الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 578الرجوع إلى "الرسالة"

حول بعث القديم

Share

نشرت (الرسالة) بعددها الأخير لأديب أظنه أحد طلبة  المدارس تعليقات على مقالي بعث القديم. ولم يكن هذا المقال  يقصد إلى تحقيق جزئيات بل إلى استخلاص حقائق عامة بقيت  بنفسي من تدريس الأدب المصري المعاصر بالجامعة. والظاهر  أن الطالب الأديب لم يفهم ما قصدت إليه فحشد كتبه المدرسية  ليحتاجني بها

قلت: (إننا لم نستطع أن نستخدم الطباعة إلا في  سنة ١٨٢٢) وفي موضع آخر، (إننا لم نستخدمها على نحو مطرد  إلا منذ سنة ١٨٢٢) والمعنى واضح، فالمقصود هو ابتداء طبع  الكتب. وهذا ما يثبته ما نقله جرجي زيدان في تاريخ الأدب  العربي الجزء الرابع ص ٥٨ عن بيانكي إذ قال (إن أول ما طبع  كان قاموساً إيطالياً عربياً سنة ١٨٢٢) ، وأضاف جرجي زيدان  إلى ذلك في نفس الموضع أنه (اطلع في مكتبة محمد بك آصف  بمصر على كتاب في صباغة الحرير ترجمة القس رفائيل راهب عن  الفرنسية وطبع في بولاق سنة ١٨٢٢) وإذن فما قلته صحيح.  ومع ذلك يأتي الطالب الأديب فيخبرني مشكوراً أن كتب  التاريخ حتى ما كان في أيدي صبية المدارس الابتدائية تذكر أن  مطبعة بولاق أسست سنة ١٨٢١. وهذا ما لم أتحدث عنه. ومع  ذلك فأنا أخبر الطالب الأديب دون أن أنتظر منه شكراً أن  كتب صبية المدارس التي اطلع عليها كذابة وأنه قد اكتشفت  منذ عشر سنوات ببولاق لوحة تركية دون فيها تاريخ افتتاح  مطبعة بولاق ونشر صورتها الدكتور إبراهيم عبده في كتابه عن    (تاريخ الوقائع الرسمية) ، وهي تثبت أن هذه المطبعة قد  افتتحت سنة ١٨١٩ - ١٨٢٠لا سنة ١٨٢١ كما حدثته كتب  صبية المدارس

وذكرت أن (أقدم الجمعيات التي تألفت لنشر الكتب وهي  جمعية المعارف التي أسسها محمد عارف باشا لا ترجع إلى أبعد من

سنة ١٨٦٠) وإيراد التاريخ على هذا النحو لا يفيد تحديداً  ومع ذلك لم يفهم الطالب الأديب فقال وكتبه المدرسية بيده  إن مؤسس الجمعية هو إبراهيم بك المويلحي وإن تأسيسها  كان سنة ١٨٦٧ والأمر لم نتركه بغير تحديد إلا لأنه ليس من  البساطة بحيث يظن الطالب الأديب، ونحن لم نكن بحاجة  لذلك التحديد لتستقيم المحاجة، ولهذا لم نقف عنده. وفي المرجع  الذي أشرنا إليه فيما سبق يذكر جرجي زيدان أن محمد عارف باشا قد  أسسها سنة ١٨٦٨، ولكن نفس المؤلف يذكر فى (تراجم المشاهير  الشرق في القرن التاسع عشر)  طبعة سنة ١٩١١ جزء ٢ص ١١٥  ما يأتي: (اتفق المويلحي مع المرحوم عارف باشا أحد أعضاء مجلس  الأحكام بمصر وصاحب المآثر الكبرى على نشر الكتب على  تأسيس جمعية عرفت بجمعية المعارف غرضها نشر الكتب النافعة  وتسهيل اقتنائها وأنشأ هو مطبعة باسمه سنة ١٢٨٥ لطبع تلك  الكتب وهي من أقدم المطابع المصرية. على أن الجمعية كانت تطبع  كتبها في مطابع أخرى وخصوصاً المطبعة الوهبية) . والذي  يستفاد من هذا النص هو أن المويلحي قد أنشأ مطبعة سنة ١٢٨٥هـ  أي حوالي سنة ١٨٦٧ ميلادية، ولكن المطبعة شيء والجمعية  شيء آخر، وأظن أنه من الطبيعي أن المطبعة لم تنشأ إلا بعد  تأسيس الجمعية خصوصاً وأن الجمعية كانت تطبع في مطابع  أخرى، والراجح أن اتفاق المويلحي مع عارف باشا كان على طبع  الكتب التي تريد الجمعية نشرها في مطبعة المويلحي، ولقد  تفادينا في المقال كل هذه التفصيلات التي لا تحتملها مجلة وأخذنا  بخصوص مؤسسها برأي زيدان الذي صرح فيه أن المؤسس  الحقيقي للجمعية كان عارف باشا، وأما عن تاريخ إنشائها فحيث  أننا لم نستطع أن نجزم به فقد قلنا إطلاقاً إنه لا يرجع إلى أبعد  من سنة ١٨٦٠، وفي هذا ما يكفينا لنمضي في محاجتنا

هذه هي الوقائع التاريخية. وأما ما دون ذلك من الآراء التي  أوردها الطالب الأديب، فهي لا تستحق المنافسة لأنها مبنية على  عدم فهم لما ذكرنا أو خلط فيه لالتماس مجال للكلام. فالذي  نقصده بأسبقية الشعر على النثر في النهوض قائم على الموازنة بين  النثر الأدبي الفني والشعر في بدء النهضة. والنثر الفني الأدبي  غير نثر الترجمة أو التأليف، بل إن هذا الأخير نفسه لم يتحرر

من الزخرفة اللفظية إلا من عهد قريب، وعناوين الكتب التي  ترجمت في عصر محمد علي ومن يليه بل والكتب التي ألفت  كانت مسجوعة مثل (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)   للطهطاوي ومع أنه كتاب ذكرياته عن مدة البعثة بفرنسا. وفي  كتاب جواهر الأدب الهاشمي مئات من الأمثلة للنثر الفني الأدبي  في ذلك العصر من رسائل شكر على هدايا إلى وصف لفصول العام  إلى منظرات بين مدن القطر المختلفة مما يعرفه الجميع صبية المدارس  القدماء، وأما عن الطهطاوي؛ فأنا لم أقل إنه أول من بعث القديم.  بل قلت إنه كان يؤمن به ويدفع إليه بحكم ثقافته المستنيرة التي  عاد بها من أوربا، وهذا ما أقر به الطالب الأديب بعد أن نفاه

وأما عن المعلومات الكثيرة التي سردها الطالب الأديب عن  الصحف والترجمة ففي الكتب الأكبر من مراجعه معلومات  أكثر منها وهو يستطيع أن يعود إلى كتب برو كلمان وشيخو  وزيدان وعبد الرحمن بك الرافعي وغيرهم كثيرين لينسخ صفحات  مكدسة بأسماء الكتب والكتاب والصحف والصحفيين، ولا شك  أن هذه المراجع أغنى من (المجمل) (والمفصل) ، ولا شك أن  وضعها في الهوامش يدل على علم أغزر واطلاع أوسع. وهذا لا ريب  خير من المهاترة التي ضيعت على الطالب الأديب ما كنت أود  أن أتبسط معه في شرحه وإيضاحه لو أنه قصد إلى فهم ما لم يفهم  بدلاً من التخبط والتناقض الباديين في مقاله المضحك

اشترك في نشرتنا البريدية