن أن يفكر به عربي يؤمن بمستقبل للعرب في شرقهم وغربهم تسود الوحدة فيه نظام حياىهم ، كما ان هذا لا يتفق مع منطق الحوادث التي تتدافع في العالم العربي ، وترينا ان البلاد العربية شرقية وغربية تسير في طريق تحريرى واحد نحو الاستقلال ؛ كل ما فيه من اختلاف هو ان بعضها يسبق إلى خط من هذا الطريق لابد ان يوافيه عنده الآخر مهما لفي في ذلك من عراقيل وعقبات
ولئن كان الواقع الأليم وصل بلدان الشرق العربي إلي درجة من الاستقلال لم يبلنها الغرب العربي بكافة أجزائه ، فإن كل ما في روح ابناء هذا الشرق من مقومات العروبة ، وكل ما يغذي وجودهم من عناصر القومية يهيب بهم ، وهم يتعاونون فيها بينهم لتحصين استقلالهم بسياج الوحدة ، أن يلتفتوا دائما وأبدا نحو المغرب العربي ؛ لينصروه في جهاده التحرري ، وان يضعوا هدفا من اهداف وحدتهم الوصول بالغرب إلي الاستقلال ، ليكمل بذلك عقد الوحدة العربية بانتظامه فيها .
فالمغرب العربي بما فيه من ليبيا وتونس والجزائر ومراكش لا يمكن سلخة عن الوطن العربي وهو الامتداد . الطبيعي الحيوي للعروية لغة وثقافة ودينا نحو الغرب في طرفه الأقصي . إنه امتدادها التاريخي نحو المحيط الأطلسي ومطلعها الثقافي على الجنوب الأوربي
ولا استطيع الآن أن أذكر الدور الذي استطاع المغرب ان يمثله على مسرح الحضارة حين انتقلت إليه الحركة الثقافية العربية من المشرق في القرون الوسطى ، ولا ان احصر فضله على العرب والإنسانية كملها إذ اشعت منه في ذلك العهد الراهي حضارتهم على أوروبا
النافية . فلهذا آثار خالدة ما تزال تنطق في صقلية وفي زهراء الأندلس وحمرائها ولهذا دراسات تاريخية لا مجال لها الآن .
وإنما أكتفي بأن أورد كلمة سمعتها من أستاذنا الدكتور طه حسين في محاضرته الأخيرة عن علاقات مصر الثقافية بالعالم العربي ، قال فيها : إن كل تفكير بتنظيم التعاون الثقافي بين البلاد العربية تقوم به مصر ولا تشرك فيه المغرب الذي يكفي دلالة على قوة العلاقات الثقافية بينه وبينها أنه أرسل لها في القرون الوسطى مفكرا كابن خلدون يعتبر تفكيرا ناقصا ، وإذا أريد أن يكون التعاون الثقافي بين البلاد العربية أساسا للوحدة العربية ، فإن " وحدة لا يكون فيها المغرب هي وحدة مبتورة " .
وتلك حقيقة إن كان العرب جميعا يؤمنون بها ، إلا ان صدورها عن مفكر مسئول يتولى اليوم بنفسه امر التفاوت الثقافي العربي يشير بأن الحكومات العربية وفي
طليعتها مصر سوف تعمل لها . وقد لا يكون هناك حكومات مغربية مستقلة يمكن العمل معها الآن في هذا السبيل أو في غيره من السبل التعاونية الأخرى . إلا ان هناك الشعب العربي المغربي في جميع اجزاء شمالي افريقيا له هيأته وجمعياته العلمية تستطيع حكومتنا المستقلة ان تتعاون معها وان تمدها بجميع الوان العطف المعنوي والمادي لتؤدي رسالتها الثقافية عربية قومية في جميع أنحاء المغرب ، فنقاوم بها رسالة المدارس الأجنبية التي تنتشر فيه لبث رسالة ثقافية غربية استعمارية .
وهناك الشباب العربي المغربي تستطيع حكومتنا الوطنية في مصر وسوريا ولبنان والعراق ان تفتح له أبواب المدارس والجامعات العربية على مصاريعها ؛ يتلقن فيها ثقافة الشرقي ، ويتلغي روح الشرق العربي الاستقلالية فيعود كل منهم إلى وطنه رسولا لهذه الثقافة ومبشرا بتلك الروح .

