كان فيما ذكره حضرة صاحب المعالى عبد العزيز فهمى باشا فى البحث الممتع الذى نشره بالعدد ٤٦٧ من مجلة » الثقافة « الغراء في مسألة تعدد الزوجات » أن عمر رضى الله عنه منع كتابة الحديث اكتفاء بالقرآن « .
وإنا مع احترامنا لما قال معاليه ، نقول إن منع عمر لكتابة الحديث لم يكن من عند نفسه ، ولا من رأيه ، وإنما كان اتباعا لأمر رسول الله صلوات الله عليه .
فقد روى مسلم وغيره عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ( ص ) قال : » لا تكتبوا عنى شيئاً سوى القرآن ، فمن كتب عنى غير القرآن فليمحه « .
وقد استجاب أصحابه لهذا النهى ، فلم يكتبوا عنه غير القرآن ، ولم يقف أمرهم عند ذلك ، بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها ، ويتشددون في قبول ما يروى لهم منها ؛ وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الخبر من الصحابى مهما بلغت مكانته ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد أنه سمعه من النبى . وكان علىّ يستحلف الصحابى على ما يرويه له .
وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقى فى المدخل عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن ، فاستفتى أصحاب رسول الله فى ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق يستخير الله فيها شهراً ثم أصبح يوماً ، وقد عزم لله له فقال : » إنى كنت أريد أن أكتب السنن ، وإنى ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله . وإنى والله لا أشوب كتاب الله بشىء ابداً «، ثم كتب في الأمصار : من كان عنده شئ فليمحه . وروى الحاكم بسنده عن عائشة قالت : جمع أبى الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث ، فبات يتقلب . قالت : فتمنى
كثيرا . فلما أصبح قال : أى بنية ، هلمى الأحاديث التى عندك . فجئته بها فأحرقها ، وقال : خشيت أن أموت وهى عندك فيكون فيها حديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ، ولم يكن كما حدثنى فأكون قد تقلدت ذلك . زاد الأحوص : أو يكون قد بقى حديث لم أجده فيقال : لو كان قاله رسول الله ما خفى على أبي بكر .
وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء ، قال : سألت القاسم بن محمد أن يملى علىّ أحاديث ، فقال : إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب ، فأنشد الناس أن يأتوه بها ، فلما أتوه بها ، أمر بتحريقها ، وقال : مثناة كمثناة أهل الكتاب .
ودخل زيد بن ثابت على معاوية ، فسأله عن حديث وأمر إنسانا أن يكتبه . فقال له زيد : إن رسول الله ( ص ) أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه فمحاه . والأخبار الصحيحة فى ذلك كثيرة نجتزىء بما أوردناه منها خشية الإطالة .
