الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322 الرجوع إلى "الرسالة"

حول الوحدة العربية

Share

قرأت فى العدد (٣١٩) من الرسالة مقالاً للأستاذ عز الدين  التنوخى عضو المجمع العلمى العربى بدمشق تأييداً لما يكتبه الأستاذ  أبو خلدون ساطع الحصرى بك نقداً لكتاب (مستقبل الثقافة  فى مصر)

وقد عرض فى هذا المقال لمبحث طريف حين طلب إلى  الدكتور طه حسين أن يكون أديب الأقطار العربية كلها أولى من  أن يكون في قطر واحد أديباً! ثم قال:(... أوليته - وهو  مسلم مصرى - خاطب العرب بما خاطبهم به الأستاذ مكرم عبيد  - وهو النصرانى المصرى - وهو لذلك أشد اتصالاً منه  بالفراعنة ذوى الأوتاد!)

وبهذه المناسبة أقتبس شيئاً من مقال للأستاذ مكرم عبيد  فى هذا الموضوع يجنح إلى تحليل فكرة الوحدة العربية وتأييدها  وذكر أنه قابل الأستاذ مكرماً فى دمشق وسأله عن تلك النعرة  الفرعونية فى مصر وأنه لا يزال يذكر أن الأستاذ أجابه بما معناه:  نحن عرب فى مصر ولا نمجد الفراعنة إلا لأنهم عرب!

وأنا أقول إن الأستاذ مكرم عبيد وإن كان أديباً كبيراً    (ومن نوابغ مصر فى ثقافته وأخلاقه ووطنيته) إلا أنه سياسى  عتيد، ولا يخفى ما فى جوابه السابق من أساليب السياسيين،  ولعل ذلك لم يغب عن الأستاذ التنوخى! فإن فكرة رد الفراعنة  إلى أصل عربى يطول مداها، وتصل بنا إلى غور التاريخ مما لسنا  فى حاجة إليه اليوم. خصوصاً وإنى أعلم أن فكرة كراهية  الفرعونية فى مصر ترجع إلى سببين: أحدهما سياسى والآخر دينى؛  أما السياسى فهو أنها تقف حجر عثرة فى سبيل الوحدة العربية  كما يراها أنصارها. وأما الدينى فيرجع إلى فكرة خاطئة هى أن  فرعون قد ذكر فى (القرآن الكريم) بأنه حاكم باطش مستبد  بالرسل... وهذه الفكرة خاطئة لأن فرعون الباطش الفرد لا يعنى  فراعنة ثلاثين أسرة حاكمة توالت على عرش مصر فى مدى ثلاثة  آلاف سنة أو يزيد. وإذا كان موسى عليه السلام قد لقى من  عنت فرعون ما دفعه إلى الخروج بقومه من مصر، فإن يوسف  عليه السلام قد لقى عند فرعون إكراماً وتقديراً لمواهبه واستغلالاً  لتلك المواهب فى حكم البلاد. قال تعالى: (وقال الملك ائتونى  به أستخلصه لنفسى، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.

قال اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم. وكذلك مكنا  ليوسف فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. نصيب برحمتنا من  نشاء ولا نضيع أجر المحسنين)

هذه هى نقطة الضعف فى السبب الدينى الذى يدعو إلى كراهية  الفرعونية فى مصر. أما السبب السياسى وهو أن الفرعونية تقف  حجر عثرة فى سبيل الوحدة العربية فذلك أنهم يريدون أن  تقوم هذه الوحدة على أساس الاشتراك الجنسى دون العنصرية  أو القومى، فهم لذلك يريدون أن يفرضوا العربية على جميع الذين  يدخلونهم فى نطاق هذا (الحلف العربى) أو (الاتحاد العربى)   ويستعظمون أن يتسمى أحدهم بغير هذا الاسم. فأنا آخذ عليهم  هذا. وذلك أن العرب خرجوا من جزيرتهم - التى هى وطنهم  الأول الخاص بهم - يحملون مشعل الإسلام فى أيمانهم فنزلوا  على الشعوب الأخرى واختلطوا بها اختلاطين: اختلاطاً ثقافياً  واختلاطاً جنسياً... فأما الثقافى فبنى على أساس الإسلام

والقرآن والأدب العربى، وأما الجنسى فعلى أساس المزاوجة  والمصاهرة. ولا شك أن الاختلاط الأول كان أفعل من الثانى؛  فإن الجنسيات الأصيلة فى البلاد المفتوحة لم تمح محواً إن لم تكن  قد حافظت على تغلبها فى أكثر تلك البلاد، بينما غلبت الثقافة  العربية على جميعها وإن كانت المؤثرات الجديدة التى صحبت التوسع  العربى قد استدعت منذ انتهاء الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية،  أن يعترف بانتهاء تسميتها (بالدولة العربية) فأصبح المؤرخون  يسمونها بعد هذا التاريخ (بالدولة الإسلامية) !

وإنى ارجوا ألا يفهم من هذا أننى لا أؤيد وجود وحدة بأى  نوع من الاتحاد وتحت أى اسم من الأسماء، ولكنى أوجه  إلى أقرب الطرق إلى تحقيق حلم من هذا النوع... إن مباحث  الأدب والتاريخ لا تنتهى، ولكنها تصبح عظيمة الجدوى إذا  اصطحبها النظر إلى واقع الظروف القومية والاجتماعية الملابسة،  وقد تتحقق الوحدة المنشودة بإرشاد المخالفين لها أكثر مما تتحقق  بإرشاد المؤيدين، فإن الناظر إلى حالة كل دولة شرقية على حدة  يدرك طول الأمد المطلوب لتحقيق شىء من هذا القبيل للانحلال  الظاهر فى كل عضو من أعضاء هذا الجسم على انفراد، فليكن  العلاج علاجاً لكل عضو مستقلاً عما سواه، حتى يصح الجسم  بصحة جميع أعضائه!

وبعد ذلك، أفلا يرى معى كل منصف أن الدعاة إلى القومية  قد يكونون هم اصلح الدعاة إلى وحدة عربية أو إسلامية قوية  منيعة فى وقت ليس قريباً جداً، وأن من يراد له أن يكون أديب  الأقطار العربية كلها لا أن يكون فى قطر واحد أديباً، قد  يكون هو أديب الأقطار العربية الحق، الذى يمهد السبيل القويم  - وإن كان بطيئاً - لوحدة هذه الشعوب التى تدين بدين واحد  فى أغلبها، وبأمانى وطنية واقتصادية واحدة فى مجموعها؟! (شبرا - مصر)

اشترك في نشرتنا البريدية